تأصيل النكوص الحضاري العربي: الإسلام السياسي مكبل لحركة التحديث

التخلص من النكوص الحضاري بشكل جذري يمر حتما عبر القطع مع كل أنماط التفكير التقليدية التي أصبحت عائقا أمام حركة التحديث العربية، وهذا ما يفرض على المفكرين والباحثين تقفي أثر أسباب هذا النكوص على مستوى المدونة السياسية العربية، والتي يمثل الإسلام السياسي المعضلة الكبرى التي تجثو فيها مسببة عقما للعقل العربي، وهذا ما ورد في بحث الكاتب المصري السيد ياسين.
الجمعة 2016/08/05
الثورة تصبح ناجعة عند خلوها من الفكر المتطرف

المراجعات التي قام بها إسلاميو الحركات الجهادية في مصر في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي لم تكن كافية لوضع حد لأعمال العنف والإرهاب التي تحدث هنا وهناك، ليس في مصر فقط بل في البعض من الدول العربية أيضا. وهذا ما أكده الباحث المصري في الجماعات الإسلامية السيد ياسين في مقالاته التحليلية التي جمعها في كتاب “نقد الفكر الديني” والذي تأسس جزء منه على مناظرات كتابية بينه وبين الشيخ الإخواني يوسف القرضاوي، وقد أكد السيد ياسين في أطروحته أن العلاقة بين الدين والسياسة هي محرك أبدي للسلوك العنيف والإرهابي.

ولفت ياسين في مقدمة كتابه الصادر مؤخرا عن دار العين إلى أنه مارس مبكرا النقد الجذري للتوجهات المتطرفة التي لو حققت أهدافها لأدت إلى تفكيك الدول العربية والتغيير القسري لهويتها الوطنية وتوجهاتها القومية. ويقول السيد ياسين “بدأت هذا المشروع النقدي في منتصف التسعينات من القرن العشرين، وجمعت أبحاثي في هذا المجال في كتاب من جزأين عنوانه “الكونية والأصولية وما بعد الحداثة: أسئلة القرن الحادي والعشرين” ونشرت الكتاب عام 1996 المكتبة الأكاديمية بالقاهرة. والواقع أن أهم ما في الجزء الثاني من الكتاب هو تسجيل دقيق للمناظرة التي دارت بيني وبين يوسف القرضاوي، والتي دارت لأسابيع متعددة على صفحات جريدة الأهرام”.

وأشار السيد ياسين إلى أن المناظرة بدأت بمقالة نقدية عنوانها “الحركة الإسلامية بين حلم الفقيه وتحليل المؤرخ” نشرت في الأهرام في أغسطس سنة 1994 وسرعان ما رد عليها القرضاوي بمقالة له بعنوان “الحركة الإسلامية بين حلم الفقيه وتحليل المؤرخ”، نشرت بعد أيام، حاول فيها تفنيد آرائي حول أوهام إحياء نظام الخلافة الإسلامية، “وقد رددت عليه بمقال عنوانه “الإمبراطورية والخليفة” نشر في الأهرام بتاريخ 15-8-1994 واختتم القرضاوي المناظرة بمقال أخير له عنوانه “تعقيب حول مقال الإمبراطورية والخليفة” نشر في الأهرام بتاريخ 2-8-1994.

“كانت المناظرة حوارا فكريا شكل مقدمة رصدي لتحول الفكر النظري لجماعة الإخوان المسلمين إلى فكر إرهابي يقوم أساسًا على تكفير غير المسلمين بل وعلى تكفير المسلمين أنفسهم وخصوصا الحكام الذين لا يحكمون بالشريعة الإسلامية، والجماهير المسلمة التي تستسلم لهم ولا تخرج عليهم”.

وأوضح ياسين أن هذا الفكر التكفيري تبنته جماعتان إرهابيتان مصريتان هما جماعة “الجهاد” و”الجماعة الإسلامية” اللتان قامتا بأعمال إرهابية متعددة كان أبرزها واقعة ذبح السياح في مدينة الأقصر، مما دفع بالدولة (أيام الرئيس الأسبق حسني مبارك) إلى أن تشن حملات أمنية مشددة للقبض على أعضاء هذه الجماعات الإرهابية وتقديمهم إلى المحاكمة.

السيد ياسين: ظاهرة الإرهاب الذي كان يمارس محليا تطورت الآن لتصبح إرهابا عابرا للقارات

وبعد أن استطاعت الدولة استئصال الإرهاب بدأت بتشجيع من الأمن محاولات قادها زعماء هذه الجماعات الإرهابية في السجون لإجراء مراجعات لفكرهم المتطرف، وتتضمن اعتذارهم عن سلوكهم الإرهابي ونيتهم في التوبة والرغبة في أن يعودوا من جديد مواطنين صالحين. وقد أسفرت هذه الحركة عن صدور أكثر من خمسة وعشرين كتيبا من “المراجعات” أشرف عليها عدد من كبار قادة هذه الجماعات، وأدت في النهاية إلى الإفراج عن المئات من هؤلاء الإرهابيين وتأهيلهم ليعودوا إلى المجتمع من جديد. ويشير السيد ياسين إلى أنه اهتم اهتماما خاصا بكتب المراجعات ودراستها بصورة منهجية دقيقة ليكشف عن مفردات النظرية التكفيرية التي استندوا إليها في سلوكهم الإرهابي.

