تأملات في خطاب هيدغر الفلسفي في العلامة والاختلاف

لم يُعرف الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر (1889-1976) بفيلسوف الجسد، إنما بفيلسوف الكينونة أو الوجود والأنطولوجيا الجديدة للجسد، وقد أفرغ رؤاه الفلسفية من خلال التفكير في العلاقة بين الكينونة والزمان، وفلسفته التي تقوم على التمييز بين الوجود والموجود، في محاولة منه لنقد الفكر الميتافيزيقي والصور الفلسفية التي تمسّكت بالموجود، وحطّ رحاله عند فضاءات الوجود. كما شغل هيدغر حيزا كبيرا في عالم الفكر الفلسفي المعاصر باعتباره فيلسوف الكينونة والوجود والزمان، إضافة إلى مفاهيمه الثلاثة: العلامة، والاختلاف، والجسد، في مقاربات قرائية لدلالات هذه المفاهيم وللفضاء الأنطولوجي الذي تسبح فيه.
الأربعاء 2016/02/03
الانكشاف حالة من الاختلاف

يأتي كتاب الكاتب العراقي رسول محمد رسول الجديد “العلامة، الجسد، الاختلاف: تأملات في فلسفة مارتن هيدغر”، الصادر عن دار عدنان في بغداد (2015)، في إطار تأملات في خطاب هيدغر الفلسفي في العلامة والاختلاف أو الفرق الأنطولوجي والجسد. تناولت هذه الدراسات التي ضمها الكتاب الجديد رؤية هيدغر للعلامة وركزت على نقده للميتافيزيقا الغربية، وتقويمه للأنطولوجيا القديمة والحديثة.

لقد أسس هيدغر للعلامات نظرية أنطولوجية للوجود تتوسّل الفينومينولوجيا والهيرمينوطيقيا ليس بعيدا عن الرؤية العينية من المفاهيم والمصطلحات، ونأى عن النزعة الاتجاهية الواحدية المعتادة على طريقة هوسرل.

الدازين والأنطولوجيا الإنسانية

عُرِف هيدغر بفيلسوف الأنطولوجيا الإنسانية في توجّهاتها غير الميتافيزيقية، التي تحتفي بوجود الموجود والكائن، وبنى رؤية فلسفية تُعيد النّظر في”الموجود باعتباره وجودا بعد أن غرقت المعارف الميتافيزيقية المتوارثة في بحر الموجود على حساب الوجود، واعتبر أن الفلسفة أنطولوجيا فينومينولوجية كليّة تنبع من هرمينوطيقا أو تأويلية الدازين، وميّز بين الأنطولوجيا العمياء والمُبصرة، وأكد على التلازم بين الأنطولوجيا والفينومينولوجيا.

طرح هيدغر رؤية مختلفة لعلم الكينونة وللأنطولوجيا، ولمفهوم الدازين بوصفه الأفق الوجودي للإنسان مع تحديثات مصطلحية للتفريق بين الفينومان ودراسته وولج عالم الكينونة عبر الأنطولوجيا والفينومينولوجيا والهرمينوطيقيا، وضَمّن رؤيته وعيا سيميائيا ينطلق من النّظر في الكينونة والوجود عبر تجلياتهما الأنطولوجية التداولية، وفكك بنية الأشياء على أساس مراتب وجودها وحضورها وأخذ على عاتقه تفكيك تاريخ الأنطولوجيا، بغية تأسيس بديل عن التقليدية.

شرح هيدغر الدازين بأنه كينونة الوجود المتمثّل في حالة الإنسان من زاوية وجوده، وهو إشارة صورية إلى بنية كينونة محض. وضح هيدغر الدازين في المعنى الفلسفي والوجودي، وميزه بثلاث أولويات: أولوية أنطيقية، أولوية أنطولوجية، وأولوية مزدوجة أنطيقية- أنطولوجية.

دراسات في إطار تأملات في خطاب هيدغر الفلسفي في العلامة والاختلاف أو الفرق الأنطولوجي والجسد

تؤكد هذه الأولويات على التحليلية الأنطولوجية للدازين وتشكيل الأنطولوجيا الأساسية. أما القيمومة، فهي حضور الشيء القائم أمامنا مباشرة ويختص بوصف الكائن القائم في العيان. ثم التوجُّد أو الوجود فهو مصطلح مخصوص للبشر؛ فالأشياء تكون أمّا الإنسان فوحده يوجد. لم يقف هيدغر في الكينونة عند الكائن أو الموجود المتحقِّق، لأنها لا تُستنبط من التصوُّرات العليا بل تُدرك فينومينولوجيا وهرمينوطيقيا.

