تأملات في مسار الثورات العربية.. الديمقراطية النضالية

الثلاثاء 2014/01/14

منذ السادس من يناير 2014 تعيش تونس التي شرعت في تنظيم الاحتفال الثالث بثورتها انتفاضة شعبية هائلة عمت تقريبا كل المناطق الداخلية للبلاد احتجاجا على ما جاء في ميزانية الدولة لهذه السنة من زيادات غير مقبولة في الضرائب والمعاليم، حتى أن البعض قد اعتبرها الثورة الثانية التي ستأخذ بعدا اجتماعيا وستطيح بالحكم البورجوازي الذي يعتمد في حله للأزمة المالية الخانقة على إضعاف القدرة الشرائية للطبقات الكادحة والمتوسطة.

ما يجب أن نؤكد عليه هو أن هذه الميزانية نوقشت بصفة ديمقراطية في المجلس التأسيسي وتم التصويت عليها بأغلبية الأصوات رغم المعارضة الشديدة من قبل قوى اليسار التي تنبأت بتلك الانتفاضة وما صاحبها من فوضى. وكان الحزب الحاكم قد دافع بشراسة عن هذه الميزانية ولكنه بواسطة رئيس الحكومة المنتمي إليه تراجع يوم 9 يناير عن هذا القرار غير الشعبي والذي ورد في قانون المالية المذكور، وتعلق بالزيادة في المعاليم الإضافية الموظفة على عربات النقل الفلاحي، وفي إجبار الفلاحين على الحصول على معرّف جبائي لممارسة نشاطهم وذلك قصد التهدئة وعودة النظام في الجهات الفلاحية والداخلية.

ماذا نستخلص من هذه الأحداث المصيرية؟ ليس ثمة شك أن قبول الميزانية كان ديمقراطيا، بل يكرس نوعا من الديمقراطية كنا نحتاجه وهو النمط الإجرائي الذي يعطي للجميع حرية التعبير والنقد وينتهي بقرار يتحصل على أغلبية الأصوات. ولكن ما حدث يبين بما لا يدعو للشك أن هذا النوع من الديمقراطية غير كاف، ولا يمكن أن يؤدي إلى عدل اجتماعي وهو المراد من كل نظام ديمقراطي ثوري.

لذلك كانت هذه اللخبطة في إقرار ميزانية والتراجع عن بعض بنودها بعد أسبوع نتيجة ضغوطات شعبية واسعة وسياسية دفعت بمئات الآلاف من التونسيين إلى الاحتجاج والخروج مرة أخرى إلى الشوارع، وما صاحب ذلك من فوضى وحرق ودماء وخسائر متنوعة كان يمكن تجنبها لو استمعت الحكومة إلى الانتقادات الصادرة عن المنظمات الوطنية ومختلف مكونات المجتمع المدني. هل معنى ذلك أن هناك ديمقراطية الأغلبية التي كثيرا ما تنزلق نحو الغطرسة والاستبداد من ناحية، وديمقراطية الشارع التي تخلق الفوضى ولعلها قد تفتح المجال للتعفن والانزلاق نحو العنف العشوائي والإرهاب؟

حتى نحاول الإجابة عن هذا الإشكال المعقد لابد من الرجوع إلى مفهوم الديمقراطية في حد ذاته لمعالجته وضبط أركانه وآلياته. عندما أكدنا على نسبية الديمقراطية في مقال سابق فإننا كنا بصدد البحث في نمط تكونها وفي تمظهراتها المختلفة داخل الحضارات المتنوعة. ولكننا إذا ما أردنا التفكير في نمط فهمها وفي آفاقها المنشودة فلابد من التأكيد على كونيتها الواضحة باعتبارها تتطلب نفس الأسس ونفس الآليات مهما اختلفت الحضارات والثقافات. فالديمقراطية هي أساسا نمط تدبير لشؤون الدولة والمجتمع يقوم على العقل والحرية ومشاركة الجميع في الشأن العام والتداول على السلطة دون إقصاء ودون تعسف.

