تأملات في مسار الثورات العربية: الإسلام والكونية

الثلاثاء 2014/03/11

في المقال السابق حول منزلة الحرية في الإسلام الذي اعتمدنا فيه على الفقرة الثانية من توطئة الدستور التونسي الجديد، وربطناها بالفصل الأول والثاني، رصدنا معضلة التأكيد هنا على الانتماء المحلي للهوية العربية الإسلامية والكونية المرتبطة بالقيم الإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان. ودافعنا في ذلك المقال عن فكرتنا القائلة بأن الإسلام في روحه لا يناقض الحرية ولا يعادي الإنسان ولا يجانب الكونية، ولكننا ركزنا أساسا على الفهم الممكن لتصور الحرية في الإسلام وسنحاول هنا تحليل إمكانية الربط بين الإسلام والكونية في مجال فهمنا للمدنية والحرية والمجتمع المدني.

ولابد أن نذكّر هنا بالتجاذبات الحادة بين نواب المجلس التأسيسي التونسي أثناء كتابة الدستور حول إثبات الكونية الخاصة بحقوق الإنسان في الديباجة من عدمه، وكالعادة تحرك المجتمع المدني وناضل بطرقه المتنوعة لإجبار الجميع على إثبات كونية حقوق الإنسان كمرجع أساسي للدستور. وهنا أيضا رأى بعض المفكرين في هذه الفقرة تناقضات صعبة بين إقرار الانتماء والكونية من حيث هما مرجعان أساسيان للدستور، بينما يمكننا أن نجد رابطا منطقيا بين الإسلام والكونية على المستويين النظري والعملي.

وفي نظري ينبغي على الإسلام الحديث أن يأخذ في الاعتبار هذه الكونيّة من أجل أن يكون قادرا على التكيّف مع حركات العالم وإحداثيات العلوم والتكنولوجيا التي تتزايد وتتطور بسرعة مذهلة، فلا ينخرط في هذه الحركات مثلا من خلال “أسلمة” حقوق الإنسان و”أسلمة” الحداثة والعلوم، ينبغي عليه ببساطة أن يوازن بين معاناة الإنسان، وتفرده كي يدعم حرّيته وحقوقه وبين تحقيق انتماءاته وتطور هويته. ولا ننسى أنّ القرآن الكريم نفسه أكّد على ضعف الإنسان في عملية تفرده حيث أنه يخطئ ويصيب بما في ذلك النّبيّ نفسه، فالنّبيّ محمد إنسان، بل هو إنسانيّ جدّا حتّى وإن تجاوز بعظمة رسالته كلّ النّاس وبفضل اليقين القلبي الخاص بالأنبياء والرسل، لقد أظهر في مرّات عديدة مواطن إنسانيته ومواقف تبقيه داخل وجودنا الإنسانيّ.

لا ننكر أن هذا الجانب الإنساني في الإسلام جعل هذا الدين يقترب كثيرا من الشؤون العامة لينظم الحياة السياسية والاجتماعية للأمة الإسلامية الناشئة. ولا نريد هنا الخوض في إشكالية الإسلام بين الدين والدولة والتساؤل هل الإسلام حقا قد وضع أسس الدولة اللاهوتية، أم أنه قام فقط بقيادة المسلمين نحو تأسيس دولة مدنية تقوم على المواثيق الاجتماعية.

وقد بينا في مقالنا سابق الذكر أن الإنسان الفرد الحرّ هو الذي يتعرّف في قوانين المدينة التي يعيش فيها على إبداعه واستقلاله الخالصين، بمعنى عندما تكون له القدرة التامّة على المشاركة في صياغة القوانين وممارسة السّلطة. إنّ الاختلاف بين تصور العضو في الأمّة الإسلاميّة من حيث هو ذات تستمدّ شرعيّة سلطتها ممّا هو فوق طبيعي، وبين مواطن أو فرد حرّ، هو بالفعل هذه الإمكانية المتاحة للثّاني في قدرته على المشاركة في مدوّنة القوانين والمرجعيّة التّأسيسيّة للشّرعية. فالإسلام في جل فترات تاريخه لم يسحب عن الفرد إنسانيته ولم يؤله سلطة الحكم في مجتمعاته.