ورأى ياسين أن جماعة الإخوان المسلمين قد غيرت نظرتها عبر الزمن والتي تمثلت في رفض الديمقراطية وتبني نظام الشورى حين أدركت أن الانقلاب بالقوة على الدول العربية العلمانية أمر مستحيل، فآثرت اتباع تكتيك آخر هو محاولة الوصول إلى الحكم عن طريق الفوز بأغلبية المقاعد في المجالس النيابية، مما يتيح لقياداتها تشكيل الوزارة وبالتالي يبدأون مشروعهم التاريخي في “أخونة الدولة وأسلمة المجتمع”، تمامًا كما فعلت جماعة الإخوان المسلمين بعد ثورة 25 يناير حين استطاعت الضغط لتنظيم استفتاء حول موضوع “الدستور أولا أم الانتخابات أولا؟”.

وبذلك نجحت الجماعة في الحصول على الأكثرية في مجلسي الشعب والشورى، وأقدمت بعد ذلك على ترشيح رئيس حزب الحرية والعدالة في انتخابات الرئاسة وفاز فعلا محمد مرسي وأصبح رئيسًا للجمهورية. هكذا بدأت الجماعة (عكس ما صرحت به من قبل من أن حكمها سيكون مشاركة لا مغالبة) بإقصاء كل الأحزاب السياسية وانفرد مكتب الإرشاد بالحكم وهيمنت على اللجنة التأسيسية حتى يصدر الدستور على هواها الأيديولوجي.

غير أن الثورة الشعبية في 30 يونيو التي دعمتها بجسارة القوات المسلحة هي التي أفسدت هذا المخطط الذي رسمت خطوطه الولايات المتحدة الأميركية متحالفة في ذلك مع قيادات الجماعة، وخصوصا بعد أن صاغت نظرية متكاملة عن الإسلام الليبرالي، وأبعد من ذلك قرارها الاستراتيجي بدعم كوادر إسلامية معتدلة حتى تكون جماعة الإخوان المسلمين في الحكم هي حائط الصد ضد الجماعات الإرهابية الإسلامية وعلى رأسها تنظيم القاعدة.

التوجهات المتطرفة لو حققت أهدافها لأدت إلى تفكيك الدول العربية والتغيير القسري لهويتها الوطنية

ولفت السيد ياسين إلى أن السر الحقيقي في الفشل السياسي للإخوان المسلمين في حكم مصر ليس مجرد عجز الرئيس عن إدارة البلاد، كما يفعل أي رجل دولة حقيقي، ولا فشل الحكومة الإخوانية في حل المشكلات الجسيمة التي تواجه المجتمع، وإنما يكمن في العقل التقليدي العاجز عن مواجهة مشكلات الواقع بطريقة علمية. ومن ثم يمكن القول على سبيل القطع إن تيار الإسلام السياسي في العالم العربي بعد صعود كل من جماعة الإخوان في مصر وحزب النهضة في تونس إلى السلطة، يمر الآن بأخطر اختبار تاريخي في حياته الممتدة.

وترجع خطورة هذا الاختبار التاريخي إلى أن جماعة الإخوان المسلمين -وأشباهها في مختلف البلاد العربية- لم يتح لها أن تتولى الحكم مباشرة حتى تنفذ مبادئها المعلنة في السياسة والاقتصاد والاجتماع. على العكس من ذلك واجهت جماعة الإخوان، بحكم لجوئها إلى العنف بواسطة الجهاز السري الذي أنشأه الشيخ حسن البنا لردع خصوم الجماعة، مشكلات كبرى من قبل النظم السياسية المتتابعة في مصر.

وأوضح ياسين أن العقل التقليدي هو الممهد بالضرورة للعقل الإرهابي الذي يدفع الشخص إلى ارتكاب الأفعال الإرهابية على أساس أنها نوع من “الجهاد” في سبيل الله، فهذا العقل التقليدي لا يمكن فهم مكوناته الأساسية بغير ردها إلى أصل واحد هو “الأصولية”. ولا يمكن استخدام مفهوم الأصولية هنا بالمعنى الإيجابي للكلمة، ونعني العودة إلى المبادئ الأساسية للدين التي تتسم بالنقاء بعيدا عن ثرثرة الهوامش في عصور الانحطاط، والتهافت الفكري والجمود المذهبي للحواشي التي كتبت شرحاً للأصول، وإنما المعنى المقصود هنا هو الجمود العقائدي والتزمت الفكري.

كاتب مصري

13