تأملات في مسار الثورات العربية.. التوافق المفقود

الثلاثاء 2013/12/17

والآن وقد تم الإعلان عن اسم السيد مهدي جمعة ليترأس حكومة الكفاءات التي ستعوض حكومة الترويكا في تونس وذلك بعد تحاور دام طويلا، نستطيع أن نقول بفشل عملية التوافق بما أن عملية الاختيار داخل اجتماع الأحزاب يوم 14 ديسمبر قد تمت بواسطة التصويت، وأدت إلى انسحاب قوى المعارضة المتمثلة في جبهة الإنقاذ المتكونة من اليسار والوسط، ليعود الوضع إلى ما كان عليه. إذ لا ننسى أن الأزمة السياسية بعد اغتيال الشهيد محمد البراهمي شهدت تجاذبات سياسية بين أحزاب المعارضة والأحزاب الحاكمة بقيادة حزب النهضة، عطلت الحياة السياسية وأثرت كثيرا في اقتصاديات البلاد مما أنتج الإعتصامات وتحركات الشارع الذي طالب برحيل الحكومة، فجاءت فكرة عملية التوافق لتسطير خارطة طريق تنقذ البلاد من الأزمة بمعنى أن يتوافق الجميع في فترة انتقالية صعبة على مسار تشريعي يضمن إصدار دستور مدني ديمقراطي ومسار تنفيذي يقوم على تكوين حكومة محايدة مستقلة عن الأحزاب حتى نضمن انتخابات نزيهة.

ولكن النتيجة فيما يخص النقطة الثانية كانت مخيبة للآمال، باعتبار أن السيد مهدي جمعة هو وزير في الحكومة السابقة. وهو لم يحظ بتوافق كل الأحزاب. وهذا يذكرنا بالأزمة قبل الأخيرة عندما تم اغتيال الشهيد شكري بلعيد، وأعلنت حكومة السيد حمادي الجبالي استقالتها ليتم تعويضه بوزير من وزرائها. غير أن الفرق يكمن في أن رئيس الحكومة المقبلة هو من رجال الكفاءات ومستقل عن الأحزاب.

وما يهمنا الآن هو أن عملية التوافق في حد ذاتها قد فشلت بما أننا عدنا إلى حكومة يساندها حزب النهضة وأحلافها، وإلى معارضة قوية قد تعرقل أعمالها حتى تظهر للجميع أن لها الحق في رفضها مسبقا. وقد بينا في مقال سابق كيف أنه من الصعب لهذه المبادرة أن تنجح لأن التوافق الذي يبحث عنه جميع أطراف الحوار هو من فئة التوافق بالغلبة، بمعنى أن كل طرف يريد أن يخرج بنتيجة تخدم مصالحه وتعينه على التموقع السياسي تموقعا حسنا لخوض الانتخابات في أحسن الظروف.

وهنا لابد من التأكيد على الأخطاء الإستراتيجية التي وقعت فيها الأطراف السياسية يمينا ويسارا في ممارستها المختلفة. فخطأ الأحزاب الحاكمة يتمثل حسب رأينا في إرادتها الواضحة للبقاء في الحكم أكثر وقت ممكن مهما كانت التكاليف باهظة على البلاد، بينما كانت ستجني ثمار الانتقال الديمقراطي لو أسرعت في كتابة الدستور حسب قاعدة التوافق، وهيأت أسباب النجاح للانتخابات التي ستضع حدا للصفة المؤقتة لنظام السلطة في تونس. عندئذ سوف لن تتحمل وحدها مسؤولية الأزمة الاقتصادية الحادة ومسؤولية تدهور الأمن والاضطرابات الاجتماعية المتكررة التي قد تعصف بها في الانتخابات المقبلة.

أما خطأ المعارضة فيتمثل في الثقة العمياء التي تعطيها لحراك المجتمع والنزول إلى الشارع معتقدة أن الشارع هو الذي سيوصلها إلى الحكم والسلطة بعد أن خسرت الانتخابات الأولى. طبعا يكون الحراك الاجتماعي من خلال الإعتصامات والمظاهرات السلمية والمقننة آلية رئيسية من آليات الممارسة الديمقراطية. ولكنه لا يكفي ولا يفيد إذا لم يكن خاضعا لإستراتيجية شفافة غير انقلابية تكمل آليات الديمقراطية الأخرى مثل الانتخابات والتداول السلمي على النظام، والمشاركة في أخذ القرار وحرية الرأي والعمل والعدالة الاجتماعية وغيرها.

