تأملات في مسار الثورات العربية.. حرية الضمير

الثلاثاء 2014/02/04

لقد وعدت في مقال سابق أن أتعرض بالنقد والتحليل إلى دستور تونس الجديد بعد أن تمت المصادقة عليه نهائيا. وسوف لن يكون ذلك من خلال التفسير الحقوقي والمقارنات والتأويلات التي قد تؤكد فرادة هذا الدستور في الوطن العربي وتبين مدى استجابته لمنظومة الحقوق العالمية. تلك الطروحات الضرورية تتواجد يوميا في مقالات الصحف والمجلات والتدخلات على الأثير والفضائيّات والأنترنت. وددت هنا بحكم اختصاصي في الفلسفة التي غيبت في المناقشات العمومية الخاصة بالدستور أن أقارب محتوياته مقاربة مفهومية أتعرض بواسطتها إلى بعض المفاهيم المؤسسة له بالتمحيص والتحليل والنقد، حتى نفهم أبعاده ومتطلباته فنتمكن بعد ذلك من تحديد منزلته الحقيقية عربيا وإسلاميا وعالميا.

وستكون البداية بتصور حرية الضمير التي احتد النقاش حولها في المجلس التأسيسي وخارجه بل أحدثت حراكا مناهضا داخل الجماعات الإسلامية التي في معظمها نددت بدسترة هذه الحرية البعيدة في نظرها عن التعاليم الإسلامية.

لنتمعن قبل كل شيء في نص الفصل السادس من الدستور: “الدّولة راعية للدّين، كافلة لحريّة المعتقد والضّمير وممارسة الشّعائر الدّينيّة، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التّوظيف الحزبي. تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح وبحماية المقدسات ومنع النيل منها كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف والتصدي لها”. هذا النص الثري جدا يبقى صعب التحليل لأنه جاء نتيجة توافق بعد تجاذبات ونقاشات طويلة وصراعات سياسية ونضالات مدنية. وهو على كل حال يحتوي على حرية الدين وحرية الضمير من ناحية وعلى حمايتهما من ناحية أخرى. فلكل تونسي الحق في اختيار دينه والدولة مجبرة على حمايته بمنع التكفير ورعاية المقدسات. ولكل تونسي الحق في اختيار نمط عيشه والدولة مجبرة على حمايته بضمان مبدأ التسامح ومنع التكفير والكراهية.

لنحدد قبل كل شيء المعنى الدقيق لتصور حرية الضمير من خلال ما توصلت إليه المناقشات والممارسات العالمية والتي أخذت الآن بعدا حقوقيا. فمن المتعارف عليه أن حرية الضمير تعني في كنهها حق كل فرد في المجتمع في أن يختار مبادئه وقيمه وفلسفته في الحياة دون أن يحاسب أو يحاكم عن هذا الاختيار. فتتضمن بذلك في الآن نفسه حرية المعتقد وحرية اختيار الدين الذي يراه صالحا له أو أن يعيش بدون دين أو أن يكون ملحدا كما تتضمن حرية اختيار نمط حياته ونمط تفكيره وفلسفته، وتضمن في الآن نفسه الحق في تغيير عقيدته وقيمه وتصوراته دون ضغوط ودون موانع.

كذلك لابد من التأكيد هنا على الصفة العمومية لحرية الضمير. لا نشك أن هذه الحرية هي نتيجة حتمية لبروز الإنسان الفرد وتحرره من الصبغة الاحتوائية للمجموعة وللمجتمع فهي نتيجة للتحولات الاقتصادية الكبرى التي أحدثت الرأسمالية بداية من النهضة الإيطالية في القرن الرابع عشر، وهي نتيجة على الصعيد الفكري لفلسفة الأنوار في القرن الثامن عشر عندما أسست لثنائية ضلت تصاحب حداثتنا ونعني العقل والحرية. وسنتعرض إلى هذه الفردانية بالتحليل. ولكننا لا يمكن أن نضمن حرية الضمير إذا لم تكن لها أيضا صفة العمومية. بمعنى أن لكل التونسيين الحق في التصريح علنا بقناعاته الفكرية والأخلاقية والدينية وفي ممارستها دون ترخيص مسبق وفي حدود القوانين الضابطة لذلك.