بنى هيدغر رؤيته للعلامات والفينومينولوجيا من خلال مفهوم الظاهرة أو الفينومان وفق المنكشف والمتجلِّي بنفسه، والظاهر والشبيه والمظهر. وتحتاج المظاهر إلى الفينومينات لتتجلّى بذاتها. وناقش مفهوم الظاهرة الكانطية وأيّد فينومينولوجيا هوسرل وولج حالات تستبطن بنية سيميائية خاصّة بالموجودات تتحوّل إلى علامات دالة على معنى معيّن وتتجلّى كتوجُّدات في مجرى الكينونة. تمضي فينومينولوجيا هوسرل إلى الداخل نحو ماهيات الأشياء والظواهر وتمكث في العقل والخيال كظواهر حتى تنطبع العلامات بطابع كل ذلك، بينما فينومينولوجيا هيدغر تمضي نحو الخارج أو التوجّد في تجلياتها وتمظهراتها وتواجداتها كموجودات ذات دازين في أفق الحياة المرئية لانتزاع الحقيقة من الفينومينات.

يتأمل هيدغر حالة الانكشاف واللا-انكشاف استنادا إلى تجلّي الكائن أو الفينومان. تبقى العلامة ذات كينونة متحقّقة توجُّدا فينومانا أصليا يُعبِّر عن كينونته في الظهور، وإذا لم ينكشف بنفسه يلجأ عبر التوجُّد العلاماتي إلى علامات تعبّر عن كينونته ورسالته وطموحه في الحضور.

الكائن والفينومان

ينتقل هيدغر من التحديق في ما هو تحت- اليد إلى التبصّر، الذي ينكشف عبر نمط معرفة وممارسة وفق إحالات متبادلة من التلاقي المبصر بين الإنسان والأداة. جعل الإحالة مفهوما مركزيا في فلسفته للعلامات لكن بقيت الإحالة ذات أفق تعييني أو تشخيصي، خصوصا أن بنية كينونة ما تحت- اليد، تُعيّن عن طريق الإحالات وهي لا قيمة لها من دون التبصّر. مهّد هيدغر للنّظر في العلامات ضمن مفاهيم ذات دلالات ومراتب أنطولوجية ترسم توجدات تنفتح فضاءاتها على نحو تواصلي وليس من باب خلف الوجود أو الموجود على طريقة أفلاطون وديكارت وغيرهما.

الكتاب يبحث في نقد هيدغر للميتافيزيقا الغربية

أتى خطابه السّيميائي لصيقا بالنماذج العلاماتية والعلاقات والإحالات الوجودية بعيدا عن معناها السارتري، وفهمُ هذه المسألة بالتركيز على الإحالة المتجلية في عالم العلامات الأنطولوجية، يختلف ويتباين في نوع الإحالة بين العلامات والرموز والعبارات والدلالات.

فرّق هيدغر بين الإحالة كجدوى والإحالة كإشارة مع نمط كينونة الجملة الأداتية التي تحت- اليد داخل العالم. نظر في الطابع التداولي للعلامة فهي في العالم من جنس الملاقاة، ذلك أنها تتوجّه بالخطاب إلى كينونة في العالم لمجرّد النّظر أو التلاقي من أجل التلاقي. يستعين إنشاء العلامات العُرفية بما تحت- اليد من موادّ كائنة تكون بطابع أداتي لافت للنّظر والملاقاة في مجال العلامات العُرفية، وتاريخ الحياة البدائية الكثيف للعلامات في نطاق الدازين البدائي.

افترض رسول في تناول الموجود والوجود في الفرق الأنطولوجي، أن هيدغر أقبل على معاينة دراسات سابقة على الكينونة والزمان وخرج بتصوّر مفاده أن دلالة هذا المفهوم تكللت في مصطلح الاختلاف أو الفرق الأنطولوجي الذي وجد دلالته في الخطاب الفلسفي لكتاب الكينونة والزمان بالمصطلحات باللغة الألمانية التي استخدمها هيدغر في نصوصه الفلسفية وسعى إلى تأسيسها في مشروعه الفلسفي الكبير، عن طريق تفكيك تاريخ الأنطولوجيا التقليدية.

لم يتوافر عند هيدغر مبحث مستقل للنّظر في مسائل الجسم والجسد، فبقيت رؤاه الفلسفية ضمن حجاجه النقدي الموجّه إلى النظريات المثالية القديمة والحديثة واحتفى بالوجود المتحقّق أنطولوجيا أكثر من احتفائه بالوجود المتجسّد ماديا.

يخلص الكاتب إلى أن العلامة لدى هيدغر هي أكثر من مجرّد موجود يتوجد، إنها كينونة أنطولوجية بطابع الظهور الأنطولوجي، وبقيت محاولته لبناء نظرية علامات سيميائية تسبح في أنطولوجيا الوجود بعيدا عن التخمينات الميتافيزيقية. وحضرت دلالة الاختلاف وفية لمفهوم الاختلاف ولتأسيس الدلالة الخاصّة به كما أن تجربته مع القول الشعري المتخيّل قد أتت إلى تحليل أنطولوجي لمفهوم الاختلاف لكنه عاد إلى القول الفلسفي من خلال مراحل ثلاث مرّت بها تجربته، وأعاد بناء صرحه الدلالي والمعرفي والأنطولوجي كوجود حضوري أصيل ليس بعيدا عن وعيه الأنطولوجي.

14