تأملات في مسار الثورات العربية: الهوية مقاربة بديلة

الثلاثاء 2014/02/25

في مقالنا السابق حول دستور الهوية بينا أنّ خطاب الهويّة بطبعه حصري وإقصائيّ، لأنّه يعيّن الآخر بصفته خصما، وينظر إليه عدوّا أو عدوّا مرتق.با كما بينا أن هناك إمكانية لأن تكون الهوية خلاقة ومبدعة لعلاقات انفتاح وتسامح. لكي نتعمق في هذه الإشكاليّات، من الضّروري إعادة تعريف مصطلح الهويّة في علاقته بالغيريّة، وتوضيح الاختلاف بين الطرح العلمي والطرح الأيديولوجي لهذا المصطلح، وفي النهاية علينا رصد انتماءات هويتنا التّعددية. كما ينبغي الانتباه إلى المعطى الجديد الهام للتكنولوجيات الحديثة التي غيرت نوعية التواصل مع الآخر.

يرى الحقوقي التونسي عياض بن عاشور أنّ تعريف الذّات يمثّل شرطا حياتيّا لوجود الإنسان، أمّا المؤرخ الفرنسي “فرناند برودال” فيعتقد أنّ “قومية ما، لا يمكن أن تتحقق إلا مقابل دفع ثمن البحث عن ذاتها، وهي ذات لا يوقف منها على حدّ: متحوّلة أبدا في الاتّجاه الذّي يتّخذه تطوّرها المنطقي، ومتعارضة مع الآخر دون ضعف، ومتماثلة مع الأفضل المناسب لها..”.

لا ننكر أنّ إثبات الذّات هو شرط ضروريّ في حياتنا المعولمة التي أصبحت تخضع لا لثقافتنا وماضينا فقط بل وأيضا لثقافة التكنولوجيا المتطورة التي لا حدود لها، إذ دون إثبات هذه الذّات تتقوّض الأمم العملاقة والأمم الصّغيرة والأمم المهمشة على حدّ سواء، ولهذا فإنّ هذا الإثبات لا يجب أن يكون تمترسا ضد إحداثيات العولمة وتطورات التكنولوجيا كما يحلو للبعض، إنّما هو عكس ذلك، بحث من أجل أن نتموقع فعليا ومن غير أن ندمّر ذواتنا في هذا المشهد الجغراسياسي والتكنولوجي الجديد للعالم الذي يظل مقسّما ومتنافسا، وفي الغالب لا يكون إلا متصارعا. وفي واقع الأمر لم تعد كلمة الهويّة سوى نوع من الخليط أو مفتاح علب يسمح للمفكّرين بتفادي إشكاليّات لا يملكون مفاتيحها، وتسمح لرجل السياسة باختزال الواقع المتشعّب في قوالب منسّقة ومنظّمة، وتبيح بذلك لصاحب القرار أن يتّصرّف بفعاليّة في أركان السّلطة ومقوماتها. الهويّة مصطلح تمّت مصادرته وتحويل وجهة إفادته، فهو بصدد الضّياع في دروب ألعاب السّلطة ومتاهاتها بمساعدة وسائل الإعلام.

يعرّف الفيلسوف الأنكليزي “لوك”هويّةَ الشّخص: “يستطيع شخص أن يعتبر ذاته عينها ذاتا، والشّيء المفكّر هو نفسه في أزمنة وأمكنة مختلفة، وهو أمر لا يتحقّق إلا بفضل الوعي الذي لا ينفصل عن الفكر، وهو عندي حاجّي (ضروريّ) للوعي… وبقدر ما يمتدّ هذا الوعي بعيدا إلى الخلف في اتّجاه فعل أو فكر ماض، تتبعه هويّة الشّخص أيضا إلى هذا البعد… الذّات هي هذا الشّيء المفكّر والواعي أيّا كان الجوهر الذي قُدّت منه روحيّا أو مادّيا، بسيطا أو مركّبا”. أمّا “هيغل” فقد أعطى بعدا جديدا لحضور الذّات، الذي يتمثل في العلاقات المتوترة مع الوجود بما هو كينونة، وهو بعد يضيء مفهوم الهويّة بفكرة الاعتراف الكوني لتصبح الهوية امتدادا للانتماء إلى الماضي (لوك) واعترافا بكونية الإنسان (هيغل).

