تأسيس "الحرس الوطني الليبي" على قاعدة ميليشيا حلال وميليشيا حرام

ميليشيات مصراتة تستعد لتصفية خصومها في طرابلس.
الأربعاء 2020/07/08
الحرس الليبي صناعة تركية

تونس - عاد الجدل في ليبيا ليدور من جديد حول مشروع إنشاء “حرس وطني” تُروج له حكومة طرابلس للالتفاف على المطالب الإقليمية والدولية، وخاصة منها الأميركية التي تدعوها إلى ضرورة حل وتفكيك الميليشيات.

وتأتي هذه المساعي وسط تباينات حادة في المواقف لا تخلو من تبادل الاتهامات بين قادة الميليشيات، ترافقت مع تصعيد يُنذر بمواجهات احتجاجا على قاعدة “ميليشيا حلال وميليشيا حرام” التي يعتمدها وزير الداخلية فتحي باشاغا في اختيار الميليشيات التي ستنضم إلى هذا الجهاز الأمني.

ومن المتوقع أن يستغل باشاغا، المحسوب على تنظيم الإخوان المسلمين، هذه الفرصة للتخلص من ميليشيات تعيق إحكام قبضته وقبضة مدينة مصراتة التي ينتمي إليها على دواليب الدولة وفي مقدمتها ميليشيات طرابلس وبشكل أقل ميليشيات الزاوية والزنتان.

عبدالمنعم اليسير: "الحرس الوطني" أداة إرهابية ستستعملها تركيا لتدمير المنطقة
عبدالمنعم اليسير: "الحرس الوطني" أداة إرهابية ستستعملها تركيا لتدمير المنطقة

وسعت تركيا إلى النفخ في هذا الجدل عبر الدفع بمشروع إنشاء “الحرس الوطني” إلى الواجهة من جديد، حيث اختارت وكالة الأنباء التركية “الأناضول” التركيز عليه، في تقرير لها بعنوان “الحرس الوطني الليبي.. خيار لا بد منه”، وذلك في محاولة مكشوفة لإيجاد مسوغات تبريرية لهذا المشروع الذي لا يخرج عن الأهداف العدوانية التركية التي تتناغم مع الأجندات الإخوانية في المنطقة.

ولا تبدو عودة تركيا للنفخ في هذا المشروع معزولة عن حالة الهستيريا التي تنتابها منذ تدمير دفاعاتها الجوية ومعداتها العسكرية في قاعدة الوطية بجنوب غرب طرابلس، بل تبدو شديدة الارتباط بها، وذلك في مسعى لمحاولة حرف الأنظار عن خسائرها أولا، ولإرضاء أميركا ثانيا، وثالثا للتسريع في إقرار هذا المشروع من أجل ضمان صفقة تكوين وتدريب وتسليح هذا الجهاز الذي يُقدر بمليارات الدولارات.

واعتبرت وكالة الأنباء التركية في تقريرها أن “تسريح وتفكيك وإعادة إدماج الميليشيات، هي خطة أميركية لإعادة بناء الجيش الليبي، لكنها خطوة لا بد منها للانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة”.

لكن الوكالة تجاهلت عن قصد أن تركيا تريد من هذا الجهاز ليس فقط توفير غطاء لتواجدها العسكري في ليبيا، وإنما أيضا قلب موازين القوى العسكرية في مجمل أنحاء ليبيا.

ويرى مراقبون أن الدفع بهذا المشروع إلى الواجهة من جديد لا يخرج عن سياق المُناورات التي تستهدف إعادة ترتيب الأوضاع الأمنية والعسكرية في غرب ليبيا باتجاه رسم معادلات جديدة تُمكن الميليشيات الموالية لحكومة طرابلس (حكومة الوفاق) المدعومة من تركيا، من مقومات مواجهة استحقاقات المرحلة القادمة ضمن جهاز واحد سيكون استنساخا لجهاز الدرك التركي الذي حوّله رجب طيب أردوغان إلى عصا غليظة لضرب خصومه السياسيين.

