تأملات سريعة في نصوص سياسية

الأحد 2014/08/24

لا شك في أن الفقه السياسي هو الأكثر فقرا من بين فروع الفقه الإسلامي المختلفة. فرغم أن الفقهاء في الماضي قد ألّفوا الأسفار الكبيرة، وغاصوا في التفصيلات الدقيقة لكل ما يتعلق بالعبادات والمعاملات في زمنهم تقريبا، وهي ذات التفصيلات الفقهية التي تتحكم في حياة كثير من مجتمعاتنا حتى اليوم، رغم كل المتغيرات، إلا أن الفقه السياسي بقي فقيرا جدا بالمقارنة مع ذلك النتاج الثقافي الضخم الذي يُشكل الجزء الأكبر من تراثنا، والذي يشكل الكثير منه جزءا لا يُستهان به من مفهوم “الشريعة” لدى كثير من الفقهاء، السابقون منهم والغابرون.

وما كُتب في الفقه السياسي، بعيدا عن إفرازات ومماحكات وجدليات الصراع الأيديولوجي بين المذاهب والجماعات الإسلامية حول الخلافة والإمامة الكبرى بشكل خاص، وعلى قلّته، كان مجرد نصوص عرضية في هذا المؤلف أو ذاك، أو هو مذكور على استحياء وبحذر شديد، كما في مؤلفات عبدالله بن المقفع (106هـ-142هـ)، وخاصة في كتاب “رسالة الصحابة”، وما بين السطور والمسكوت عنه في كتاب “كليلة ودمنة”، أو أنه مجرد وصف لكائن الحال، كما في مؤلفات الماوردي (364هـ-450هـ)، السياسية مثل “نصيحة الملوك”، و”الأحكام السلطانية”، أو الكتابات التاريخية الموسوعية للطبري وابن كثير والمسعودي والسيوطي والدينوري، وغيرهم من المؤرخين المسلمين.

ولكن رغم هذا الفقر النسبي في النتاج الفقهي السياسي لحضارة الاسلام، إلا أن النصوص المطلقة في كتاب الله الكريم، والسنة المؤكدة للنبي الخاتم، صلى الله عليه وسلم، والتراث الفكري والتاريخي، وبكل ما يتضمنه من حمولات أيديولوجية، يحمل في ثناياه جينات غنية وحيّة، قابلة لأن تتحول إلى فلسفة سياسية متكاملة، ولا أقول أيديولوجيا أحادية الجانب لا تعيش ولا تنتعش إلا بنفي غيرها، حاوية لمختلف النظريات والاتجاهات السياسية المختلفة، المعبرة عن مختلف الفئات والطبقات في المجتمع.

في هذا التراث، يمكن أن نجد بذورا جنينية للتعددية والشمولية، للديمقراطية والديكتاتورية، لليسار واليمين، التعصب والتسامح معا. وهذا ليس خللاَ أو تناقضا في التراث، بقدر ما هو نقطة قوة من حيث غنى هذا التراث، أو بذوره الجنينية الأولى في هذا المجال.

فالقرآن الكريم مثلا “حمّال أوجه “، كما قال علي بن أبي طالب، والنص المطلق أو المجرد يُمكن أن يحتمل أكثر من تأويل، ومن هنا تأتي عظمة النص، أي نص وكل نص، للتعبير عن تعددية ذات الحياة. ومهمة البشر هي البحث في النص عن كافة الإمكانيات التي قد يزخر بها، وليس التوقف عند إمكانية واحدة وفق موقف أيديولوجي حدّيّ مثلا، وذلك للوصول إلى ما هو الأفضل بالنسبة إلى جميع المؤمنين به، مع الأخذ في الاعتبار متغيرات الزمان والمكان، وهنا تكمن غاية النص المطلق في النهاية ومقاصده.


العداء لكل الشعوب


يقول الله في محكم كتابه: ” وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ” (البقرة، 30). ويقول: ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (الحجرات، 13). وفي موضع آخر يقول عالم الغيب والشهادة: ” إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ” (النجم،32). ويقول: ” اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. وَلَوْ شَاءَ اللَهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ. وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” (الأنعام،106، 107، 108). ويقول: ” وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ” (الشورى، 38). ويقول: “إِنَّ اللَهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ” (الرعد، 11).

