تأملات في مسار الثورات العربية.. التوافق تعقلا

الثلاثاء 2013/11/26

في مقالنا السابق قمنا بتمييز توضيحي بين ثلاثة أنواع من التوافق؛ يتمثل النوع الأول في التوافق بالغلبة، والثاني في التوافق بالقلب والوجدان والتقارب، أما الثالث فهو التوافق بالعقل والتعقل.

ووددنا أن نتعمق أكثر في النوع الثالث باعتباره ركيزة التحاور النزيه والمثمر الذي يكون هدفه الأسمى خير جميع أفراد الشعب، حتى وإن كان هذا الهدف صعب المنال. فالقضية الكبرى تتمثل في كيفية الوصول إلى بناء تحاور مجد حقا دون إخلال بمصالح الأطراف المتنازعة من ناحية، ودون التضحية بالمصلحة الوطنية من ناحية أخرى.

من تابع الحوار الوطني الأخير في تونس الذي وصل إلى طريق مسدود لابد أنه قد لاحظ تلك التحديات التي وجدها الفعل التوافقي أمامه، والمتمثلة أساسا في العنف اللفظي بجميع أنواعه مدرجا على صفحات الجرائد وفي الحصص الإذاعية والتلفزية وفي الفيسبوك والبرامج العديدة الموجودة على الأنترنت. كما تمثلت تلك التحديات في الخداع والتمويه والكذب والبهتان والوقاحة والحيل السياسية والفكرية واللغوية ولكل أنواع السفسطة والمخاتلة.

لابد إذن من تحديد منظومة معيارية واضحة حقوقية أصلا ومؤسساتية فرعا لتكون ضمانا لمصداقية التواصل الحواري ولحرية التأويل والتفكير والتعبير. ولعله من المفيد هنا الاستنجاد بنظرية كارل أوتو آبل في أخلاقيات المناقشة، والتي قام هابرماس بتطويرها وتطويعها حسب مقتضيات نظرية الممارسة التواصلية لتكون نموذجا للمجتمع الذي اختار الديمقراطية في تسيير شؤونه. يكون هدف هذه الأخلاقيات محاولة تكوين معايير مضبوطة أخلاقا وسياسة لكل حوار ممكن، وذلك بالاعتماد على معطيات المنطق والقوانين الوضعية الحامية لحقوق الفرد والمجتمع.

معنى ذلك أن الحوار مرتبط وجوبا بالاتفاق من قبل الأطراف المتحاورة على الاحتكام دائما إلى المنظومة المعيارية حتى نتمكن من إخضاع كل الأحكام وكل الاختلافات، بل كل الأفكار إلى الأدلة والحجج لنصل إلى نوع من الإجماع. ويرى هابرماس أن هذه المنظومة يجب أن لا تكون مسلّطة على طرف من قبل الآخر، بل هي نتيجة «تذاوت» وتفاهم وتواصل حتى يكون الفعل متماشيا وما تم الاتفاق عليه.

لا ننكر أن هذا «التذاوت» أي هذه العلاقة التواصلية بين الذوات صعب المنال، وكما ذهب إلى ذلك الفيلسوف آبل الذي ناقش فيما بعد هابرماس في هذه الفكرة، فإن هذا المعيار لا يمكن أن يكون إلا أخلاقيا بمعنى أن أخلاق الحوار هي الضامنة في آخر المطاف للتواصل الحقيقي.

ومهما يكن من أمر فإن هابرماس قد وضع قاعدتين أصليتين لكل حوار ممكن، قاعدة الكونية وقاعدة الديمقراطية. فلا يمكن- حسب هاتين القاعدتين- للحوار أن يوجد ويتواصل إذا لم يكن الطرفان قد اتفقا على الشروط والمعايير للتحاور، وأنّ الشروط يجب أن تكون مقبولة من حيث هي ومن حيث نتائجها من قبل الجميع أي الأطراف التي لها علاقة بالحوار. فالمقبول على الصعيد الكوني والإنساني يجب الاتفاق عليه دون عناء، باعتبار أن القيمة الكونية ذات قوة دلالية أشد متانة من القيمة المحلية الضيقة.