وفي هذا السياق اعتبر رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي في المؤتمر الوطني الليبي السابق، عبدالمنعم اليسير، في تصريحات إعلامية أن جهاز “الحرس الوطني” الذي تريد “حكومة الوفاق” تأسيسه، ليس سوى “أداة إرهابية شيطانية ستستعملها تركيا والإخوان لتدمير المنطقة بالكامل”.

وحذّر من أن “المستعمر التركي لم يأت إلى ليبيا وحده، بل بمؤامرة، وما يحدث الآن هو فتح الطريق لجماعة الإخوان المسلمين وتركيا للتواجد في شمال أفريقيا لأهداف أكبر من السيطرة على ليبيا”، داعيا في الوقت نفسه قادة التشكيلات المُسلحة والميليشيات في طرابلس إلى أن يستيقظوا قبل أن يفوت الأوان.

ويعكس هذا التحذير حجم الخطر الذي بات يشعر به الليبيون جراء هذا المشروع الذي يستهدف توفير غطاء شرعي وقانوني للميليشيات، من أجل الإبقاء عليها كورقة وأداة وظيفية للأجندات التركية التخريبية في المنطقة، وذلك من خلال دمجها في جسم واحد مواز للجيش الليبي.

ميليشيات تتخلص من ميليشيات
ميليشيات تتخلص من ميليشيات

وفي بداية الشهر الجاري رفع محمد علي المهدي الشريف، رئيس الأركان العامة للقوات التابعة لحكومة الوفاق الليبية، مذكرة إلى رئيس الحكومة فايز السراج، تتضمن إنشاء “حرس وطني”، تكون العاصمة طرابلس مقرا رئيسيا له، وأن يتولى قيادته ضابط لا تقل رتبته عن عقيد.

وجاءت تلك المذكرة في أعقاب أعمال اللجنة التي شكلها السراج من أجل إعداد رؤية شاملة لدمج الميليشيات المساندة لحكومته، تنفيذا للأوامر الأميركية التي تلقاها خلال اجتماع مدينة زوارة، مع الجنرال ستيفن تاونسند، قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا “أفريكوم”، والسفير الأميركي لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند.

وتولى هذه المهمة فتحي باشاغا الذي سبق له أن وجه في العشرين من مايو الماضي مذكرة إلى محافظ المصرف المركزي بطرابلس، الصديق الكبير، يدعوه فيها إلى وقف التعامل مع بعض قادة الميليشيات وتجميد حساباتهم، حيث تتالت بعد ذلك التسريبات التي تُشير إلى أن باشاغا سلم الأتراك قائمة أولية تضم 34 اسما من عناصر الميليشيات المراد التخلص منهم في مدن طرابلس والزاوية وصبراتة.

وفجرت تلك التسريبات خلافات حادة داخل الميليشيات، تصاعدت وتيرتها إلى أن وصلت إلى حد تبادل إطلاق النار، أثناء تجمع قادة تلك الميليشيات أمام المصرف المركزي وسط العاصمة طرابلس، وذلك في الوقت الذي توقعت فيه مصادر أمنية ليبية أن تشهد الأيام القادمة تصعيدا خطيرا قد يُدخل الميليشيات في مُربع التصفيات الجسدية.

ولفتت في هذا الصدد إلى أن بعض المقربين من باشاغا في طرابلس يتداولون قائمة بأسماء العشرات من الذين يبدو أنه تقررت تصفيتهم جسديا، بالإضافة إلى اعتقال العشرات من كتيبة “ثوار طرابلس” بقيادة هيثم التاجوري، التي لا تُخفي خلافاتها مع ميليشيات مصراتة وغرفة العمليات العسكرية التركية.

وأوضحت المصادر أن من بين المسلحين المستهدفين، كتيبة “النواصي” بقيادة مصطفي قدور، التي يتهمها باشاغا باختراق جهاز المخابرات ومؤسسات الدولة، وكتيبة “باب تاجوراء” بقيادة الأزهري فنان، وأيضا مسلحي الأمن المركزي بقيادة عبدالغني الككلي، الذي يُعد واحدا من أبرز أمراء الحرب في ليبيا.

1