في مثل هذه الأيات، وغيرها كثير، تكمن بذور جنينية يُمكن أن تُبنى عليها فلسفة إنسانية متكاملة، لأنها تتحدث عن الإنسان بصفة عامة، رغم أن الخطاب في كثير من الأحيان موجه للمؤمنين بالنص بصفة خاصة، فتقول مثلا إن الله خلق الإنسان، بكل تناقضاته واختلافاته وصراعاته، لغاية هو أعلم بها، وهذه الغاية هي الخلافة في الأرض في المقام الأول، أي عمارتها وصنع الحضارة، والتعارف في النهاية بين الأمم والشعوب الإنسانية، وليس تدمير الحضارة والعمران البشري، أو إعلان العداء لكل الشعوب والحرب على كل الأمم والمجتمعات التي تخالف ما يعتقد أنه الحق ولا حق سواه.

ويقول نبي الهدى، صلى الله عليه وسلم: “من أُعطي حظه من الرفق، فقد أُعطي حظه من الخير كله، ومن حُرم حظه من الرفق، فقد حُرم حظه من الخير كله”. ويقول: “عدل ساعة في حكومة خير من عبادة ستين سنة”. ويقول عليه السلام: “من فارق الجماعة أو خلع يدا من طاعة مات ميتة جاهلية “. ويقول: ” الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأولي الأمر منكم”. ويقول خاتم الأنبياء: “كلكم راع، وكل راع مسؤول عن رعيته”. ويقول: “إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر”. وفي رواية أحمد: “ما كان من أمر دينكم فإليّ، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به”. من خلال هذه النصوص المؤكدة عن نبي الرحمة، يمكن أن نؤسس فلسفة كاملة حول الأخلاق وقيمتها في التعامل بين البشر، وكيف أن الخير، كل الخير مثلا، يكمن في الرفق واللين وطيب المخبر، وهو أمر نفتقده اليوم لدى أكثر المسلمين، الذين يؤدون الشعائر والعبادات ولكن دون أن ينعكس ذلك ايجابا على أخلاقهم وسلوكهم، بل إن جماعات ممن يحتكرون الدين ونصبوا أنفسهم أوصياء عليه، يرون في العنف ترجمة للدين الصحيح، وهو أمر أوقع البغضاء بيننا، وبغّض العالم فينا، في تناقض كامل مع البذور الأولى الكامنة في النصوص المؤسسة، والتي تصرخ طالبة ترجمتها إلى واقع معيش، في ظل هذا الجنون الذي يعربد دون رادع في عالم المسلمين اليوم، وباسم ذات الدين الذي تكمن هذه البذور في نصوصه المؤسسة الأولى.

أما خليفة رسول الله، أبو بكر الصديق، فيقول في أول خطبة له بعد البيعة: “أيها الناس! إني قد ولّيت عليكم ولست بخيركم. فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني”. هذا النص يشكل أساسا قويا لما يمكن أن يكون مبدأ للرقابة العامة على السلطة مثلا، مع اختلاف الشكل المجسد لمؤسسة الرقابة تلك، وفقا لمعطيات الزمان والمكان. ويقول أمير المؤمنين، الفاروق عمر بن الخطاب: “ثلاث من الفواقر: جار مقامة إن رأى حسنة سترها، وإن رأى سيئة أذاعها. وامرأة إن دخلت عليك لسنتك، وإن غبت عنها لم تأمنها. وسلطان إن أحسنت لم يحمدك، وإن أسأت قتلك”. وعنه أيضا: “لا يصلح لهذا الأمر إلا الليّنُ في غير ضعف، والقويّ في غير عنف”. هنا نجد تأسيسا لمبدأ تقدير الكفاءة حيث تكون هي أساس إدارة الدولة، وكذلك لمبدأ عدم تجاوز الدولة لعتبة معينة في استخدامها للعنف، وإلا كان ذلك على حساب شرعيتها، أي على حساب رضا الناس عنها.

