تأملات في مسار الثورات العربية.. السلطة والقلم والسيف

الثلاثاء 2014/01/07

“أين أنتم؟” وضع هذا السؤال السيد عجمي الوريمي أستاذ الفلسفة وقيادي بحركة “النهضة” الحزب الحاكم الآن في تونس على صفحته الفيسبوكية متوجها به إلى المفكرين والمثقفين التونسيين طالبا منهم التدخل علنا في النقاش العمومي. لأنه قد لاحظ أن صوتهم مازال خافتا ولم يتحرر بعد بما فيه الكفاية رغم تحرر الكلمة ورغم حدة النقاشات والتجاذبات السياسية والأيديولوجية.

سأحاول هنا أن أقدم شيئا من إجابة ممكنة لهذا التساؤل أوجهها نحو دراسة العلاقة الشائكة بين السلطة والقلم والسيف.ولابد أن نلاحظ قبل كل شيء أن فكرة غياب المثقف في بداية المسار الثوري التونسي والمصري خاطئة، إذ ليس من السهل أن ندعي أن المثقف كان غائبا عن الأحداث التي صنعت الثورة وعن المجرى الذي قد اتخذته فيما بعد.

المثقف كان موجودا بفكره وقلمه وجسده منذ البداية، فلا ننسى أن القواعد النضالية كانت تقودها الطبقة المثقفة في الجهات الداخلية لتونس مثل جهة سيدي بوزيد أو في الحوض المنجمي بولاية قفصة الذي نحتفل الآن بمرور ستة سنوات على اندلاع انتفاضته. ولعل خاصية بارزة من خاصيات هذه الثورة دور الطبقة الوسطى الفعال في الانتفاضة أولا ثم في تحويل هذه الانتفاضة إلى ثورة ثانيا.نعم، لم يكن هناك مفكر سياسي يقود الحشد، ولم يكن هناك زعيم ثقافي يحرك الجماهير، ومن الغباوة البحث عن سارتر الثورة التونسية. لأن هذه الثورة لم تقع في مناخ يشبه المناخ الذي فكر فيه سارتر، ولا مناخ منتج للزعامة.

هي ثورة الفيسبوك، ثورة الشبكة العلائقية الخيالية والواقعية في آن، تتطلب أن يكون المثقف حاضرا بأفكاره وبعلمه وبتكنولوجيته، والفنانون بإبداعاتهم، والسياسيون بتحاليلهم وممارساتهم، وقد تركوا جانبا وبصفة نهائية الفكر الواحد والإبداع الواحد والحزب الواحد والعقلانية الواحدة، وفهموا نهائيا أن هذه الشبكة تقتات من التنوع وتترعرع في الحرية وتنشر الكرامة. فلا غرابة إذن أن تدعو إلى تقويض النظام الدكتاتوري كما تدعو إلى التفكير بوجه آخر وتحرير الإبداع والابتكار في كل الميادين: هي ثورة التنوع، ثورة التعدد والتحرر لذلك لعب الشعب دوره دون أن يترك الإمكانية لأحد أن يتزعم، ولعب المثقف المفكر دوره أيضا دون أن يبرز، وأبدع الفنان دون أن يتوحّد، وعمل السياسي دون أن يتغطرس. هذا ما نعنيه عندما نتحدث عن ثورة دون زعامة. فهي ثورة ذات قيادة ولكن قيادتها تكمن في الشبكة العلائقية التي أنتجها المثقف المعاصر للتكنولوجيا المتطورة.

ومع ذلك لابد أن ننتبه إلى أن المعنى الذي كان عليه مفهوم المثقف قد تغير وتوسع إذ لم يعد يعني فقط المفكر المنظر الذي يعمل بذهنه وعقله. فقد أصبح اليوم أيضا مفكرا “لمسيا” إن صح التعبير يفكر بيديه مستعملا أحدث التقنيات الرقمية اللمسية ومبدعا فيها وفي مستتبعاتها العلمية والعملية. بل أصبح مقياس التطور الإقتصادي والاجتماعي والعلمي والحضاري عامة يقاس بمدى تطور هذه الثقافة اللمسية الجديدة كما ذهب إلى ذلك عالم الاقتصاد ريشارد هوسمان الأستاذ بجامعة هارفرد البريطانية في مقال له أخيرا في مجلة نيو إيكونومي. وقد أقر هذا العالم أن تونس في العشرية الأولى من هذا القرن، أي قبل الثورة، قد كانت من بين البلدان التي اقتربت من اليابان في هذا الميدان. فليس بغريب أن يلعب هذا المثقف الجديد دورا رئيسيا في الثورة وفي المطالبة بالحرية الفكرية، لأنه بدونهما لا يمكنه أن يبدع ويتقدم. حتى أن البعض قد ذهب إلى اعتبار أن الثورة في بلدان الربيع العربي من عمل الاستخبارات الأميركية والغربية التي أطرت هذه الطبقة الجديدة من المثقفين ووجهتهم نحو الفكر الديمقراطي على المنوال الأميركي.

