تأملات في مسار الثورات العربية.. التوافق إلى أين؟

الثلاثاء 2013/11/19

في الحوارات الوطنية التي تقع اليوم في البلدان العربية التي تعرف مسارا ثوريا كل الأطراف تقريبا تتحدث عن التوافق من حيث هو السبيل الأمثل للخروج من الأزمات المتواترة التي تحدث عادة في التحولات السياسية الكبرى. ولكن الكثير من المحاورين لا يعرفون حق المعرفة ما يفيده هذا المفهوم وما يتطلبه من شروط وما يحدثه من إمكانيات. لذا أردنا أن نتوقف قليلا عند مفهوم التوافق لنبين مقتضياته ولنوضح سبله ومبتغاه، لاسيما وأن الفكر المعاصر في العالم الغربي يريد تجديد الممارسة الديمقراطية بإعطائها حركية دائمة تبعدها عن الإجرائية الثبوتية التي تقوم على عملية الانتخاب فقط، وذلك عندما يضع تحت المجهر هذا المفهوم لفهم مغازيه وآلياته.

يرى الفيلسوف الألماني هابرماس أن الديمقراطية تكون في تدهور عندما يخفق التوافق حول المؤسسات وحول القيم التي تمثلها، ولكن أيضا عندما تكون حركيتها المعرفية معوقة بتخمة من التوافقات التي تؤدي بسهولة إلى ضدها. ذلك يعني أن التوافق من حيث هو معيار التمرس على العمل الديمقراطي يجب أن يخضع بدوره إلى شروط وقواعد معينة. هابرماس يقترح توجها ديمقراطيا يعتمد التحاور المفتوح والتواصل في الساحات العمومية، بمعنى أن المعقولية التواصلية للديمقراطية يجب أن تقوم أساسا على التفاهم والتوافق بين الأشخاص أو الأحزاب والجماعات التي تستطيع أن تتفاوض من أجل عمل مشترك. فالتوافق هو نتيجة لتحاور بين أطراف تنتمي كلها إلى المشروع الديمقراطي انتماء كليا.

من هنا جاء الشرط الأهم للتوافق والمتمثل في الوجهة المدنية لكل حوار ممكن بين الأطراف المتنازعة. ذلك يعني أن كل طرف هو سيد لفكره وقراره وأن هذا الفكر وهذا القرار يمكن أن يتطورا ويتغيرا حسب تطور الحوار. أما الذي يأتي للحوار بمعتقدات دينية أو إيديولوجية غير قابلة للدحض والنفي ويريد فرضها حقيقة مطلقة فلن يستطيع أن يكون طرفا حقيقيا لأي توافق ممكن. فتحرر كل الأطراف من الدغمائية وقبول قواعد التحاور الديمقراطي من لوازم التوافق المؤكدة.

ولابد هنا من التمييز بين ثلاثة أنواع من التوافق تمييزا بيداغوجيا توضيحيا تعمقا في مجرياته لأن هذه الأنواع تأتي في الواقع متداخلة ومترابطة. فالنوع الأول يتمثل في ما نستطيع تسميته بالتوافق بالغلبة، والثاني هو التوافق بالقلب حسب عبارة للفيلسوف الفرنسي جون جاك روسو، أما الثالث فهو التوافق بالعقل والتعقل.

قد يرى البعض أن في عبارة التوافق بالغلبة تناقضا داخليا باعتبار الشرط الأهم للتوافق الذي أثبتناه أعلاه والمتمثل في الممارسة المدنية الديمقراطية التي تنبذ العنف في التحاور والممارسة. ولكن واقع المسار التحاوري يفرض التعرض إلى هذا النوع الذي كثيرا ما يربك التوافق ويسير به نحو أفق مسدود. لا نتحدث عن التوافق الذي تفرضه الدكتاتوريات التي تظهر وكأنها ديمقراطيات بتنوّع أحزابها الصورية وانتخاباتها المزيفة. بل نريد التأكيد على محاولة طرف من أطراف الحوار في المسار الديمقراطي نفسه فرض اختياراته مهددا مثلا باستعمال الأغلبية التي لديه في البرلمان أو بالنزول إلى الشارع واستعماله وسيلة ضغط وغلبة.