وفي قناعتنا إن طريقة التّعبير عن هذه الكونية وعن هذه الحرية يمكن أن تتنوّع من مجتمع إلى آخر ويمكن أن يحصل بينها صراعات، ولكن هناك دوما معادلة بين الحرّيات والمسؤوليّات في المجتمع قد أكد عليها الإسلام بصراحة، فلا غرابة أن تتضمن ديباجة الدستور تأكيدا واضحا على مقاصد الإسلام “المتسمة بالتفتح والاعتدال والتسامح”، بحيث أنّ احترام الذّات في نهاية المطاف واحترام الآخر يكوّنان نسيج كلّ تعايش في العالم. إلاّ أنّه علينا أن نلاحظ على النّحو الذي قام به الفيلسوف الأميركي جون راولس “أنّ هذا النوع من الحرّيات مصنّف في قائمة الحرّيات.

ومن بين الحريات الأكثر أهمّية، نجد حرّية التّفكير وحرّية الوعي وحرّية الشّخص وحرّية الاختيار السّياسي وتحتلّ هذه الحرّيات مجال تحقّق من شأنه أن يحدّ امتدادها، بل يعرّض وجودها للخطر، ولكن بصورة استثنائيّة عندما تدخل في صراع مع حرّيات أساسيّة أخرى. ولهذا بمقدار ما يضع صراع الحرّيات حدّا للحرّية، لا يكون أيّ منها مطلقا. وإنّما تكون منظّمة في نسق، وهذا النّسق لا يمكنه أن يكون إلاّ هو نفسه بالنّسبة إلى الجميع”.

هكذا تتجلّى الكونيّة بشكل بسيط ومقبول من الجميع: احترام الذّات للآخر، والحال أنّ هذا الاحترام للذّات وللآخر لا يمكنه أن يكون عمليّا إلاّ إذا تأسّس على احترام القانون. إنّ مجتمعا “منظّما” هو ذلك الذي يضمن لكلّ أعضائه حماية الوجود ورغد الحياة عبر ممارسة القانون، وإنّ مجتمعا عاقلا هو قبل كلّ شيء مجتمع عدل ومساواة ينبذ الانتهاكات ويدينها.

والملاحظة الجديرة بالذكر في هذا الصدد أن الدستور التونسي أكد بصيغة واضحة على كونية الحقوق، ولم يشر أبدا إلى مصطلح حقوق الإنسان الذي أرادت سلطات البلدان الإسلامية إعادة صياغته وتعريفه في ضوء قراءة معيّنة للقرآن وللإرث الثّقافي وللعادات عموما. وبالفعل أسّست هذه السّلطات ما أسمته “الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان” الذي صدر في 19 سبتمبر 1981. هذا الإعلان تريده أن يكون عنصرا للإجابة عن تقلّبات الحياة المعاصرة وتحدّيا للحداثة وعلامة على الأصالة. ذلك يعني أن ما قصده الدستور هو حقيقة كونية القيم لا تكريسا لمبادئ أمة معينة، حتى وإن مثلت هذه الأمة قسما هاما من الإنسانية. فالدّفاع عن كرامة الإنسان كما يصرّح بذلك هذا الإعلان، يعدّ واجبا أساسيّا للمدينة الإسلاميّة. ولكنه يربط كل ذلك بتعاليم الشريعة الإنسانية ويجعل من القوانين التابعة له خاضعة بدورها لهذه الشريعة، فيصبح هذا الإعلان بعيدا كل البعد عن الكونية. والسؤال الذي يتبادر إلى ذهننا هو التالي: لماذا نجد أنفسنا مجبرين على إنشاء إعلان إسلامي لحقوق الإنسان واحترامه، عوض، وببساطة، أن نعمل على مساندة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واحترامه وتدعيمه، وقد تبنّته الأمم المتّحدة منذ سنة 1948؟

أليس هذا الإكراه معبّرا عن إرادة حقيقيّة لإثبات الأنا الجريح، وقطيعة مع شكل الحداثة الذي تَصَوَّرَهُ بعض المسلمين على أنه هجوم مخرّب لعالمهم المطمئنّ؟ومهما يكن من أمر فإن إثبات كونية القيم والابتعاد عن محلية الحقوق أعطيا لهذا الدستور صبغة المعاصرة.


كاتب ومفكر تونسي

9