تأملات عراقية في المتحف البريطاني

الاثنين 2017/10/16

يفخر المتحف البريطاني العريق، الذي يُعَدّ واحداً من أشهر وأعرق المتاحف في العالم بمقتنياته من اللقى والآثار الفريدة المجلوبة من وداي الرافدين “ميسوبوتاميا” والآثار الفرعونية العظيمة بالدرجة الأساس، وهي تكاد تشكل عين القلادة في معروضاته الكثيرة والمتعدّدة والفريدة.

وباستثناء قاعات العرض الخاصة بحضارتي وادي الرافدين ومصر القديمة، تكاد قاعاته الأخرى التي تعرض بعض الآثار الآسيوية وحضارة الإنكا الأميركية الجنوبية تخلو من الزوار، ليس بسبب عراقة وقدم الحضارتين المذكورتين وحسب، بل بسبب جمال وفرادة النماذج الحقيقية المعروضة منها.

وعلى الرغم من مشاعر الدهشة والرهبة التي اعترتني وأنا أشاهد وأتفحص تلك المعروضات، إلّا أنّ ذاكرتي عادت بي إلى مدينة الناصرية جنوب العراق حيث كان مسقط رأسي وموطن صباي، يوم كنا نذهب إلى مواقع أور الأثرية العظيمة ونعتلي الزقورة السومرية ونتلمس جدرانها المبنية من الأجر والقار، أو زيارة المتحف الصغير والمتواضع الملحق بها وتأمّل ذلك الهيكل العظمي لرجل سومري ينام على جنبه الأيمن مقرفصاً، فيشطح بنا الخيال إلى عمق التاريخ وقصصه المليئة بقيم الفخر المجد والعبر.

شخصياً لم أشعر بالفخر في الحقيقة عندما زرت المتحف البريطاني وتأملت تلك الآثار العظيمة المنتزعة من محيطها أو أماكنها الأصلية في مدينة صباي ومرتع طفولتي، أقصد ليس بالقدر الذي لمسته في عيني ابنتي ذات الخمسة عشر ربيعاً وهي تتأمّل تلك التماثيل والمصوغات الذهبيّة المبهرة، أو لنقل إن مشاعر الفخر لدينا كانت مختلفة تماماً أو متناقضة إلى حدٍ ما، فهي من الجيل العربي الثالث الذي ولد ونشأ وترعرع في أوروبا وهي لا تجيد قراءة العربية أو التحدث بها تماماً، لكن تساؤلها الأول، إذا ما غضضنا الطرف عن انبهارها ودهشتها، كان لماذا تُعرض مثل هذه الكنوز في بريطانيا وليس في العراق؟

نعم هي تعرف قصة الاحتلال البريطاني للعراق مطلع القرن العشرين وما نتج عنه، أو على الأقل اطلعت عليه في مناهج التاريخ التي درستها، لكنّها بطريقة آو بأخرى شعرت بنوع من الحيف والحزن كون تلك الكنوز استحوذ عليها الإنكليز وجلبوها إلى بلادهم وأخرجوها من بيئتها ومناخها التاريخي الافتراضي.

أما أنا فكان كل همّي إقناعها بأن الأمم والشعوب العظيمة هي تلك التي استطاعت أن تنبي حضارتها في الحاضر، حتى وإن لم تكن تملك تاريخاً مجيداً، وما واقع العراق اليوم سوى دليل على ما أقول.

وبالعودة إلى السؤال ما الذي استفدنا من التاريخ غير التدليس وتزييف الحقائق وإيهام الأجيال بالأمجاد الزائفة، فإنّ تلك الآثار العظيمة وما تمثّله من رقيّ وتطوّر بلغه إنسان تلك المناطق منذ فجر السلالات، سوى رموز عميقة تعود ملكيتها الحقيقية للإنسانية كلها.

وإذا كان الفضل الأكبر في تأسيس العراق الحديث كدولة معاصرة يعود للبريطانيين أنفسهم، فإنّ هذا لا يعني تفويضاً أخلاقياً لهم بنقل آثار وادي الرافدين العريقة إلى بلدهم، بالتأكيد لا، في حالة أن العراق استمر دولة حضارية تؤمن بالقيم الإنسانية النبيلة وتحترم الإنسان فيها.

وعندما سألتني ليل –ابنتي- ألم تحطم داعش تلك الآثار النفيسة كما شاهدت في التلفاز؟ كانت فرصتي لتوضيح الأمر لها بأن البلدان القاصرة في الوعي والمنتهكة بالدكتاتوريات والخاضعة لأوهام التخلف الديني والخزعبلات التاريخية هي غير جديرة بحماية تلك الآثار والحفاظ عليها.

ولو كانت تلك المنحوتات التي جلبها البريطانيون وعرضوها في هذا المتحف وانبهرت بها وبجمالها في العراق لكان مصيرها مثل مصير الثيران المجنّحة وبقية الآثار الأخرى التي حطمتها داعش في نينوى والحضر وتدمر وغيرها من المواقع الأثرية.

كاتب عراقي

14