كذلك الشأن بالنسبة إلى القاعدة الثانية إذ لا يمكن للحوار أن يدور إلا بين من كانت لهم وضعية مستقلة، ويمارسون حياتهم بحرية، وحريتهم تعني خضوعهم الواضح للقوانين التي قبلها الجميع على أساس الاستعمال العمومي للعقل بواسطة الحوار. وذلك ما يميز النظام الديمقراطي عن غيره باعتبار أن كل قراراته التي تهم الجميع لا تأخذ إلا بعد التحاور والنقاش واستعمال العقل بصفة علنية وعمومية احتراما للقوانين الوضعية وخضوعا لها من قبل مواطنين أحرار تربط بينهم علاقات المساواة والتحاور. بذلك يمكن لهذا المجتمع الحديث حسب هذين الفيلسوفين تفادي علاقة الغلبة والقوة والعنف للحصول على الخيرات الأساسية. فأولية الحريات هي التي تجعل الحوار متجها نحو العدالة والمساواة والبحث الحقيقي بواسطة الحوار المتواصل على الخير والسعادة للجميع.

فلا ريب إذن أن تكون أخلاقيات الحوار هي أخلاقيات متعقّلة وتواصلية تقوم على العقل والحرية والإجماع. إلا أن واقع الأمر يفرض علينا الانتباه إلى إشكالية المصلحة في مسار التحاور نفسه. فقد سمعنا مرارا من أفواه جميع الأطراف أنه على الجميع تغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الخاصة للأحزاب المتفاوضة. ولكن كيف ذلك وهل هذا ممكن في ظرف التصارع على الحكم؟

يرى الفيلسوف الأميركي راولس أننا لا نستطيع الاستغناء عن المصلحة الخاصة. فكل شخص وكل مجموعة من الأشخاص تبحث عن إمكانية تحقيق رفاهتها وسعادتها وذلك عن تجميع الخيرات لمصلحتها. وذلك في حد ذاته معقول ومقبول منطقيا ومن البلاهة أن ندعو إلى التخلي عن هذه المصلحة في سبيل المجموعة. وحتى من قاموا بذلك وعددهم ضئيل جدا فلأنهم كانوا تحت ضغط إيديولوجي أو ديني أو سياسي. فلابد إذن من الاعتراف بضرورة المصلحة الخاصة التي إذا ما تطورت ستطوّر حتما بيئتها، وبالتالي المصلحة العامة ككل. معنى ذلك أن معقولية المصلحة الخاصة منطقية وواضحة ويجب أن لا نشكك في دورها الفعال في تطوير المجتمع.

من هنا نستخلص أن هناك معقولية المصالح في المسار التوافقي وأن العقل لا ينفي ذلك بل يحث على فهم هذا المعطى جيدا. إلا أننا إذا وافقنا على معقولية المصلحة الخاصة فلابد أن نوافق على تعقلية المصلحة العامة حيث أن المصلحة الخاصة ستزداد متانة إذا اهتدينا إلى تقوية المصلحة العامة. زد على ذلك أن أخلاقيات التعامل مع الآخر والتواصل المشترك معه تجبرك على العمل على أن يتمتع الآخر بشيء من الرفاهة والخيرات. والتعقل يعني الالتجاء للأخلاق قصد تهذيب العقل وجعله يتقبل قواعد الممارسات الأخلاقية والاجتماعية فتتأقلم هذه الأخيرة معه. فليس المطلوب إذن في المسار التوافقي التخلي عن المصلحة الخاصة بل المطلوب هو التعقل في ذلك من خلال الوعي بضرورة اقترانها بالعمومي وبذلك سيكون التحاور متزنا مرتبطا في الآن نفسه بالخاص والعام.


مفكر تونسي

9