من جهة أخرى تكون حرية الضمير عمومية باعتبارها تسمح بتكوين جماعات عقائدية علنية بين أشخاص لهم نفس القناعات ونفس الطقوس والممارسات ومدارس فلسفية ذات توجهات مختلفة.

هكذا إذن تكون حرية الضمير حقا عاما لكل فرد في المجتمع، لأنها تضمن لكل منا أن يعيش حسب قناعاته في سلم اجتماعية دون أن يتعرض للتكفير أو التهميش أو الإقصاء، ودون أن يكون مجبرا على التستر وإخفاء قناعاته ورغباته. لذلك تكون هذه الحرية أسا ضروريا من أسس العيش المشترك حسب قاعدتيْ التنوع والكرامة.

ونعني بالعيش المشترك قدرة الإنسان الفرد على تغيير اجتماعيته الطبيعية وانصهاره كليا داخلها وتحويلها إلى اجتماعية متحررة ومعقلنة وواعية تقوم على التفاهم والتعاقد والحقوق والحرية. فالعيش المشترك الذي يتحقق في إطار هذه الاجتماعية الواعية هو تعايش منظم حسب قاعدتي العقل والحرية من ناحية وقاعدتي الأنس والمحبة من ناحية أخرى، وحسب قوانين الضيافة وهذا ما كنا نعني به عندما أسسنا من خلال قراءتنا لأعمال أبي حيان التوحيدي ومسكويه لمفهوم جديد هو مفهوم التآنس. ولابد هنا أن نذكّر اقتضابا بأن مفهوم التآنس يفيد مبدئيا نوعا من العيش المشترك بين أفراد قد حققوا بعد استقلاليتهم الانصهار الكلي في المجموعة، فأصبحت لهم حقوق مضمونة في الفكر والعيش ولكن في الآن نفسه في إطار التآلف والانسجام الذي لا يعبر فقط عن عدالة مصحوبة بالحكمة والحب، ولكن أيضا عن الوفاق الممكن بين الأفراد المختلفين في العقيدة والقناعات الحياتية المختلفة. فهو يعبّر عن إنسانية جديدة قوامها الاختلاف والاحترام والمحبة تضمنها مجموعة الحقوق والحريات وخاصة حرية الضمير والمعتقد.

هذه الإنسانية الجديدة هي مطلب فلسفي مؤكد لما آلت إليه حالة الإنسان الفرد حاليا عندما انحلت الروابط الاجتماعية التقليدية تحت ضغط نمط الإنتاج الرأسمالي الذي حول الفرد إلى وسيلة إنتاج لا غير، ونتيجة لما أفرزته العولمة من نمط عيش يقترب كثيرا من بعض معطيات التوحش. وكما يؤكد على ذلك جاك دريدا قد يحول النسق “التكنوقراطي العلمي” الرقمي المهيمن مجرى الحياة في حاضرنا، فيتحول بذلك كل فرد من الأفراد الموجود داخل المجموعة التي تفتقد للروابط الاجتماعية التقليدية إلى نوع من “الوحشة” والكآبة، والوحدة قد تؤدي في الأخير إلى الهمجية والعنف.

لا يعني ذلك طبعا العودة إلى رضوخ الفرد الكلي إلى المجموعة كما لا يعني ذلك أن استقلالية الفرد سالبة وغير مجدية، بل يعني فقط أن الحياة العامة ضرورة لممارسة استقلالية الفرد وحريته وفي الآن نفسه لحمايته من التوحش والأنانية. والحياة العامة لا توجد دون رابط إنسي ضمن نظام مجتمع يقوم على الحق المشترك لا محالة، ولكن أيضا على حرية الضمير بالأساس لأنها تضمن لك أن تعيش مستقلا حسب قناعاتك في مجتمع يقوم على مبدأي العقل والحرية تتقاسمه الممارسات اليومية والعادات والتقاليد والأمنيات والحقوق والواجبات.

إن الأمة لا تحقق وحدتها وهويتها إلا باتفاقها من خلال عملية تحاورية ضخمة تتأسس فيها عوامل الارتباط حسب قاعدة العيش المشترك في ظل الكرامة والحرية، وذلك ما تضمنه مبدئيا حرية الضمير.


كاتب ومفكر تونسي

8