فللديمقراطية أسس ترتكز عليها، وثقافة تنشر معاليمها بين الناس، وآليات تستعملها لتدبير الشأن العام. وبإيجاز كبير تتأسس الديمقراطية من ناحية على العقل والتعقل ضمن التحولات العلمية والتكنولوجية التي تجعلها مواكبة للطموحات المصيرية للعصر، ومن ناحية أخرى على الحرية والحريات التي تقوم في مجملها على لائحة حقوق الإنسان الكونية. فالتفاعل بين العقل والحرية يضبط لنا نسقية القانون المؤدية إلى المؤسسات والضامنة للمواطنة. وللديمقراطية ثقافة تقوم على احترام الآخر مهما كانت آراؤه ونمط عيشه واختياراته الوجودية وربط العلاقة معه بالحوار والمداولة والتسامح وعدم استعمال العنف والإقصاء وتغليب القانون في كل المجالات.

أما الآليات فهي تقوم أولا على المشاركة الفعلية في القرارات بواسطة التمثيل الديمقراطي والتصويت والانتخابات والتداول السلمي على الحكم، وهي ثانيا حرية الرأي والعمل والإبداع والاستقلالية للفرد وللسلط المنظمة للبلاد كالتشريعية والقضائية والتنفيذية والإعلامية. وهي ثالثا الحراك الاجتماعي المتمثل في تكوين الأحزاب والمنظمات وفي الاجتماعات والمظاهرات والإعتصامات والإضرابات وكل الوسائل القانونية المشروعة للاحتجاج وتبليغ صوت المواطنين. وهي رابعا وأخيرا العدالة الاجتماعية التي لا تفرق بين حقوق المواطنين فتضمن المساواة الكاملة للرجال والنساء في الحقوق والواجبات.

تلك هي الديمقراطية في كنهها ولا يمكن أخذ البعض من أجزائها وترك البقية جانبا. فقد اعتبر نظام بن علي في تونس نفسه نظاما ديمقراطيا باعتبار أنه ضمن تعدد الأحزاب صوريا أحيانا، وحقيقيا أحيانا أخرى، ولكنه ضيق الخناق على حرية التعبير وزوّر الانتخابات وأقصى المعارضين وسجنهم وعذبهم. لذلك كانت ديمقراطية اسمية صورية جزئية يستعملها النظام الدكتاتوري في كثير من بلدان العالم لتلميع صورته. ولكن هناك ديمقراطيات إجرائية فقط. هي ديمقراطيات حقيقية تضمن حرية التعبير والتنظيم والتصويت ولكنها تغرق النسق السلطوي في القانونية والإجرائيات المعقدة، وقد يضمحل بذلك التعارض الحقيقي والنقد الجذري لينحصر العمل السياسي في قطبين رئيسيين متماثلين في الأغراض والمقاصد مع اختلافات غير نوعية. ولعل الديمقراطيات الغربية بدأت تأخذ هذا الاتجاه منذ الستينات في القرن الماضي لتقصف بالتعارض الحقيقي مثل ما فعلت بانتفاضة 1968 بباريس.

وما تحاول الآن هذه البلدان الغربية القيام به هو أن تفرض هذا النوع المجزأ للديمقراطية على أنظمة بلدان ما يسمى بالربيع العربي، وذلك حتى يمكن السيطرة على غضب الشعوب العربية وطموحاتها. فالجماهير الشعبية التي نزلت مرة أخرى إلى الشوارع في تونس بينت أن الديمقراطية لا تتجزأ وأنها ثورية في أسسها وثقافتها وآلياتها. فبنضالها أسقطت قرارات الديمقراطية الإجرائية المجزأة وأعطتها صبغة جديدة نستطيع تسميتها بالديمقراطية النضالية.

فمن تعمق في المسار الثوري في تونس سيلاحظ حتما أن كل المكاسب التي تحصل عليها الشعب هي حصيلة هذه الديمقراطية النضالية التي كانت تتصدى دائما لجنوح الأغلبية البرلمانية للغطرسة وللاستبداد مثل ما حدث في الصائفة الفارطة عندما اعتصم نواب المعارضة مع مئات الآلاف من المواطنين أمام المجلس التأسيسي لمدة تفوق الشهر لترضخ الأغلبية في الأخير، وتفتح باب التحاور لكتابة دستور يمثل كل شرائح الشعب التونسي دون إقصاء. وإني أزعم أن الدستور التونسي الجديد الذي سيفاجئ بمتانته وتفتحه وحداثته هو نتيجة هذه الديمقراطية النضالية بامتياز.


كاتب ومفكر تونسي

9