أن تكون ممارسة هذه الغلبة في الحوار يعني فشله من البداية ولعل ذلك ما وقع حقيقة في الحوار الوطني بتونس الذي تعثر وفشل لأن الكل أظهر عضلاته وقوته ليتحصل على مواقع سياسية جديدة. إذ لا تكون في أذهانهم الساحة السياسية إلا ساحة حرب تقوم على ثقافة الغلبة وتنقسم إلى غالب ومغلوب. لذا نزعم أن التحاور بالغلبة لن يؤدي إلى أي توافق مدني وديمقراطي ممكن مهما كانت الظروف والملابسات، بل هي محاولة للانقلاب على المسار الديمقراطي.

طبعا لا نعني أن الغلبة ستكون غائبة في النوعين الآخرين. فهي من معطيات الواقع التحاوري نفسه، ولكن المسار التوافقي يفرض حتما التقليل من تأثير الغلبة بالاستعمال المنطقي للعقل والتعقل.

أما النوع الثاني فهو الذي يستعمل الوجدان ويتحرك من خلال القرابة الفكرية والإيديولوجية التي هي نوع من العصبية. وليس ثمة شك أن التحابب يسهل عملية الحوار نفسه فيجبر المتحاورين على احترام بعضهم البعض، والاحترام شرط أساسي من شروط نجاح عملية التوافق نفسها. والحقيقة أن التآلف كثيرا ما يمهد للثقة المتبادلة وبالتالي للتفاهم حيث أن الأطراف في الحوار سوف لن تنساق إلى السب والشتم والتشهير ولن تدخل في تجاذبات لا تعرف مستتبعاتها. وما يحصل الآن في تونس هو تعميق الهوة بين الأطراف المتحاورة التي أصبحت وكأنها متنازعة على الحكم ديدنها الكراهية المتبادلة. وبما أن ساحة العمل السياسي أصبحت عندهم جميعا ساحة حرب فقد أصبح كل طرف يذهب إلى الأقصى، والأقصى في الحرب هو القضاء على الآخر حتى الموت حسب عبارة الجنرال الألماني كلاوزفيتز وفي السياسة هو تركيع الآخر وإقصاؤه نهائيا من العمل السياسي.

لذلك سيتحول مسار التوافق إلى ممارسات تكتيكية للقضاء على الآخر. وبما أن هناك جدلية التعامل مع الآخر فسيتحول هذا المسار التوافقي إلى جحيم المعركة الإقصائية. فإذا كانت مزية هذا النوع الثاني من التوافق هو التحابب والاحترام فإن مساوئه متعددة ومنه الإقصاء، باعتبار أن من هو غير قريب يكون في مسافة بعيدة عني ليتحول إلى عدو وجب القضاء عليه. لكل ذلك يجب تجنب هذا النوع من التوافق والمرور نحو التعقل الذي سيسمح للجميع بتحاور مركز على المصلحة العامة دون المساس بالمصلحة الخاصة.

فالتوافق بالعقل والتعقل هو الذي قد نادت به مجموعة هائلة من فلاسفة الغرب عندما لاحظت تدهور الممارسات السياسية للديمقراطية في بلادهم. فماذا نعني بهذا النوع من التوافق؟ وما هي الإشكالات التي قد يفرزها على الصعيدين النظري والعملي؟

قد لا يسع المجال هنا للتعرض إلى تلك الإشكالات إذ سنخصص لها المقال المقبل، ولكننا نبين هنا أن التوافق بالعقل والتعقل هو محاولة بناء تحاور عميق بين الأطراف التي عندما تدخل ساحة الحوار تصبح متساوية فعلا قابلة لأن تقنع وتقتنع بواسطة قوة البرهان لا غير.

تلك هي الحالة المثلى لفعل التوافق. لأن التواصل البرهاني كفيل بأن يضمن علاقة احترام ومساواة حيث لن يكون هناك غالب ومغلوب، بل سيكون هناك بناء لفكرة أو لغاية مشتركة تكون وليدة الحوار البرهاني، وملك لجميع الأطراف وستمسي حتما قاعدة للعمل الديمقراطي دون المساس بضرورة التنوع والاختلاف.


مفكر تونسي

8