تأميم المعنى

بخلاف الرواية التي تتموضع هي وقراؤها وجمهورها في صف احتجاجي، تنحاز اللوحة للسكينة والاستقرار.
الأربعاء 2019/01/23
الوحة تحتاج باستمرار إلى أضواء

تعيش الرواية بالتداول وتعيش اللوحة بالتحصين، للرواية الأيدي والرفوف والأوضاع المتنقلة، المفتوحة على الشمس، وللوحة الجدران والعتمات، لهذا تحتاج باستمرار إلى أضواء تسلط عليها في الأروقة والمتاحف، لم تقترن الرواية إلا بمعناها ومتعتها وتفاقمات غوايتها، لم تكن يوما تطمح للتحول إلى ذخيرة، لهذا تنتعش دوما مع نوازع السخاء بعد قراءتها، تنقلها جزء من طبيعتها بل ومن واجبها، حيث الأثر منذور لكثرة الانتشار والسيحان، بينما الغياب والحجب هو قدر اللوحة ونسغ أسطورتها. تملكها الفردي هو ما يكسبها بعضا من معناها. وبخلاف الرواية التي تتموضع هي وقراؤها وجمهورها في صف احتجاجي، تنحاز اللوحة للسكينة والاستقرار. نحن نقرأ الروايات لننسى ونعيش حياة أخرى، ولندين قدرا ظالما، متعة غير مقدرة حق قدرها دوما، لهذا قد نعيرها أو نتخلى عنها ببساطة تخلصا من تضخم غير محمود في المكتبة، أمر لا علاقة له بالتبجيل الذي تحاط به اللوحة التي قد نقتنيها تضميخا لسعادتنا.

في مقال لامع لجون بورجر عن علاقة الإشهار باللوحة، يتحدث عن تضمن اللوحة لمروية أساس، إذ هي وعد بشيء ما، و”غالبا ما تلجأ الصور الدعائيّة إلى المنحوتات أو اللوحات الزيتيّة لإضفاء الفتنة والسلطان على الرسالة التي تبثّها”.  بينما تتنصل الروايات من الوعود، هي باطراد تواجهنا بتفاصيل صاعقة، وغير محبذة في الغالب الأعم، بما قد لا يكون ولا يتحقق. ذلك لأنها تقترن برغبة التشارك، في الحين الذي يبقى الفن علامة على البذخ، وينتمي إلى الحياة المتنعّمة. هو جزء من المتاع الذي توفّره هذه الحياة الدنيا للأغنياء والمرفهين.

لهذا فاقتناء اللوحة أو المنحوتة لا يتعلق فقط بامتلاك أثر وإنما بنوع من الوجاهة والانتماء إلى مجتمع الأرصدة، قبل أن يكون تعميما لمعايير في الذوق والحصافة والحس تجاه الخارج، وبإزاء الأجساد والطبائع والألوان والضياء. من هنا يتحول التملك إلى نفي للمعنى وحصار للحساسية، وبنحو ما إلى إنتاج سلطة يتحول فيها العمل الفني إلى نفي لرهافة الإبداع وإنسانيته المؤبدة.

وفي عشرات الروايات التي تواترت في السنوات الأخيرة،  يحضر الرسام واللوحة والمحترف والموديل وسرقة الذخيرة والاستنساخ وجشع المضاربات التي تحول اللوحة إلى مرادف للعملة والمعدن، بوصفها مواضيع للتأمل والمراجعة وتدنيس البصري، والنزول به في لحظات ما إلى قاع فطرته وجنونه، وكأنما في سعي من الرواية إلى الانتصار للمعنى والتداول، وابتذال الذخيرة، وهجاء الثروة، بإرجاعها إلى النوازع والأهواء الخلاقة، بإعادة ترميم سمعة الفن ونقله من الجدران إلى الكلمات، ومن الإقامة إلى العبور، ومن العتمة إلى الشمس.

15
مقالات ذات صلة