تأملات في مسار الثورات العربية.. العنف والعيش المشترك

الثلاثاء 2013/12/03

ليس ثمة من شك أن مجتمعية الإنسان تقضي على عزلته وتحرره من قبضة النظام الغرائزي فإنها تضفي على وجوده المعنى وتعطيه التوجه الصحيح والغاية المثلى. والمجتمعية تعني الانصهار في العلاقات الاجتماعية عن طريق قبول قوانينها وآلياتها المختلفة التي تكون أس الدولة الحديثة.

وفي الديمقراطيات تكون تلك القوانين نتيجة الاستعمال العمومي للعقل بواسطة التحاور وحرية الفكر والعمل. فما يحدث الآن في ليبيا وحتى في سوريا ليس بالعنف الثوري الذي يتطلب إبدال نظام قائم بنظام شعبي مركز على قوانين تحمي العيش المشترك، بل هو تطاحن من أجل افتكاك السلطة وفرض نموذج قبلي أو طائفي تضمحل فيه متطلبات التعايش المجتمعي حسب قاعدة الكرامة.

والسؤال المطروح يتمثل في التعرف على هذا المعنى المعطى للوجود، والمتمثل في المجتمعية. هل هو قضاء على فردانية الإنسان تلك التي تفيد استقلالا وانفصالا عن الطبيعة وعن الغير وقضاء على التجمعات التي تسودها عصبية القرابة، أم إنها خطوة نحو «مدنية» دونها يكون الإنسان حسب تعبير أرسطو إما متعاليا (الإنسان الأرقى) أو في أسفل السافلين (حيوانا)؟

ولعل الصعوبة هنا قد تزداد شدة إذا ما علمنا أن كنه فردانية الإنسان تتمثل في كونها تتمحور وجودا داخل «علاقات اجتماعية» حيث لن يكون لها أس إلا في الوجود معا وفي ضرورة العيش سويا. يجب أن نؤكد في هذا الصدد أن العنف هو جزء من البناء المستمر للاجتماعية البشرية، فالعيش معا لا يعني قطعا العيش في سلام ثابت ودائم. لذلك من الواجب تقنين العنف باستحضار كل قوة العقل العملي حتى نتمكن من العيش معــــا عيشا مثاليا وسلميا.

نعتقد أن العلاقة مع الغير هي مفتاح فهمنا للذات وتفسيرنا للعنف. قد تكون هذه العلاقة ما بها يحدث العنف في شكليه المادي والثقافي الاجتماعي. فالغيرية الإقصائية التي ترفض كل كونية ممكنة هي التي تتيح الفرصة لإمكانية العنف. ولكن وفي الآن نفسه يمثل عدم احترام الغير عنفا في حد ذاته. لكل ذلك يمكننا التأكيد هنا أن العنف لا يخرج عن هذه العلاقة السلطوية بين الأنا والآخر. فلا يمكن فهم مجتمعية الإنسان مهما كانت درجتها دون طرح إشكالية العنف وفهمها.

لا ننسى أن السلطة هي جوهر القوة ويمكن أن تحتوي بداخلها على آليات العنف في شكل صراع أو علاقات توتر، وعلاوة على ذلك فإن واقع السلطة بما هي قوة يمكن أن تأكد أن كل من لا يخضع إلى القرارات أو الخاصيات والقوانين التي تسنّها أو تدافع عنها هو عنيف خارج عن القانون، كالمجرم مثلا وكالمقاوم أو الصامد ضد عنف السلطة الذي قد صنف من قبل مجموعة بشرية بكونه غير مشروع (كمقاومة الاستعمار أو كصمود شعب فلسطين…) وهذه السلطة غالبا ما تسمّى بالقوة المحتلة العنيفة والإرهابية لذلك يجب التدقيق في طبيعة العنف الذي هو في أيدي السلطة وتمييز ما سماه ماكس فيبار «بالعنف الشرعي» عن العنف، نحن لا نستطيع هنا أن نناقش مشروعية العنف. يكفينا أن نلفت النظر إلى تشعب العلاقات بين العنف والسلطة، وهي علاقات يمكن أن تمتد إلى مجال الثقافات المختلفة وأن تأخذ مظهرا مأساويا.

