تأملات في مسار الثورات العربية.. المثقف العربي والنضال اليومي

الثلاثاء 2013/12/31

كيف يجب أن يتعامل المثقف العربي حاليا مع مستتبعات الثورة العربية؟

لقد بينت الثورات العربية في كل مراحلها أن المفكر العربي مازال يعاني من صدمات التحولات الكبرى على الصعيدين المحلي العربي والعالمي، صدمات تقع أمام عينيه دون أن تكون له فيها مساهمة تذكر. بل مازال يأخذ منها أحيانا مواقف تحددها مرجعيات سلبية. إذ كان بالإمكان مثلا فتح ملف الإرهاب بكل جرأة ليقوم المفكر العربي بتشريحه وبضبط أسبابه واقتراح حلول جذرية للتقليص من نتائجه. فالإرهاب الذي قصف بأبرياء في مصر الأسبوع الماضي أو الذي عاشه لبنان وتعيشه سوريا والعراق يوميا، ليس نتيجة لاضطراب العمل السياسي فقط، ولا يمكن الاكتفاء بدراسته من حيث هو صراع من أجل افتكاك السلطة تتدخل فيه معطيات داخلية وخارجية متشعبة. بل هو أيضا مظهر لتخلف ذهني عميق ولتسرب رهيب للجهل الذي أناخ على العالم العربي والإسلامي بكلاكله.

ما لم يستطع المثقف العربي أن يقوم به في هذه الظروف يتمثل في غرس العقل العلمي التنويري المنفتح في كل مجالات حياتنا. لأن العقل هو المفتاح للدفاع عن الإنسان ونصرة الحق، والتعقل هو سبيل التحديث والإنهمام بالذات.

لقد بينت في كتابي “فلسفة الحياة اليومية” الذي صدر سنة 2009 كيف أن المجتمعات العربية قد تحولت إلى مجتمعات سياسية ذات بعد واحد وتوغلت في التعسف على الإنسان الفرد، بمعنى أن الطبقة الحاكمة هي التي كانت تقرر كيف سيكون العمل السياسي في مجتمعاتها، وهي التي تسطر معطيات الحياة العامة واتجاهاتها. وبذلك قد جعلت من القهر قاعدة سياسية لها فما كان من المقهور إلا إن يجابه عنف الدولة بعنف عشوائي غير منظم قد تم استغلاله ليتجه نحو الإرهاب الممنهج. فقد كان على المثقف العربي أن يعمل في مرحلة أولى على تكسير هذا البعد الواحد والدفاع عن التنوع فكرا واجتماعا وسياسة، وعلى تحويل المجتمع السياسي إلى مجتمع مدني حتى تأخذ الأفكار صبغة الصمود ضد الدكتاتورية بكل أنواعها. وفي مرحلة ثانية كان عليه تمرير الفكر الديمقراطي التقدمي الذي يقوم على الحرية والعقل.

ولنعترف أن ذلك كان صعب التحقيق لأن الساحات العمومية أغلقتها الدكتاتوريات العربية في وجه المثقف لتمنعه من التعبير عن رأيه.

إلا أن النضالات التي بدأت قبل وبعد استشهاد محمد البوعزيزي في تونس وفي العالم العربي قد اكتسحت الساحات العمومية بعد احتلالها للساحة الافتراضية صامدة أمام كل أنواع التعسف والقمع، ولعل الثورة التونسية هي التي أرجعت الساحة العمومية إلى أصلها المتمثل في حيز المناقشات العمومية والنضالات السياسية، وهذا مكسب كبير لا يجب على الشعوب العربية أن تفوت فيه، فاعتصامات القصبة بتونس ثم اعتصامات التحرير بالقاهرة بينت أن للشعب الكلمة الأخيرة متى كان مستعدا للحوار والمناقشة وتبادل الآراء وربط العلاقات مع المختلف. لا ننكر أن الخاصية الكبرى للثورة العربية هي التعبير عن السخط علنا في الفضاءات المشتركة في شكل شعار “الشعب يريد..” المستوحى من قصيدة الشابي “إذا الشعب يوما أراد الحياة”. ولكن هذا التعبير ينمّ في جوهره عن رغبة حقيقية في استعمال العقل عموميا بجانب هذا الوجدان الجامح للتحرر من غطرسة الحكم الدكتاتوري الغاشم. ولم يكن ذلك صدفة بل هو نتيجة لنضالات الشعوب العربية ونضالات مثقفيها ومفكريها.

