تأملات في عيد الاستقلال

الخميس 2015/12/31

أنتمي إلى جيل في ليبيا أسعد حظا من أسلافه، فقد ولدت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، عشية زوال الاستعمار الإيطالي عن البلاد، وتفتحت مداركي على دولة الاستقلال، يرفرف فوق سمائها علم يرمز إلى حريتها، ولها ملك ودستور وبرلمان، ويتولى مقدراتها رجال من أهلها، وفي حين كان جيل الآباء، الذي عاصر العهد الاستعماري، سعيدا بما تحقق للبلاد، كنا نحن الجيل الذي ولد أثناء المرحلة الانتقالية ودخل المدارس وترعرع تحت راية الاستقلال، كثير الشكوى والتذمر ممّا يراه استقلالا ناقصا، ودولة لم تستكمل شروط الدولة الحرة، ولم تتوفر للمواطن فيها كامل الحقوق والمزايا التي يتمتع بها المواطنون الأحرار في البلاد الأخرى.

كنا ننظر إلى العالم الذي حولنا، نقارن حالنا بحاله، ونجد قاعدة عسكرية بريطانية، وأخرى أميركية، فنعتبر ذلك تبعية ووصاية وانتقاصا من حرية بلادنا، ونخرج صارخين نطالب بالجلاء التام أو الموت الزؤام، وننظر إلى دول مجاورة فنرى حراكا سياسيا أهليا ينتظم في أحزاب ذات مشارب ومذاهب متنوعة، فنجأر بالشكوى من الحكم الجائر في بلادنا الذي يمنع الأحزاب، ويعمد بعضنا إلى عمل أحزاب تحت الأرض، وخارج القانون، تصدر المناشير ضد الدولة وتطالب بالانقلاب على نظام الحكم، وتحدث صدامات ومعارك بين الناس وبين الحاكمين، لحظة القبض على هذه الأحزاب السرية، ويتعاطف سياسيون من أهل الوطنية مع شباب الأحزاب، وشباب المظاهرات، وتتكون منهم معارضة في البرلمان، تحرج الملك وأعوان الحكم، وتكون الوسيلة التي تراها الحكومة لمنع إحراج الملك، هي تزييف الانتخابات، ومنع المعارضة من الوصول إلى البرلمان.

ولم يكن التأجيج الإعلامي القادم من شرق البلاد، بعيدا عمّا يحدث، وصب الزيت على نار الصراع، ولم تكن القوى الغربية التي رأت أن مصالحها مهددة بمثل هذا التأزم، يمكن أن تقف عاجزة عن التدخل، فتضافرت كل المعطيات المحلية والإقليمية والدولية لإعداد المشهد للقادم الجديد، أي النظام الانقلابي العسكري الذي وضع حدا لذلك الدلال الذي تعامل به السلطات الملكية معارضيها. وكمثال على هذا النوع من الدلال أن حزبا مناوئا للدولة يعمل تحت الأرض له ارتباطات خارجية وأيديولوجية قومية عابرة للحدود، هو حزب البعث، تم ضبطه وتجريمه وإدانته، وكانت العقوبة التي قضت بها المحكمة على قادة المجموعة، هي السجن عامين لكل منهم، بينما كانت العقوبة التي حددها رئيس النظام الانقلابي لأي معارض، وقبل المثول أمام أي محكمة، هي كما تقول إحدى مقولاته “الموت هو الحد الأدنى لأي معارض أو متآمر على النظام الثوري”.

وعاشت البلاد مع الانقلاب شهر عسل شديد الاختصار، لم يتجاوز ستة عشر يوما، فمع يوم الـ16 من سبتمبر، ذكرى استشهاد البطل عمر المختار، بدأت ملامح الوجه البشع للنظام الجديد تظهر مع ظهور قائد الانقلاب، عندما ألقى خطابا بالمناسبة، تجلت فيه علامات الطيش والغرور والتوجه الاستبدادي، وقبل نهاية العام 1969، ولم تمر سوى بضعة أشهر على الانقلاب، بدأ الإعلان عن المؤامرات، تعقبها المحاكم الصورية، وصدور أحكام الإعدام، وعندما تخطئ محكمة صورية عسكرية في الحكم بعقوبة السجن المؤبد على المتهمين، تنظم حكومة الانقلاب مسيرة شعبية، تتكون عادة من أفراد البوليس السري، يرتدون ملابس شعبية ويصرخون بشعار صار لازمة ترددها هذه المسيرات تقول “الشعب يطالب بالعيدام” والمقصود طبعا الإعدام، دون شرح ولا تفسير كيف استطاع الشعب أن يقرأ المحاضر ويتأكد من الجرم وأنه يستحق عقوبة الإعدام.

بدأت مسيرة القمع والسفه وإذلال الناس، وصار أغلب المواطنين ينظرون إلى العهد الملكي باعتباره حلقة ذهبية مفقودة، بكل ما شابه من عوار، وكل ما خالط سياساته وممارساته من أوجه التقصير والقصور، لأنه كان خارج تلك المماحكات السياسية، عهد تنمية وبناء، وتحسين مستمر ومتواصل لمستوى معيشة المواطن، والارتفاع بأداء الدولة خاصة في مجالات الخدمات الصحية والتعليمية والمواصلات، وكان الفساد موجودا، ولكنه محدود جدا، ومحصور في أضيق نطاق، وكان الملك نفسه أشبه بالقديسين في سلوكه المهني وذمته المالية، ولم يكن أحد، بما في ذلك صديق من أصدقاء النظام الانقلابي مثل الكاتب السياسي الشهير محمد حسنين هيكل، يظن أنه نظام قابل للاستمرار، وأن رأس النظام الذي جاء يبني خيمته على تخوم عالم جديد يتفجّر بالفتوحات العلمية، وعالم تقليدي يتقوض، يمكن أن يصمد في مواجهة رياح العصر التي ستطوّح به خارج الحكم والنفوذ.

إلا أن القوى الخفية المجهولة في العالم، التي تعمل خلف كواليس بيوت الحكم المعروفة، من الكريملين إلى البيت الأبيض، ومن عشرة داوننغ ستريت، إلى الإليزيه، لها رأي آخر، وكانت صيرورة استنزاف ثروات هذا الوطن النفطي، تقتضي استمرار واجهة تتميز بالنزق والسفه، تخدم أغراضها ومصالحها إلى آخر مدى ممكن. ولم يكن لدى هذه القوى مانع من إعطاء هذا النظام انتصارات مجانية يتعيّش عليها مثل إجلاء القاعدتين الأميركية والبريطانية، بعد أن استنفدت الأغراض المستهدفة من إقامتهما.

هذه وقفة تأمل استوجبتها ذكرى مولد دولة الاستقلال في يوم 24 ديسمبر الذي احتفلت به البلاد هذا الأسبوع.

كاتب ليبي

9