تأملات في مسار الثورات العربية، دستور الهوية والانفتاح

الثلاثاء 2014/02/18

هناك مسألة في الدستور التونسي الجديد أثارت نقاشات عمومية داخل المجلس التأسيسي وخارجه دون أن تأخذ حظها من الدرس والنقد العميقين، ونعني بها الهوية التي وردت في الديباجة وفي بعض الفصول وأساسا في الفصل التاسع والثلاثين الذي ربطها بالتربية والتعليم والتكوين الخاص بالمواطن التونسي منذ نشأته. يقول الفصل ما يلي: “التعليم إلزامي إلى سن السادسة عشرة. تضمن الدولة الحق في التعليم العمومي المجاني بكامل مراحله، وتسعى إلى توفير الإمكانيات الضرورية لتحقيق جودة التربية والتعليم والتكوين، كما تعمل على تأصيل الناشئة في هويتها العربية الإسلامية وانتمائها الوطني، وعلى ترسيخ اللغة العربية ودعمها وتعميم استخدامها، والانفتاح على اللغات الأجنبية والحضارات الإنسانية، ونشر ثقافة حقوق الإنسان”.

في واقع الأمر كان القسم الأول من هذا الفصل الذي ينتهي بكلمة تكوين محل اتفاق في الحوار الوطني. إلا أن المفاجأة كانت شديدة عندما اقترح الإسلاميون في المجلس التأسيسي إضافة الفقرة الموالية التي تنتهي بكلمة استخدامها، وتمت المصادقة بالأغلبية على هذه الإضافة. إلا أن أحزاب اليسار والديمقراطيين ومكونات المجتمع المدني والمثقفين والمفكرين تحركوا منددين بهذا الانقلاب الذي يحصر التربية عامة في مقومات الهويّة، كما يحصر آلياتها في اللغة العربية فقط، وهذا الحصر لم تعرفه تونس الحديثة منذ نشأة دولتها إذ كانت تونس ومازالت منفتحة على كل الحضارات دون أن يمس ذلك من تجذر هويتها، ثم أن اللغات الأجنبية تدرّس بكثافة في المعاهد والكليات مما يجعل الباحث التونسي مؤهلا للإطلاع على إحداثيات العلوم والتكنولوجيا والمساهمة فيها. وقد أنتجت هذه النضالات أن أعاد المجلس التأسيسي النظر من جديد في هذا الفصل وأضاف الفقرة الأخيرة التي تبدأ بكلمة “والانفتاح”.

هذا الوصف الدقيق لنمط إنشائية هذا الفصل يدل على صعوبة هذه المسألة وخطورتها لاسيما إذا ربطناها بتربية الناشئة. فنحن نلاحظ ظاهرة جديدة في الأقسام الابتدائية في الجهات الداخلية وحتى في بعض مدارس تونس العاصمة تتمثل هذه الظاهرة في إجبار طالبات المدارس على لباس الخمار على صغر سنهن بل هناك من المعلمين والمعلمات من ينعت جهرا أمهات الطالبات اللاتي لا يلبسن الخمار بالكافرات، فتقع انشراخات عميقة داخل العائلة. وقد كانت هذه الظاهرة سببا من أسباب عزوف بعض الأسر عن التعليم العام والتوجه نحو التعليم الخاص.

ومع ذلك لا يمكن أن نطالب بعدم التنصيص على الهوية العربية الإسلامية وعلى اللغة العربية في دستور تونس الجديد لأن كل أمة تعتز بانتمائها وبلغتها وبإحياء تراثها، فكان من العبث المطالبة بالتراجع عن هذه الإضافة في الفصل التاسع والثلاثين وكان الحل التوازني يتمثل في إضافة ثانية كما يلي “والانفتاح على اللغات الأجنبية والحضارات الإنسانية ونشر ثقافة حقوق الإنسان”. وبذلك ضمن الدستور في هذا الفصل إمكانية التجذر في الهوية والانفتاح على الهويات الأخرى على حد السواء بالنسبة إلى التربية والتعليم والتكوين.