نعم قد يصبح المثقف في فترة ما “جنديا” من جنود القلم يعمل على قهر أصحاب الرأي الآخر تملقا وحبا للسلطة. وهناك من المفكرين في تونس من لعبوا هذا الدور وقد أكد ابن خلدون على هذه الظاهرة التي تصاحب كل تحول جذري في الحكم عندما قام بتحليل جدلية صاحب السيف وصاحب القلم في بناء السلطة وتقويضها. وسنعود في مقال آخر لهذه الجدلية بالتحليل والتفسير، ولكن معظم المفكرين لم ينساقوا في هذا التيار بل ناضلوا بإبداعاتهم وأفكارهم من أجل الحرية والكرامة.

فمن التجني أن نقول بأن المثقفين العرب بقوا صامتين أمام الدكتاتورية. كانوا يعرفون لا محالة حدود الإمكان ولا يقتربون كثيرا من المستحيل وعلى كل حال ليست مهمتهم وحدهم خرق المستحيل لأن ذلك يتطلب أن يتحول المثقف إلى مناضل سياسي.. فالمفكر في تونس وفي كثير من البلدان العربية قد جعل هاجسه الأكبر هو الحرية ولكن عبر عنها بأشكال مختلفة، والثقافة التونسية حملت منذ الاستقلال إلى يومنا هذا ما نستطيع أن نسميه بالتمشي البديل الذي يقاوم الاستحواذ على الثقافة والفكر من قبل المؤسسات الرسمية والحزبية، ويكوّن ما سمي بالثقافة البديلة التي تقوم على عنصرين هما التقدمية في المنهج والتحررية في الفكر.

ففي مجتمعاتنا الحالية قبل الثورة وبعدها يجب على المثقف المفكر أن يعبر بشكل أو بآخر عن روح العصر وذلك بواسطة استبطان العلوم المعاصرة والتكنولوجيات المتطورة والإبداعات الفكرية والفنية المتميزة وعن حضور الأنا في الهنا والآن بواسطة تجذير التراث الثقافي في المعاصرة ليجعل من الإنسان العربي مثقفا ومتحضّرا ومتخلّقا. فالإنسان العربي حاليا لم يبلغ بعد درجة عليا من سلم مصيره ولم تكتمل فيه الإنسانيّة المثلى، لأنّه وإن بدا وكأنّه قد تحصّل على معطيات علميّة وأدبيّة وشيء من التكنولوجيا تجعل منه إنسانا بلغ درجة من الثقافة وإن كانت نخبوية، إلا أنّه لم يتمدّن إلا بجزء بما أنه بقي فاقدا لحقوقه المدنية، ولم يتخلق في الجملة باعتباره قد انقاد إلى أخلاق فرضتها متطلبات أيديولوجية لتأويل مهيمن للدين ولم تكن عن وعي واختيار. فإذا كانت التكنولوجيا المستوردة قد اكتسحت العالم العربي وأصبحنا نستهلك بحيث كثرت الحاجيات وتضخّمت كما تكاثرت المعاناة واللامساواة والأتعاب نتيجة ذلك، فإنّه لم ينتج تمدّنا ولم يخلق ما يمكن أن نسميه بالمواطن الحقيقي.

لذا نقول إن الفنون تطوّرت لا محالة وتنوّعت في ربوع عالمنا العربي ولم تتطوّر عقليّة المواطنة ونعني بذلك الحرّية الحقيقيّة والمساواة الاجتماعيّة الخاضعة كلها لقوانين معقولة ومقبولة. كذلك لنا عادات وتقاليد، وليست لنا أخلاقيّات تعتمد في الآن نفسه حرّية الفرد وحرّية الآخر. لقد اعتبر فيلسوف الأنوار الألماني كانط أنّ أفضل طريقة لتحسّن وضعيّة الإنسان الثقافيّة والمدنيّة والأخلاقيّة تتمثّل بالنسبة إلى الثقافة في تطوير التربية، وبالنسبة إلى المدنيّة في تطوير القوانين، وبالنسبة إلى الأخلاق في تطوير الدين.

فالتربية والقانون والدين هي وسائل ناجعة لتنمية إنسانيّة الإنسان بشرط أن تكون هي أيضا مبنيّة على مبدأ الحرّية. تربيّة حرة، وقوانين تضمن الحرّية، ودين متحرّر يقبل حرّية الفرد في اختيار عقيدته ويعتمدها: لعل ذلك في الأخير ما يحتاجه الإنسان العربي ليبلغ أقصى درجة من درجات التآنس والتحضر وهي المهمة المؤكدة حاليا للمثقف العربي الثوري الحر أي المناضل الحقيقي من أجل رفاهية شعبه.

كاتب ومفكر تونسي

9