لا ننكر أن لهذه الاستخبارات دورها في أحداث الثورة التونسية، ولكنها لم تكن العنصر الأساسي فيها لأنها كانت ثورة شعبية حاشدة شاركت فيها كل الطبقات الشعبية ما عدا البورجوازية “الكمبرادورية” التي كانت مرتبطة بمصالح العائلة الحاكمة. فمن المستحيل على المخابرات أن تقوم بهذه التعبئة لهذه الانتفاضة الشعبية التي لا مثيل لقوتها في تاريخ تونس.

لا محالة لهذه المخابرات دور رئيسي في إشعال الحروب الأهلية وتوزيع السلاح وتقوية الإرهاب وتدمير الدول، كما كان الحال في ليبيا أو سوريا أو اليمن وبالأمس في العراق وغدا في بلدان عربية أخرى حسب مخطط إمبريالي لإعادة تقسيم الشرق العربي والقضاء التام على النهضة العربية الحضارية والعلمية والتكنولوجية. والنضال الحقيقي في تونس التي قامت بأول ثورة في عالم العولمة الذي كان من بين أهدافه منع الثورات نهائيا وتمرير نظام عالمي جديد يقوم على التبعية الكاملة لرأس المال بصفة عامة، هو نضال يومي ضد هذه المخابرات التي توغلت وتحاول الهيمنة على السلطة.

فهل معنى ذلك أن قدر المثقف هو النضال ضد السلطة؟ طبعا لا يكون ذلك إلا في ظروف خاصة، لأن العلاقة التي تربط المثقف بالسلطة شائكة ومتقلبة ونحن نعرف أن للسلطة وجهان؛ وجه عنيف ووجه لطيف وهي تستعمل الوجهين بانتظام ولكنها تغلب وجها على الآخر حسب المعطيات والظروف.

فابن خلدون يعتبر الدولة جهاز قلم وسيف تحتاج إليهما في نمط تكونها وفي نمط عملها. إلا أنه يرى أن تأسيس كل دولة يحتاج إلى السيف والحرب والعنف أكثر من احتياجه إلى القلم والفكر والأدب، كذلك الشأن في آخر الدولة “حيث تضعف عصبيتها” فيصبح الوجه العنيف هو وجهها. أما في نمط عملها اليومي فتحتاج الدولة أكثر إلى القلم لاسيما إذا تم الاستقرار (أي في وسط الدولة) وقويت أوتادها وبنت مؤسساتها وآلياتها. هنا أيضا يقارن ابن خلدون بين الاستراتيجي صاحب السيف والمثقف الأديب صاحب القلم. يكون السلطان الأمير محور السلطة ويكون الاستراتيجي المثقف عمادها، بمعنى أن السلطة حسب ابن خلدون تارة تكون في حاجة أكثر إلى صاحب السيف، وتارة أخرى في حاجة أكثر إلى خدمة القلم. والسلطان حسب الاحتياج يعطي الجاه والنعمة والثروة إلى هذا أو ذاك، وقلما أعطاها لهما في الآن نفسه، بل قلما اعتمد عليهما في الآن نفسه بنفس الصيغة وأعطاهما نفس الجاه والثورة.

فالفترة التي تعيشها تونس اليوم مصيرية باعتبار أن دستورها الذي يناقش البرلمان اليوم فصوله، إما أن يعطي لتونس إمكانية التقدم الفعلي في كل المجالات، وإما أن يكرس الغطرسة الاجتماعية فنتدحرج من جديد نحو الجهل والبأس. فهي بتعبير ابن خلدون فترة قيام عصبية جديدة لتأخذ بزمام الحكم، لذلك سيلعب العنف الممتد من الإرهاب إلى التجاذبات والتعبير بالعضلات دورا فعالا يجعل من صوت المثقف الحقيقي صوتا خافتا جدا. أفلاطون أكد على هذا العنف الذي يصاحب دائما النظام الديمقراطي. فالساحات العمومية في هذا النظام يستحوذ عليها الخطيب السفسطائي ذو اللسان السليط، والذي يستعمل العنف الكلامي عوض استعمال البرهان المنطقي إذ يمكن له أن يقول الشيء وضده في الآن نفسه معتمدا المغالطة والمراوعة مستنجدا بالوجدان أحيانا وبالأمور الغيبية أحيانا أخرى، لأن غايته الإقناع عنفا لا عقلا. وحالة الساحات العمومية والسياسية بتونس ليست بعيدة عن هذا الوصف الذي قام به أفلاطون.

“أين أنتم؟”، أين يوجد المثقف في هذه الحالة المعقدة التي تعيشها تونس؟ إنه يلعب دوره في المجالات المتعددة من حيث هو مفكر منظر ومتعقل، ومن حيث هو مفكر “لمسي” يعتمد التكنولوجيا المتطورة، ومن حيث هو الناقد الصابر والصامد ضد كل هيمنة ممكنة. صوته خافت لأن السلطة في مفهومها العام تحاول إقصاءه لفتح المجال إلى العنف “الخلاق” في نظرها ولأنها مازالت تعتمد الوجه العنيف. نحن هنا والآن نناضل بإمكانياتنا من أجل أن يكون الوجه الحقيقي للسلطة هو الوجه اللطيف الذي يضمن للشعب الحرية والكرامة والعيش معا مهما كانت شدة اختلافاتنا.


كاتب ومفكر تونسي

8