أما أمير المؤمنين، عثمان بن عفان فيقول “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”. وهنا نقرأ تأكيدا ضمنيا على قدرة السلطة السياسية على إحداث التغيير المناسب في حياة المجتمعات حين يكون ضروريا، فمن يحمل المسدس هو من يصنع القانون، كما يقول مثل أميركي. أما أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، فيقول ردا على الخوارج حين أطلقوا شعارهم المعروف أن “لا حكم إلا لله”، بعد معركة صفين وحادثة التحكيم: “كلمة حق يراد بها باطل. نعم إنه لا حكم إلا لله. ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله، وإنه لا بد للناس من أمير برّ أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويُبلغ الله فيها الأجل، ويُجمع به الفيء، ويقُاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القويّ حتى يستريح به بر ويُستراح من فاجر”. وقال في هذا الصدد: “إنا لم نحكم الرجال وإنما حكمنا القرآن. وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين الدفتين لا ينطق بلسان، ولا بد له من ترجمان. وإنما ينطق عنه الرجال”. سبحان الله، ما أشبه الليلة بالبارحة، وكأن شيئا لم يتغير في دنيا العرب بين اليوم والأمس، وهو ما يميل بنا إلى القول بتأكيد مقولة بعضهم من أن الزمن العربي زمن ميت، أو هو كذلك حتى اللحظة، ولعله بقدرة قادر يُبعث من جديد، كما بُعثت العنقاء من بين أكوام الرماد.


أسس الدولة القوية


أما داهية السياسة عند العرب، وعلى مر العصور في ظني، معاوية بن أبي سفيان، فهو حقيقة مدرسة في فن الحكم وممارسته، بغض النظر عن الموقف المذهبي أو الأيديولوجي منه عند الكثيرين، وخاصة فيما يتعلق بذلك المنعطف التاريخي الكبير الذي أحدثه ابن أبي سفيان، وكان لا بد أن يحدث على يد معاوية أو غيره كضرورة تاريخية، حين تحول نظام الحكم لدى المسلمين من البيعة الشعبية الشبيه بما كان يجري في أثينا الديمقراطية أو روما الجمهورية، إلى التوريث الشبيه بما كان يجري في إمبراطورية فارس وغيرها من ممالك مثلا. يقول داهية زمانه: “إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت. فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: إذا مدوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها”. فحوى هذا القول، أو مضمونه البعيد في أنه درس في ضرورة تحقيق التوازن بين الحاكم والمحكوم، حيث لا يطغى جانب على جانب، ويكون الاستقرار في النهاية هو الثمن. وقال في مناسبة أخرى لأبي الجهم العدوي، في شيء أغضبه: “يا أبا الجهم، إياك والسلطان، فإنه يغضب غضب الصبي، ويأخذ أخذ الأسد”.

ويقول عمرو بن العاص، أحد الدهاة الأربعة في تاريخ العرب بعد الإسلام، في بعض ذكرياته عن معاوية: “رأيت معاوية في بعض أيامنا بصفين، خرج في عدة لم أره خرج في مثلها، فوقف في قلب عسكره، فجعل يلحظ ميمنته فيرى الخلل، فيبدر إليه يسده. ثم يفعل ذلك بميسرته، فتغنيه اللحظة عن الإشارة. فدخله زهو مما رأى، فقال: يا ابن العاص، كيف ترى هؤلاء وما هم عليه؟ فقلت: والله يا أمير المؤمنين لقد رأيت من يسوس الناس بالدين والدنيا، فما رأيت أحدا أوتي له من طاعة رعيته ما أوتي لك من هؤلاء. فقال: أفتدري متى يفسد هذا وفي كم ينتفض جمعه؟ قلت: لا. قال: في يوم واحد. قال فأكثرت التعجب. قال: إي والله وفي بعض يوم. قلت: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا كُذبوا الوعد والوعيد، وأُعطوا على الهوى لا على الغَناء، فسد جميع ما ترى”. إنه يتحدث هنا عن صدقية الدولة من ناحية، وعن مفهوم “الفساد”، كما تبلور لاحقا، حين أصبح هناك تمييز وحد فاصل بين ما هو عام وما هو خاص، فيما يتعلق بشؤون الدولة وممارسة الأفراد لهذه الشؤون، وخاصة المالي منها. ويقول ابن العاص، ملخصا تجربته في الحكم: “لا سلطان إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل”، فالعدل في النهاية هو فعلا أساس الملك، وليست القضية مجرد قول مأثور، كما يوضح ابن العاص هنا.