وقد لاحظنا في المناقشات العمومية الخاصة بهذا الفصل أن الكثير من نواب الشعب في المجلس التأسيسي وحتى المثقفين والمفكرين خارجه يمينا ويسارا لا يريدون التعمق في المعنى الأصلي للهوية. فالإسلاميون يعتبرونها تجذرا في معطيات الماضي وإحياء لطقوسه وعوائده وتقاليده، أما اليساريون والديمقراطيون فلم يكونوا بعيدين عن هذا الفهم ولذلك يعتبرونها عائقا للتقدم والتطور، لذا وجب في نظرهم تجنبها أو على الأقل تخفيف وطأتها. والحقيقة أن المطالبة الدائمة من قبل النواب لتفعيلها والتأكيد عليها لا تهدف إلى تمتين عودها والحفاظ عليها بقدر ما تصبو إلى استبعاد ما يخالفها وإقصاء الآخر والغير من حقل عملها. فأصبح بذلك التقوقع في الهوية حربا معلنة على كل مختلف ومغاير مما يجعل منها خطرا على الإنسان بصفة عامة، لأن الآخر في نهاية الأمر هو في نفس الوقت كينونتي بما أنني آخر بالنسبة إلى الآخر.

ومهما يكن من أمر فإن مقاربة الهوية من جميع الأطراف في المجلس التأسيسي هي مقاربة ثبوتية تكاد تكون تقوقعية. فطرف يعتبرها شيئا إيجابيا لحماية الذات، والطرف الآخر يجعلها سالبة لكل تحديث وتقدم. والغريب أن لا أحد يذكر بأننا صرنا عربا ومسلمين، بمعنى أن الهوية صيرورة في الزمن والتاريخ تتولد عن معطيات تاريخية وتغيرات مجتمعية وتحولات عالمية وتنتهي تحت ضغوط المسار التاريخي أيضا. فالتونسي لم يكن عربيا ومسلما في كل فترات تاريخه. هذه بديهة لابد من التذكير بها حتى لا ننساق مع المقاربات الأبدية للهوية فندخل متاهات الأيديولوجيا التي تستحوذ على المقاربات المغلوطة وتلعب بمعانيها لترضخها إلى مبتغاها.

إنّ خطاب الهويّة بطبعه حصري وإقصائيّ، لأنّه يعيّن الآخر بصفته خصما، وينظر إليه عدوّا أو عدوّا مرتقبا. فتكمن بذلك وظيفته الأولى بما هي أيديولوجيا كما يذهب إلى ذلك المفكر الفرنسي جون بيشلير، “في ضرورة التّعرف بين الناس على الأصدقاء- أي كلّ الذين يشاركوننا في معركة سياسيّة- وتعيين العدوّ. وكلّ معسكر يحتاج إلى علامات ورموز وشعارات لخطاب يجمع أنصاره ويستبعد الآخرين بالطّريقة نفسها”.

لكي نفهم هذه التّساؤلات والإشكاليّات المختلفة وهذا التوتر بين الفهم الثبوتي للهوية ومقاربتها التاريخية التحولية، من الضّروري إعادة تعريف مصطلح الهويّة في علاقته بالغيريّة وتوضيح الاختلاف الجذريّ بين التقوقع والانتماء، وفي نهاية المطاف، علينا رصد انتماءات هويتنا التّعددية والتحولية. فينبغي القول إنّ هذا التوجه الجديد في تحديد معنى الهوية بدقة ودون سقوط في فخ التناول الأيديولوجي لا يمنع الفرد بطبيعة الحال من إثبات انتسابه الواقعي والرّمزي إلى مجموعة قيم راسخة في مجتمعه، وإلى وحدة ترابية أنشأت ماض واضح المعالم يمثل في الحقيقة تاريخا قوميا ووطنيا وإطارا اجتماعيا وثقافيا وسياسيا، وقد تمثّل كلّ هذه الأطر نقاطا مرجعيّة هامة للهويّة ولكنها غير كافية في حد ذاتها حتى نكون في علاقة إبداعية مع الحاضر الذي أعيش فيه ومع طموحاتي لمستقبل أريده زاهرا لأبنائي. فمرجعيات الماضي وحدها تجعل من الهوية عنصر تأخر وانحطاط. أما إذا انفتحت على الحاضر بإحداثياته وعلى المستقبل بطموحاته فستكون مبدعة ومساعدة على التطور والتقدم.


كاتب ومفكر تونسي

8