تأريخ لمسيرة أديب ما بين الجزائر والحجاز

الجمعة 2016/07/08
مجلدان ضمّا روايته "غادة أم القرى" ومجموعات من كتاباته

الجزائر- انتظر الأديب الجزائري أحمد رضا حوحو (1911-1955) أكثر من ستين عاما بعد وفاته لتُجمَع أعماله وترى النور في مجلدين اثنين وضمّا روايته “غادة أم القرى”، ومجموعاته القصصية، وكتاباته في الحجاز، ومقالاته، ومسرحياته.

وصدرت الأعمال الكاملة لأحمد رضا حوحو عن المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية. إذ خطّ هذا الأديب الجزائريُّ الذي وُلد بمنطقة الزاب في مدينة سيدي عقبة بالجنوب الجزائري، مسيرة إبداعية حافلة، وعرف بتنقله عبر العديد من مناطق الجزائر وخارجها نتيجة ظروف عاشتها أسرته، بدأت بانتقاله إلى مدينة سكيكدة في الساحل الشمالي للجزائر، وهي المدينة التي كانت تقطنها يومئذ غالبية أوروبية، حيث أكمل دراسته الإعدادية باللُّغة الفرنسية، وبمجرد حصوله على “شهادة الأهلية” عاد إلى مسقط رأسه، وعمل في إدارة البريد والمواصلات.

وكان والده مسؤولاً بمثابة رئيس بلدية، وقد شبَّ خلافٌ بينه وبين “الباشا آغا” المعروف بعمالته للاستعمار الفرنسي، ما أدّى إلى إرغام أسرة حوحو على مغادرة الوطن والانتقال إلى الحجاز سنة 1935.

وفي المدينة المنورة واصل أحمد رضا حوحو تعليمه في معهد العلوم الشرعية، فحصل على شهادة التدريس، وبعد تخرُّجه عمل في حقل التعليم، ثم في البريد والمواصلات، وبدأ منذ عام 1937 الكتابة في مجلة “الرابطة العربية” الصادرة في القاهرة، وكذلك في مجلة “المنهل” الصادرة في مكة، وقد لعبت هذه المجلة دوراً كبيراً، بحسب الكثير من الدارسين، في فتح الحوار بين المثقفين، سواء الذين كانوا في الحجاز أو في ساحات أخرى من الوطن العربي خلال ثلاثينات القرن الماضي وأربعيناته، وهي تُعدُّ مرجعاً مهمّاً، خاصة في مجالي القصة والشعر، ولا يُمكن التأريخ للأدب في السعودية من دون الاعتماد عليها بشكل أساسي.

تنوّعت كتابات أحمد رضا حوحو في مجلة “المنهل” حول مواضيع مختلفة مثل مواجهة الاستعمار الفرنسي. وكان لإتقانه اللُّغتين العربية والفرنسية الأثر البالغ على كتاباته، كما كان للرحلات التي قادته إلى مصر، ثم إلى فرنسا، وروسيا، ويوغسلافيا، وتشيكوسلوفاكيا، التأثير الواضح في تجربته، حيث يبدو جليّاً أنّ حوحو اندهش لما رآه من تفاوت كبير بين ما تتمتّعُ به شعوب الغرب من حقوق وحريات وبين حرمان شعبه من مثل تلك الحقوق. بدأ أحمد رضا حوحو رحلة الكتابة في السعودية بعمله الروائي الأول “غادة أم القرى” الذي يُعدّ أهمّ أثر أدبي له، ما أهّله لأن يكون رائد الرواية العربية في الجزائر.

وقد قام الروائي والناقد الجزائري المعروف واسيني الأعرج بجمع بعض أعمال حوحو القصصية، بما في ذلك روايته سالفة الذكر، في كتاب واحد حمل عنوان “غادة أم القرى وقصص أخرى”. وبحسب بعض النقّاد، فإنّ موضوع هذا العمل الروائي الذي كتبه حوحو في السعودية ما بين 1935 و1945، كان المرأة العربية في البيئة الحجازية المشابهة لبيئات عربية أخرى.

حين عاد أحمد رضا حوحو إلى الجزائر سنة 1945 عقب وفاة والده، تولّى أعباء الأسرة واستقرّ في مدينة قسنطينة، والتحق بالحركة الإصلاحية التي أسّسها الشيخ عبدالحميد بن باديس برفقة الشيخ البشير الإبراهيمي، وكان يكتب باستمرار في مجلة “البصائر” التي أصدرتها الحركة، ثم تولّى رئاسة تحرير جريدة “الشعلة” التي صدر منها 49 عددا، قبل أن توقفها السلطات الفرنسية مثلما أوقفت مجلتي “البصائر” و”الشهاب”.

يؤكد الباحث أبوالقاسم سعدالله أن في أدب أحمد رضا حوحو ظاهرتين مهمتين: الأولى السخرية، والثانية براعة الحوار. فالسخرية ظاهرة شائعة في جميع آثاره حتى الجاد منها، يلتجئُ إليها للتعبير عن خلجات نفسه وآرائه وشؤون الحياة. ومن الأعمال المميّزة التي كتبها حوحو عقب عودته من الحجاز “حمار الحكيم”، الذي طبعه في قسنطينة سنة 1953، واستوحاه من كتاب “حمار الحكيم” لتوفيق الحكيم. كما كتب أحمد رضا حوحو في المسرح وفي الشعر الشعبي الجزائري، وله العديد من الإسهامات في هذه المجالات السردية المختلفة.

وفي عام 1955، استشهد أحمد رضا حوحو إلى جانب بعض الشخصيات من الأعيان والمثقفين الذين كان يرى فيهم الفرنسيون خطرا عليهم، حيث اقتحموا عليهم منازلهم، وإلى غاية اليوم لم يُعثر على جثمانه ولا أحد يعرف كيفية استشهاده، على حدّ ما تذهب إليه الكثير من المراجع التاريخية. ولعلّ صدور الأعمال الكاملة لأحمد رضا حوحو في مجلدين أشرف على جمع المادة وإعدادها فيهما بشير متيجة والطيب ولد لعروسي، يُعدُّ حياة ثانية لهذا الأديب الجزائري الذي قدّم الكثير للأدب في السعودية والجزائر، فكانت أعماله نواة حقيقية للإبداع في هذين البلدين.

15