نحدد التعايش العنيف (العيش معا بواسطة العنف) بنوع من العلاقات بين الناس، يحصل بواسطة تمظهر العنف بكل أوجهه سواء كان رمزيّا أو إيديولوجيا أو ماديا، فهو عنف يسلط تارة بوضوح تام، وتارة أخرى بطرق ملتوية من قبل السلط السياسية للحصول على القبول والانضواء والخضوع.

من هنا نستطيع القول إنه على الصعيد الإيديولوجي البحت وفي هذه المجتمعية العنيفة كما تتجلى في الفكر السياسي الحديث يظهر تبرير الدكتاتورية في صبغتها التسلطية، حيث تكون الدولة حاضرة في كل المجالات بطريقة قمعية سالبة للحرية والكرامة، كما يظهر في الآن نفسه تبرير الهيمنة السياسية والعسكرية مثل ما يحدث في المستعمرات، ومن ثمة تبرير البربرية السياسية حيث يتم القضاء على كل شكل من أشكال الإنسانية.هكذا يمكننا التأكيد على أن كل تعايش يتجلى في أشكال متعددة ومنتظمة ويخضع إلى الهيكل المؤسس ونعني المجتمع في واقعه الحالي المعقد.

فالحرب والنزاعات المسلحة وكل أشكال العنف سواء كانت داخل المؤسسات أو خارجها تترابط في التعايش اليومي لتكون ما نطلق عليه تسمية «المعية الهووية». هذه الأخيرة قد تعقدت جراء تنوع العناصر التأسيسية للحياة مثل أنماط الوجود والتوازنات الجنسية وهيمنة مؤسسة العمل وكظهور اللغة الكونية الجديدة المتمثلة في الإعلامية، فتعرضت إلى صعوبة كبرى نعبر عنها بالسؤال التالي: كيف يمكن للإنسان الفرد أن يحتفظ باستقلاله وهو يندمج في العلاقات الاجتماعية ليستبطن أجزاء عالمه ويكوّن فضاء للتآنس وشروطا للضيافة؟ وبتعبير آخر كيف يمكننا التوفيق بين ميل المؤسسة إلى الهيمنة بواسطة العنف المقنع أو العنف الظاهر وبين ميل الإنسان الفرد إلى الاستقلالية والذي يمكن له أن يتمرّد حفاظا عن حريته؟

فمن بين انحرافات الثورات العربية الحالية تلك المحاولة العنيفة والمكثفة لتعويض المواطنة بالانتماء الديني أو القبلي أو الطائفي بحيث سيصبح المواطن عنصرا فاقد الإرادة تتحكم فيه غطرسة نظام المجموعة فقط، وبذلك يتم اختزال القرار السياسي الذي ينظم التعايش إلى تدبير يقوم على الإقصاء لا غير، وهو تدبير لن يكون إلا عنيفا لإرضاء فئة معينة تعتبر أن لها الحق وحدها في العيش، بحيث يصبح الآخر في نظرها قابلا للتصفية معنويا أو ماديا.

نعرف أن كل مجموعة بشرية تكون لنفسها هدفا وتؤسس شبكة من التصورات والتماثلات تكون مثل «سلطة تحتية» حسب تعبير الفيلسوف اليوناني كاستورياديس، تريد أن تتشبث في موقعها بقوة سلطتها فتصبح مطلقة شأنها شأن الأسطورة أو الدين الذي يستحوذ على المؤسسة. فالمعية لا تقبل الاختلاف ولا الابتعاد ولا التنوع كما لا تحتمل الآخر. فهي لا تنفي الفكر من حيث هو تعبير للوجود معا فقط، بل تعيد تنظيم العالم المحيط، بآليات معقدة للتعريف بالهويات، تنظيما يقسمه إلى جهتين- على منوال كارل شميدت- الأصدقاء والأعداء. فالانتماء الوجودي يخضع بالضرورة إلى إقصاء ما يسمى بالعنصر «الغير» والعنصر الغريب.

ونتيجة لذلك سيصبح المجتمع مجتمع العنف الدائم كما حصل ذلك في الصومال، وكما يحصل الآن وبدرجة أقل في العراق وليبيا وسوريا، ولعله الأفق الذي تعمل القوى الإمبريالية وأذيالها على تمتينه في المجتمعات العربية حتى تكون هذه المجتمعات بعيدة عن كل تحديث ممكن.


مفكر تونسي

8