أما المؤسس الثاني للدولة الأموية، أو لنقل الدولة المروانية، عبدالملك بن مروان، فيقول موجها بنيه: “كلكم يترشح لهذا الأمر، ولا يصلح له منكم إلا من كان له سيف مسلول، ومال مبذول، وعدل تطمئن إليه القلوب”، ولو أردنا ترجمة هذه الكلمات إلى مفاهيم معاصرة، بعيدا عن ظروف ذلك الزمان، لقلنا إن أسس الدولة القوية والمستقرة تكمن في حزم السلطة، وازدهار المجتمع، والعدل. ويسأل الوليد بن عبدالملك أباه مستنصحا: “يا أبت، ما السياسة؟ قال: هيبة الخاصة مع صدق مودتها (الولاء)، واقتياد قلوب العامة بالانصاف لها (العدل)، واحتمال هفوات الصنائع″ (البعد عن البطش).

يقول الأصمعي: “يقال صنفان إذا صلحا صلح الناس: الأمراء والفقهاء”، ولو ترجمنا ذلك إلى مفاهيم معاصرة، لقلنا إن الأصمعي يتحدث هنا عن صلاح السلطات الثلاث: السلطة التنفيذية (الأمراء)، والسلطتان التشريعية والقضائية (الفقهاء في ذلك الزمان). وقالت الحكماء: “لا ينفع الملك إلا بوزرائه وأعوانه، ولا ينفع الوزراء والأعوان إلا بالمودة والنصيحة، ولا تنفع المودة والنصيحة إلا مع الرأي والعفاف”، أي البعد عن التزلف والفساد، وهما آفة كثير من الحكومات في مختلف العصور، وذلك ما يؤكده الأحنف بن قيس وهو يقول: “من فسدت بطانته كان كمن غص بالماء، ومن غص بالماء فلا مساغ له، ومن خانه ثقاته فقد أُتي من مأمنه”.

وفي وصف أدبي جميل للحاكم المستبد وكيفية التعامل معه فيما لو أصبح أحدهم من بطانته، يقول ابن المقفع: “لا تكن صحبتك للسلطان إلا بعد رياضة منك لنفسك على طاعتهم. فإن كنت حافظا إذا ولوك، حذرا إذا قربوك، أمينا إذا ائتمنوك، ذليلا إذا صرموك، راضيا إذا أسخطوك، تعلمهم وكأنك متعلم منهم، وتؤدبهم وكأنك متأدب بهم، وتشكرهم ولا تكلفهم الشكر. وإلا فالبعد منهم كل البعد، والحذر منهم كل الحذر”. وهذا هو ذات ما حذر منه أبو حامد الغزالي وهو يقول: “..ألاّ تخالط الأمراء والسلاطين ولا تراهم لأن رؤيتهم ومجالستهم ومخالطتهم آفة عظيمة..”.

ومن الأقول السياسية التراثية التي تستحق الوقوف عندها والتأمل فيها، قول أحدهم: “لا يكون الذم من الرعية لراعيها إلا لأحد ثلاثة: كريم قُصر به عن قدره فاحتمل لذلك ضِعنا (عدم تكافؤ الفرص)، أو لئيم بُلغ به ما لا يستحق فأورثه ذلك بطرا (المحسوبية)، أو رجل مُنع حظه من الإنصاف فشكا تفريطا” (غياب العدل). وقالوا: “إنما السلطان بأصحابه كالبحر بأمواجه”. وقالوا: “ليس أضر بالسلطان من صاحب يُحسن القول ولا يُحسن الفعل، ولا خير في القول إلا مع الفعل، ولا في المال إلا مع الجود، ولا في الصدق إلا مع الوفاء، ولا في الفقه إلا مع الورع، ولا في الصدقة إلا مع حسن النية، ولا في الحياة إلا مع الصحة”. وفي مقولة أعتقد أنها صالحة لكل العصور، وكل أنواع أنظمة الحكم، قيل: “إن السلطان إذا كان صالحا، ووزراؤه وزراء سوء، امتنع خيره من الناس، ولم يستطع أحد أن ينتفع منه بمنفعة. وشبّهوا ذلك بالماء الصافي يكون فيه التمساح، فلا يستطيع أحد أن يدخله وإن كان محتاجا إليه”. وقيل: “شر المال ما لا يُنفق، وشر الإخوان الخاذل، وشر السلطان من خافه البريء، وشر البلاد ما ليس فيه خصب ولا أمن”.


