تأسيس السجل الوطني للأعمال الفنية في السعودية

تشكيليون سعوديون يؤكدون أن السجل يحفظ الأعمال الفنية التشكيلية من الضياع، ويضمن للمقتني اقتناء العمل الأصلي، ويحمي الفنان من استنساخ أعماله من قبل المقلدين.
الاثنين 2019/07/22
الفن التشكيلي السعودي ذاكرة حية (لوحة للفنان ضياء عزيز)

تسعى وزارة الثقافة السعودية إلى إرساء مجموعة مبادرات تهدف من خلالها إلى مأسسة الوزارة وجعلها كيانا مدنيا يجاري وزارات الثقافة في العالم، من حيث الخدمات والإمكانيات والدعم المادي واللوجستي والإعلامي للمثقفين والفنانين وصانعي المحتوى الثقافي، وذلك من خلال تطلعها إلى إيجاد هيئات ومؤسسات ومراكز ثقافية متخصصة في شؤونها، مثل تأسيسها أخيرا للسجل الوطني للأعمال الفنية الذي خلف ردود فعل هامة لدى الفنانين.

وافق مجلس الوزراء السعوي مؤخرا على تأسيس السجل الوطني للأعمال الفنية، وأوضح وزير الثقافة أن السجل سيكون دليلا وقاعدة بيانات للأعمال الفنية بجميع أشكالها في المملكة، بهدف حفظ هذه الأعمال وجمعها، الأمر الذي سيسهم في استثمار هذا الدليل للترويج والتعريف بها وتسهيل الوصول إليها من قبل الدارسين والباحثين والمهتمين وحفظها من الضياع.

وأكدت الوزارة أن الفنانين السعوديين وصلوا إلى أهم المعارض العالمية وسجلوا حضورا لافتا، وأن الوزارة تعمل على دفع السياسات والخطط إلى الأمام لوضع الفن والثقافة في صميم حياة المجتمع، وبناء جسور التفاهم بين الثقافات، مبينة بذلك رؤيتها وتوجهاتها بثلاثة أهداف رئيسية، وهي: الثقافة كنمط حياة، والثقافة من أجل النمو الاقتصادي، والثقافة من أجل تعزيز مكانة المملكة الدولية.

قاعدة بيانات

السعودية

حول هذا السجل تتساءل الفنانة التشكيلية علا حجازي أمام تكاثر أعداد الفنانين التشكيليين السعوديين، عن اللجنة التي سيتم تعيينها لوضع آليات وخطة أوليّة تأسيسية، تتبع عند تنفيذ السجل الوطني لتتماشى مع رؤية 2030، وهل سيكون هناك مسح شامل لفرز الفنانين وتصنيفهم، وهل الأعمال الفنية ستخضع لفحص من قبل خبراء متخصصين في الفن التشكيلي لاختيار أجودها، وكيف ستكون آلية الاشتراك في السجل الوطني، وماذا عن الشروط.

تقول حجازي “حتما، إن تحقيق هذا السجل، لخطوة عظيمة في حفظ الأعمال الفنية التشكيلية السعودية من الضياع، وكذلك تضمن  للمقتني اقتناء العمل الأصلي، وتحمي الفنان من استنساخ أعماله من قبل المقلدين. لذا أطرح مزيدا من الأسئلة. كيف ستتم هذه العملية؟ هل سيتم الاجتماع مع الفنانين لمناقشة الموضوع؟ الفنان فطري، مشروع فني يبدأ منذ ولادته، يرسم كثيرا، وأحيانا لا يعرض ما يرسمه، وقد يتفاجأ الزائر لمراسم الفنانين بوجود أعمال لفنان، بمثابة تجارب بتقنيات متعددة، لم تعرض من قبل، تعتبر جدا مهمة”.

وتضيف “من سيقيّم كل ذلك؟ وهل من ضمن الجدول زيارة مراسم الفنانين؟ كثيرة هي الأسئلة التي فاضت بذهني حين سمعت الخبر، ولكني على ثقة ويقين بأننا سنتفاجأ عند تحقيق ذلك بما يذهلنا جميعا”.

من جانبه يرى الفنان التشكيلي عبدالعظيم آل شلي أن مسيرة الفن التشكيلي السعودي حافلة بالمنجزات على المستويين الداخلي والخارجي، وحراك الفنانين والفنانات جماعيا وفرديا، بشكل مطّرد في كثير من الملتقيات الفنية، حيث يتواجدون ويشاركون في كثير من سمبوزيومات العالمية، وفي كثير من البيناليات الإقليمية والدولية.

ويقول آل شلي عن أهمية السجل الفني “مرّ على الحراك الفني قرابة خمسين عاما، وعلى مدار هذه السنين بعقودها المتتالية لم تتوقف مسيرة الفن السعودي، أتت أسماء وأسماء، وارتحل رواد كان لهم الأثر في البناء والتأسيس، وأجيال تعاقبت وقدّمت، وأعطت كمّا ونوعا. وبهذا الزخم، يقف المتلقي والمهتم في حيرة  البحث عن سِيَر كل فنان وفنانة خدموا الساحة التشكيلية، وأفنوا أعمارهم لرفعة بلدهم. فإذا أراد باحث ما في الشأن الفني أن يبحث فسوف يجتهد، وربما يتخبط يمينا وشمالا، لاسيما الباحث الناشئ الذي لم يعاصر العقود السابقة. من هنا تأتي أهمية السجل الفني كمرجعية مهمة للباحثين”.