هكذا لا يمكن للهويّة أن تكون ماضويّة، أو بالأحرى ليست حصريّا ذكرى من ذكريات الماضي، ولا يمكن أن تتجذّر فقط في تاريخ مضى وولى. فالآثار والخراب والبقايا ليس لها من معنى إلا بالنّظر إلى الحاضر ومعطياته ورهاناته، لأجل ذلك ينبغي الاحتكام إلى عبارة هيدغير التي اشتغل عليها الفيلسوف الفرنسي”ريكور” بمهارة في كتابه “الزّمن المحكي” ألا وهي عبارة نترجمها بمصطلح التّاريخويّة التي تعني أن الحدث الماضي لا معنى له إلا إذا ما ارتبط بالواقع الحالي وبالمشروع المستقبلي. فالهويّة على هذا المستوى مكوّنة من ثلاث أفكار مركزيّة وهي امتداد الوجود بين الحياة والموت، والثّبات للذّات، والتّحوّل.

ولئن كانت عبارة الثّبات للذّات رغم كونها غير ثبوتيّة تَفيد ارتباط الكائن بماضيه وحاضره، فإنّ عبارة التحوّل تربطه بالمستقبل. ولعل الهويّة بهذا المعنى، ليست فقط ما يسمح بحيويّة الإحالات إلى الماضي بطريقة ما، إذ أنّها يمكن أن تتكوّن أيضا بواسطة المشروع وبواسطة المستقبل أيضا بما هو تحوّل. أو بتعبير آخر يكون الحدث الماضي مؤثرا لا محالة في تكوين الهوية ولكن هذه الأخيرة يمكن أن تتجدد أو أن تستأنف معالمها من خلال مشاريع المستقبل كتطورات التكنولوجيا حيث أصبح العلماء يتحدثون عن هوية سيبرنية رقمية للإنسان الذي أصبح يتواصل أكثر عن طريق تقنيات الإنترنت فيبني بذلك نوعا جديدا من الهوية.

فالرّصد الدّقيق لتقنيّات التواصل تبيّن دون لبس مقوّم الهويّة الجديدة. فيتمّ بناؤها بواسطة المخيال التكنولوجي: وأعني به اكتشاف الذّات وإعادة بنائها من حيث هي ذات خارجة عن الانتماءات التقليديّة الكلاسيكيّة كالعائلة والمجتمع والوطن والدولة. فتكون الذّات نتيجة فعل التعبير والتّشكّل الذي تقوم به الذّات لذاتها بواسطة التقنيّات التواصليّة المتاحة عبر الكمبيوتر والإنترنت. فهي نتيجة ترميم شظايا متعدّدة من الهويّة قد يتمّ جمعها من المواقع المختلفة والمتعدّدة ومن تقنيّات “البلوغ” والـ”التاغ” و”الماشوب” وهذا الأخير هو تقنيّة في الإنترنت تمزج معطيات متعدّدة من مواقع عديدة، زيادة عن تقنيات الفيديو والأغاني والصور وكلّ المعطيات سواء كانت نصّية أو مرئيّة أو سمعيّة. وكل ذلك يأخذ صبغة المبادلة والإبداع وتكوين الشبكات والجمعيّات والتدخّلات الجماليّة والسياسيّة والأخلاقيّة ومزج الصور بطرق مختلفة، بحيث ستصبح الذّات مقولبة داخل جهاز معقّد من التصوّرات والانتماءات.

ينبغي أن نلاحظ أن المعنى الدّقيق والعلمي لمصطلح التّحوّل يمثل ظاهرة بيولوجيّة تتمثل في الاختلاف عن الأصل والمحافظة عليه في الآن كتحول الدودة إلى فراشة، إنّه اختلاف وراثي دون القضاء على النّوع. هناك إذن في التّحوّل قطع ووصل في آن واحد، وتفتّح وتغيّر في الوقت نفسه مع المحافظة على الطّبيعة ذاتها، والحال أنّه يتعيّن في الهويّة الأخذ بعين الاعتبار هذا الانحراف بالنّسبة إلى الأصل، وبالنّظر إلى مرجعيّة الماضي وإلى وحدة الوجود الأصليّة. وهذا ما يدفعنا إلى تأكيد المقاربة الجديدة للهويّة الدّيناميكيّة التي هي انبساط وحركة تُبقي الكائن في وضعيّة تجدّد دائم بين قلق حدث الموت من ناحية، وبهجة الحياة وكمالها من ناحية ثانية.

يعطي التّعريف الجديد للهويّة، بما هي انبساط وثبات للذّات وتحوّل للاختلاف وللغيريّة، وظائفها التّكوينية في الأنا. ليست الهويّة انكماشا حول الذّات وتقوقعا في الماضي وإنّما هي انفتاح وتواصل وفعل. فيصبح تواصل الإنسان مع الطّبيعة أو مع الآخر عنصرَ هويّته المركزيّ. يكون الكائن هنا متعايشا مع الغير، وتصبح الهويّة خارج هذا الانفتاح خطرا اجتماعيّا وسياسيّا لأنّها ستكون بابا للإقصاء والانغلاق.

كاتب ومفكر تونسي

9