تيارات تخدع نفسها


أما الخلافة كما تجسدت تاريخيا، وليس كما تصور مثاليا، وهي من يرفع لواء إعادتها اليوم تيارات تخدع نفسها، وتصرف أنظارها عن رؤية الواقع التاريخي، فيمكن أن نجد مثالا جامعا لها في الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، وهو القائل:”أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده، وأنا خازنه على فيئه، أعمل بمشيئته، وأقسمه بإرادته، وأعطيه بإذنه، فقد جعلني الله عليه قفلا، إذا شاء أن يفتحني.. فتحني، وإذا شاء أن يقفله قفلني”، في تعبير صريح عن الحق الإلهي في الحكم، كما تجسد في أوروبا القروسطية. وقال المنصور لبعض قواده: “صدق من قال أجع كلبك يتبعك، وسمّنه يأكلك. فقال أبو العباس الطوسي: يا أمير المؤمنين، أما تخشى إن أجعته أن يلوح له غيرك برغيف فيتبعه ويدعك؟”. وقيل لملك سُلب ملكه: “ما الذي سلبك ملكك؟ قال: دفع شغل اليوم إلى غد، والتماس عُدة بتضييع عُدد، واستكفاء كل مخدوع عن عقله”. والمخدوع عن عقله من بلغ قدرا لا يستحقه، وأُثيب ثوابا لا يستوجبه.

ونختم بجملة من أقوال مأثورة، تشكل في ظني مادة للتأمل واستخلاص الحكم والعبر، بغض النظر عن الاتفاق أو الإختلاف معها. يقول تقي الدين أحمد بن تيمية: “إن الله ينصر الدولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة، وإن كانت مؤمنة”.

سأل رئيس العسكر المملوكي فقيه البلد، وهو يحمل رأس السلطان المقتول: “من هو السلطان؟ فأجاب الفقيه: السلطان هو من قتل السلطان..”، وهو إيجاز بليغ لطبيعة الكثير من أنظمة الحكم في بلاد المسلمين اليوم والأمس.

أما الشيخ محمد عبده فيقول: “إنما ينهض بالشرق مستبد عادل..”، وقد زخر الشرق بالمستبدين من كافة الأنماط، ولكن دون عدل.ويقول الشيخ محمد مهدي شمس الدين: “كل تشريع في الإسلام خوطب به إما الفرد المسلم وإما الأمة، ولا يوجد خطابات للدولة على الإطلاق، الأمر الذي يعني.. أنه لم تلحظ الدولة باعتبارها مشروعا مستقلا بذاته.. وإنما هي مؤسسة تنجزها الأمة فتنجح فيها أو تفشل”.

“وما نحن فيه اليوم ليس في الطاقة البشرية تغييره في الحال. وليس من العار علينا أننا وجدنا في مثل هذه الحالة، لأن كل عصر لا يُسأل إلا عن عمله. وإنما العار في أن نظن في أنفسنا الكمال، وننكر نقائصنا، وندّعي أن عوائدنا هي أحسن العوائد في كل زمان ومكان، وأن نعاند الحق، وهو واحد، لا يحتاج في تقريره إلى تصديق منابه، وكل ما نفعله لإنكاره لا يؤثر فيه بشيء وإنما يؤثّر فينا أثر الباطل في أهله، ويقوم حجابا بيننا وبين إصلاح أنفسنا، إذ لا يمكن لأمة أن تقوم بإصلاح ما إلا إذا شعرت شعورا حقيقيا بالحاجة إليه”.

يا ترى، لو سألت أحدهم، من هو صاحب هذا النص، وعن أية أمة أو بلد يتحدث، لربما كان الجواب هو هذا المثقف العربي أو ذاك ممن يعيشون بين ظهرانينا اليوم، وهو لا ريب يتحدث عن السؤال الخالد الذي لا يتغير، منذ أن اكتشفنا، نحن، الغرب الحديث، واكتشفنا، هم، الغرب الحديث، أي لماذا تقدموا وتأخرنا، وكيف السبيل إلى اللحاق بهم، وحتى تجاوزهم. سؤال لا يتغير في جوهره ومضمونه، وإن تغير شكله وإعادة صياغته، منذ ما يسمى بـ”عصر النهضة العربية الحديثة”، وحتى هذه اللحظة.

تختلف الأيديولوجيات والطروحات والاجتهادات، وتقوم الصراعات والانقلابات والثورات، وكلها تدعي جوابا لهذا السؤال، ولكن كل شيء يختفي، ويبقى السؤال.

عودة إلى النص السابق، نقول إن كاتبه هو “قاسم أمين”، في مقدمته لكتاب “تحرير المرأة”، الصادر عام 1899، أي منذ ما ينيف على قرن من الزمان..

هذا وسلامتكم.

6