ويتابع “لقد وقع تشويه للفن السعودي من نقاد وباحثين عرب، وهذا يرجع في الأساس لعدم وجود مرجعية وقاعدة بيانات مصادق عليها من قبل القيمين والعارفين بمسيرة التشكيل بأدق تفصيله. لهذا حري بنا أن ندعم هذا القرار نحن الفنانين، ونساهم كل حسب موقعه في دعم وتقديم أي معلومة، أو أرشيف فني يمتلكه شخصيا، لرفد هذا الجهد وجمع أي معرفة صغرت أو كبرت، لتقديمها لمن بيدهم الأمر، وقد بلغني من أحد العاملين في مؤسسة مسك للفنون قبل عدة أشهر بأن جهودا جبارة تُبذل في جمع قاعدة بيانات للفنانين والفنانات في مملكتنا الحبيبة”.

ويختتم آل شلي بالقول “أتمنى مخلصا بألا يكون هذا العمل -الذي أراه مضنيا- في خانة الاجتهاد، منصبا على جيل الشباب المتحمس أو المكلف، لا بد من مشاركة ذوي الخبرة الذين لهم باع طويل في معرفة الكثير من تاريخ مسيرة الفن السعودي، سواء الذين كتبوا في الصحف التشكيلية أو من أصدروا كتبا تعنى بالفن، وأيضا يجب مخاطبة الرواد، ومن كان لهم حضور فعّال عبر اللون والكلمة”.

حاجة ماسة

السعودية

يرى الفنان التشكيلي مشعل العمري أن وزارة الثقافة، بوزيرها الشاب، تسابق الزمن، وهي تحاول استحداث الكثير من الوظائف والنشاطات التي قصّر عنها من أدار الشؤون الثقافية في الفترات الماضية، وذلك بوعي كبير منه بالحاضر، وبأهمية الثقافة كمورد اقتصادي وإعلامي مؤثر ضمن القوة الناعمة للدولة.

يقول العمري “تنشد الوزارة بكادرها الجديد إلى العمل على تحويل الثقافة وفعالياتها ضمن الاهتمام الحيوي للمواطن في حياته اليومية بعد أن علمت بالهوة الكبيرة التي كانت تفصله عن كل ما هو ثقافي في ساحاتنا المحلية، والتي باعدت بين نخبنا الثقافية وبين بقية أبناء الوطن من المهتمين والمتابعين وحتى المواطنين البسطاء، وبلا شك إن المهمة كبيرة نتيجة قصور كبير حدث في الماضي، ولكن الأمل كبير بالمستقبل، وبتلك العقول الشابة التي تواكب هذه الطفرة الثقافية والنهضة الحقيقية التي نعيشها كمثقفين خاصة وكمواطنين بالعموم”.

ويضيف “يأتي استحداث السجل الوطني للأعمال الفنية ضمن هذا الإطار ليضع الفنانين التشكيليين أمام مسؤولية الالتزام بالحرص على توثيق وتسجيل جميع أعمالهم الفنية والمساهمة في تغذية هذا السجل وتدعيمه في المحافظة على حقوق الملكية الفكرية وتوفير مرجع ومصدر لتلك الأعمال يمكن الباحثين وهواة الاقتناء وتجار الأعمال الفنية من الحصول على المعلومات والصور لكل عمل فني أو لكل فنان يحتاج إلى معلومات عنه”.

ويؤكد العمري أن “السجل الوطني للأعمال الفنية سيكون إضافة مفيدة وحاجة ماسة كان الفنانون يفتقدونها لحفظ حقوقهم الفكرية، فقد تم خلال الفترات الماضية الكثير من السرقات الفنية، واختلاس الأفكار والمعالجات والأساليب تحت مسمى التناص الفني، أو ‘التلاص‘ كما أطلق عليه البعض، وذلك نتيجة انعدام الجهة التي يتم اللجوء إليها، أو انعدام مصدر للأدلة يمكن الوثوق به، والتقاضي بناء عليه. ولعل وجود مثل هذا السجل سيغطي جانبا كبيرا من هذا الخلل إذا أحسن استخدامه، ووفرت الإمكانات الكافية لتسهيل الرجوع إليه، وضمان حسن استغلاله”.

وفي السياق نفسه أوضحت الفنانة سكنة حسن أن من أهم وأبرز مقومات التطوير والثقافة هو المحافظة على المخزون الفني القديم والحديث، وعن ذلك تقول “أتت المتاحف حول العالم -وعلى مر العصور- لتوثّق ولتحافظ على إرث الفنان الذي ينتمي لها بكل فخر واحترام. من هنا، جاءت أهمية المزادات التي رفعت من مستوى النمو الاقتصادي للدول النامية. لذلك فإن قرار سجل الأعمال الوطني فكرة مهمة نتطلع إلى تحقيقها فعلا، لِمَا لها من دور في حفظ حقوق العمل الفني، خصوصا في هذا الوقت”.

وتضيف “كما أننا بحاجة إلى تطبيق قانون العقاب والتعويض ملازما مع هذا القرار. فالكثير من الفنانين تذهب مجهوداتهم وأسبقيتهم للفكرة الفنية بسبب عدم توفر إثباتات كالسجل الوطني للعمل، مما أدى إلى سرقة الأفكار دون أي عقاب للمنتحل، أو تعويض للفنان الأصلي. بهذه الخطوة سوف تختصر أزمنة، وترتفع قيمة العمل الفني بكل تأكيد، وتزيد من طاقة ظهور الأفكار الخلاقة، فحماية العمل الفني تولّد الإبداع لدى الفنان الذي يأمل في المزيد من التطورات الثقافية بالمستقبل”.

15