تأميم الأجواء بإعلام ديني استباقا لمنتدى شباب العالم 2018

في اللجوء إلى خطباء الجمعة استغلال لدلالة المنابر في المساجد وقاعات البرلمان والساحات الشعبية.
الاثنين 2018/11/05
أي دلالة للمنابر

لا يحتاج زائر عابر لمصر إلى معرفة أن ما يسمى “منتدى شباب العالم” سيقام في منتجع شرم الشيخ هذا الأسبوع. سيصاب هذا الزائر غير المعتاد على التلوث السمعي بأعرض انهيار عصبي من ميكروفونات مساجد تتقاطع فوق رأسه وتخترق أذنيه، وتتصارع في الأجواء بحماسة خالية من الروح، ولكنها في خطب هذه الجمعة تحديدا، 2 نوفمبر 2018، توحدت وأذاعت خطابا واحدا عن الاهتمام بالشباب ودوره في بناء الوطن.

أما المواطن المصري فلديه مناعة نفسية وعضوية ضد الإصابة بمثل هذا النوع من التلوث، وسيعرف أن هذا التأميم لأجواء يوم الجمعة أمرٌ حكومي استباقي لافتتاح منتدى شباب العالم في اليوم التالي، ويتسلح باللامبالاة، ويردد في نفسه: خطبٌ كغيرها، تروّج لمنتدى كغيره، ولا شيء في مصر أكثر ولا أرخص من الكلام.

لجوء السلطة إلى توحيد خطب الجمعة، للدعاية التمهيدية لهذا المنتدى، تال لإعراض قطاعات عريضة من المصريين عن قراءة الصحف وفضائيات الحكومة ورجال المال. وعلى مستوى الشكل فإن خطبة الجمعة تضمن إيصال الرسالة الإعلامية المقصودة، ولكنها بعيدا عن هذا الإجراء الشكلي لا تدرك قدرة الجمهور على الفرز والانتقاء والسخرية. هي حيلة شعبية سلبية في الرفض، وقد نجحت ببقاء أغلب الناخبين في بيوتهم في الانتخابات البرلمانية 2015 والانتخابات الرئاسية 2018. ومن دون اتفاق، رفع شعار “محدش راح واللجان الانتخابية براح”، ولم تفلح خطة مدّ أجل التصويت، واحتساب اليوم الإضافي عطلة رسمية، في إغراء الناس بالخروج للمشاركة.

لا يكفي إكراه المصلين بما أوجزه يوسف إدريس في عنوان أحد كتبه “عن عمد.. اسمع تسمع”، ومن حق الجمهور ألا يعنى بما يشغل الحاكم، انطلاقا من الحكمة الشعبية “السلطان من لا يعرف السلطان ولا يعرفه السلطان”. وليس الجمهور كتلة واحدة، وما يقال في خطبة الجمعة بمنتجع يسترخي فيه أثرياء، يختلف عما يقال في خطبة لجنود في معسكر. وفي مسجد داخل سوق يُنصح التجار والباعة بالتزام الصدق وتجنب الغش، وأما المواطنون المساكين في قرية بالصعيد، ممن يتقربون إلى الله بمنع مسيحيين من الصلاة في بيت أحدهم، فيجب الإلحاح في خطب الجمعة وغير الجمعة على ردهم إلى القرآن الكريم، وتذكيرهم بأنه حث على احترام المختلفين في الدين، وحرّم إيذاءهم. وبمضي الوقت ستنزع هذه الخطب بارودا راكمه الجهل والتشدد، ويستعيد المسلم علاقته بآيات القرآن “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة”، “ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة”.

في اللجوء إلى خطباء الجمعة استغلال لدلالة المنابر في المساجد وقاعات البرلمان والساحات الشعبية، وكان للمنابر فرسان تؤمن الشعوب بصدقهم، ولم تكن البلاغة اللفظية وحدها مصدر قوة الحبيب بورقية وهواري بومدين وجمال عبدالناصر الذي خاطب المصريين والعالم، من منبر الجامع الأزهر في مثل هذا اليوم، الجمعة 2 نوفمبر 1956، فأشعل صدق كلامه شرارة الكفاح الشعبي المسلح، وتوحدت رغبة مؤيديه وكارهيه في الدفاع عن بلادهم.

بعد طيّ وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية تحت إبط الحكومة، وترديدها خطابا واحدا، بدا هذا الجمع الإكراهي على كلمة ليست سواء. وكان الشعب الصموت، الصبور على المكاره، أكثر ذكاء بإطلاق وسم موجز جدا “ارحل يا سيسي”، فانفعل عبدالفتاح السيسي في 27 يوليو 2018، وتساءل: “تعملوا هاشتاغ #ارحل_يا_سيسي. أزعل ولا ما أزعلش؟ في دي أزعل”. وبدلا من مراجعة السياسات العامة ومنها الإعلامية، تم اتخاذ خطوات انفعالية انتقامية من إعلاميين حكوميين وأغلقت برامجهم.

لدى شعب أنضجته موجتان من الثورة المضادة حصانة ضد الإعلام التعبوي. وإذا كان توحيد الخطاب الإعلامي جعل المواطن يزهد عن متابعته، فإن تأميم خطبة الجمعة قد يصرفه عن الصلاة.

18