تأملات في مسار الثورات العربية.. المعقولية العربية

السبت 2013/12/28

بعد تعليق الحوار الوطني في تونس يوم 4 نوفمبر 2013 لا بد من طرح السؤال التالي : هل كتب على المعقولية العربية أن لا تتحاور ولا تتفق؟ هل معقوليتنا هي معقولية الإبداع والتعقل ومن ثمة معقولية التفاهم والتواصل أم هي تبقى معقولية الغلبة ومن ثمة معقولية القاهر والمقهور؟ هل أن المعقولية العربية الحالية قابلة حقا لكل معطيات المداولة؟

قلت معقولية عربية ولم أقل عقلا عربيا لأنني أعتبر أن العقل في كونيته واحد لا يخضع لاعتبارات جغرافية وسياسية ولا تتسم به حضارة دون غيرها لأنه آلة منطقية يتفاهم بها الناس أينما كانوا ودون اعتبار اختلافاتهم الثقافية. إلا أن العقل يتمظهر في ثقافة معينة التي تتقبله بنمط خاص وتستعمله بطريقة مختلفة. نسمي هذا التقبل من قبل ثقافة معينة أو ميدان خاص بالمعقولية كأن نتحدث عن معقولية عربية أو معقولية اقتصادية أو معقولية لسانية. هذا التوضيح يجنبنا كثيرا من الخلط.

حتى نستطيع تقديم إجابة جزئية عن هذا السؤال لابد من تفكيك هذه المعقولية العربية الحالية ونقدها نقدا جذريا دون مجاملة.

حصاد 2013
كانت البدائل المتوفرة أمام المحرر في اختيار المقالات المتميزة على مدار العام الماضي أوسع من حصرها في مساحة صفحتين. أدى ذلك إلى صعوبة نابعة من كون كل نصوص كتابنا تتوفر على الجودة “لغة ومضمونا”، ولا غرور في القول هنا بأن “العرب” سقف انتظاراتها عال.

الصعوبة تنبع ثانيا من الحيز المحدود المتاح لإعادة نشر ما رأينا أنه الأفضل، بحيث لم يكن ممكنا نشر عدد كبير من المقالات.

ضروري هنا أن نشيد بمساهمات كل كتابنا الأوفياء؛ ولازم أيضا الاعتراف أننا قدمنا من خلال كتابتهم رؤية جادة ورصينة للراهن العربي، وواكبنا معهم كل الاعتمال المتغير في كل ساحة. وستكون هذه المساحة فرصة للاعتراف للجميع بفضل نصوصهم وتذكير قراءنا بأقوى لحظاتنا الفكرية، مع تأكيد أن النصوص التي لم نتمكن من نشرها، وإن غابت اليوم فذلك لا يُنقص شيئا من متانتها.

وننشر اليوم مقتطفات ومفاصل من بعض النصوص التي قدرنا أنها تميزت في سبر أغوار بعض القضايا، وسننشر أيضا أفضل لوحات الكاريكاتور للفنان السوري، ياسر أحمد، التي التقطت اللحظات الأقوى في هذا العام.

فالمتصفح في معطيات المعقولية العربية كما تتوظف في المجالات الحياتية العامة، يلاحظ شرخا عميقا يسكنها. فمن ناحية تتقبل هذه المعقولية كل ما يرد عليها من تكنولوجيات متطوّرة ولكنها من ناحية أخرى كثيرا ما ترفض كل ما يجعل هذه التكنولوجيات ممكنة وراسخة في المجتمعات العربية ونعني بذلك مظاهر الحداثة ومستتبعاتها. وقد يزداد هذا الشرخ عمقا عندما نعرف أنّ مرجعية هذه المعقولية تبقى في مجملها حبيسة الفكر الماضوي بينما تحاول في نفس الوقت استيعاب نتائج العلوم والتكنولوجيا فتكون بذلك مستهلكة غير مبدعة في هذا الشأن، بل غير قادرة على الحضور في العالم. وبذلك تنزلق في تناقضات عميقة تجرها إلى العصبية فتبعدها عن التعقل وتقترب بها إلى العنف.فكيف تتمظهر هذه المعقولية العربية بشرخها العميق؟

الأمر الأول الذي يلفت انتباهنا هو أنّ هذه المعقولية مازالت سجينة التجميع والتفتيش والتأريخ والنقل والتنقيل والشرح والتفسير، كما بيّن ذلك الدكتور شاكر النابلسي. لم تصل بعد إلى طور التأليف والابتكار والإبداع والإنتاج الحقيقي للأفكار والمفاهيم والتصورات. فقد بقيت معقوليتنا للأسف نقلية في الأساس إذ لم تستطع إلى يومنا هذا أن تقفز قفزة نوعية نحو مرحلة النقد العلمي والجذري الحقيقي لأنّ هذه العقلية مازالت ترزح تحت وطأة المحرّمات والممنوعات بأنواعها المختلفة دينا وسياسة واجتماعا وثقافة. فكيف يمكن للتحاور أن يكون مجديا إذا كانت الحجة حبيسة الفكر الماضوي وإذا كان الخطاب محددا بالمحرمات والممنوعات؟

أمّا الأمر الثاني فهو أنّ هذه المعقولية العربية الآن ما تزال في مرحلة الوجداني والانفعالي والغريزي. وقد شدّد الفلاسفة منذ أفلاطون على حيوانيّة هذه المرحلة واعتبروا أنّ الإنسان يكتسب إنسانيّته متى استنجد بالعقل للحدّ من تهور الوجدان ومتى أصبح يتعامل مع حياته اليومية بالعقل والتعقل ولا بالعواطف والغضبيّة. وقد بيّنت في دراسات سابقة كيف أنّنا مازلنا نتعامل مع قضايانا بواسطة الغضب والانفعال وأحيانا بالعنف العشوائي دون ترَو ودون نقد واستشراف.

ولابدّ أن نلاحظ هنا أنّنا عندما نتحدث عن الوجدان فلسنا نريد التقليل من أهميته ولا الاستغناء عنه في معاملاتنا. فالوجدانية ضرورية في حياتنا اليومية. ونعني بها قبل كل شيء الدخول في علاقة مباشرة ودون واسطة مع الأشياء ومع الحياة مادة وروحا. لقد توصّل الإنسان بعقله وإحساسه إلى معرفة ذاته والاعتراف بالغير من حيث هو آخر له الحق بأن يعيش ويفكر ويختار ويبدع حسب إرادته وانطلاقا من ثقافته وعقائده وطموحاته ولا من حيث هو نتيجة لإرادتي وتطبيقا لاختياراتي. فالوجدانية قد تحرّر العواطف وتكسّر القيود للتـقارب والتحابب والتآنس والاحترام والتسامح ولكنها قد تبعث أيضا شحنات عدوانية وتسبّب الكراهية والتقتيل وتصل إلى اللامعقول واللامقبول، عندما تصبح الوجدانيّة وحدها محرّك تدبير شؤون النّاس.


كاتب ومفكر تونسي

8