زد على ذلك أن الشارع قد ينقلب في لحظة على الإستراتيجيات التي كانت تحركه إذا لم يكن منظما تنظيما محكما، وإذا لم يكن مشاركا فعليا في القرار وهي عملية صعبة وكثيرة المخاطر. ففي هذه الفترة المتأزمة التي تعيشها تونس سيكون من السهل تحريك الشارع ومن الصعب جدا تشريكه في القرارات وفي حل الأزمات المتتالية في الاقتصاد والسياسة والمجتمع.

ذلك يعني أنه كان من مصلحة الجميع التوافق حسب قاعدة العقل والتعقل لإنجاح عملية الانتقال الديمقراطي السلمية، لتصبح تونس أول بلد من بلدان الربيع العربي يمر بسلام نحو الحكم الديمقراطي. أما وقد تغلبت المصالح ونجح الإسلاميون في فرض مرشحهم وانسحب اليسار، فسنعود طبعا إلى قاعدة الأغلبية الضامنة هي أيضا للعمل الديمقراطي ولكنها غير كافية لإحلال السلم الاجتماعي والمناخ المساعد لتحريك الحياة الاقتصادية والخروج من هذه الأزمة الحادة.

وبما أن التوافق حصل عن طريق قاعدة الغلبة والأغلبية، فإن الإسلاميين سوف لن يطبقوا حسب رأيي بنود خارطة الطريق إلا بصعوبة، لأنهم يريدون لحكومة علي العريض أن تبقى أكثر وقت ممكن لتمرير قانونين هامين بالنسبة إليهم؛ قانون الأحباس الذي يعود بنا إلى تونس ما قبل الاستقلال هذا القانون الذي جمد الاقتصاد التونسي بتجميد جزء هاما من خيراتها والذي فسخه بورقيبة وجيله في عملية تحديث تونس. أما القانون الثاني الذي يريد الإسلاميون تمريره بسرعة وبصفة مفاجئة فهو قانون المساجد الذي سيجعل من المسجد مؤسسة اجتماعية، كأن يتم فيه وجوبا إشهار الزواج وربما الزواج العرفي، ومؤسسة سياسية يتم فيها الحوار السياسي كالتشهير مثلا بالعلمانيين وتكفيرهم، ومؤسسة تعليمية يتم فيها تعليم الأطفال روح الإسلام، ومؤسسة ثقافية بل ومؤسسة قمعية تعتمد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجانب كونه مؤسسة عبادة، وهذه الظاهرة لم تشهدها تونس طول تاريخها، لأن الجامع سيتحول إلى حكومة مصغرة تدبر شؤون الناس خارج الإطار القانوني العام.

ولعل استراتيجية الإسلاميين الخفية تتمثل في قبول الديمقراطية السياسية بآلياتها وفي اعتماد الضغط الاجتماعي لتغيير نمط العيش للتونسي حتى تذوب حريته الشخصية ويفقد حرية تعبيره الاجتماعية، فيتم بذلك تكوين دكتاتورية اجتماعية ستقضي شيئا فشيئا على الحرية السياسية الحقيقية، وسنعود إلى ضرب من الديمقراطية الاسمية التي كانت سائدة في تونس. وقناعتي أن الديكتاتورية الاجتماعية أصعب بكثير من الدكتاتورية السياسية لأنها ستتحكم في مجرى حياتك بصفة كليانية وسيفقد الإنسان فيها لذة العيش.

وأخشى ما أخشاه أن يؤدي فشل التوافق حسب قاعدة العقل والتعقل إلى أن يتحول المسار الديمقراطي إلى مسار لدكتاتورية جديدة تقوم على القبض على تلابيب المجتمع وتغيير نمط عيش التونسي ليفقد حريته الفردية والاجتماعية.


كاتب ومفكر تونسي

8