تأمين الدولة في انتخابات الرئاسة المصرية

الأربعاء 2018/01/31

يتنادى الكثيرون في الإقليم، لتسليط الضوء على الانتخابات الرئاسية المصرية، من موقع النظر إليها باعتبارها لعبة رجل واحد ومن ورائه المؤسسة العسكرية. ويتمثل هؤلاء الكثيرون، معايير الديمقراطية الباتة والمفتوحة، بينما هم في بلدانهم وفي توجهاتهم، ماكثون على خيارات رجل واحد، أو حزب واحد، أو قوة اجتماعية واحدة، فيما أوضاع بلدانهم التي تتمتع باستقرار نسبي، تسمح بالتقدم إلى ذلك النمط من الديمقراطية ومن إنضاج الاجتماع السياسي وتعلية شأن مؤسسات الدولة.

لكن الناظر إلى الأوضاع الداخلية في معظم بلدان العالم، وفرص القوى والأحزاب والتجمعات السياسية فيها، لن يرى أي قوة مؤهلة للصعود إلى سدة الحكم، سوى العصبيات المتماسكة والغالبة. فمثلما هذه هي “الأوليغارشية” التي تستند إلى قوة مالية، في الولايات المتحدة الأميركية، من شأنها أن تؤمّن لطبقتها أو لشريحتها حكم الأقلية والوصول إلى الرئاسة؛ فإنها الجيش في البلدان النامية أو العصبيات القبلية، أو المرجعيات الدينية، وغالبا لا تكون هذه قد استندت في نشأتها وتقلد دورها، إلى هبة شعبية غامرة، مثلما استند الجيش في مصر إلى هبة الثلاثين من يونيو 2013 التي أطاحت بحكم الإخوان بعد تجربته الفاشلة، وذهبت البلاد بعد الإطاحة إلى انتخابات رئاسية جديدة.

بخلاف ذلك، هناك قوى اجتماعية وسياسية وشخصيات عامة وازنة وأحزاب، رأت وظلت ترى في الحكم الذي يترأسه عبدالفتاح السيسي، ضمانة الخروج بالبلاد من أزمات تتهددها في العمق، وعلى رأسها تحديات الأمن والتنمية والاستقرار.

ولا يختلف اثنان على كون هذه التحديات الثلاثة، قد نشأت بأفاعيل القوى الأصولية التي كادت أن تعصف باستقرار البلاد ووحدتها، وإدخالها في نزاع أهلي مفتوح. وهذه عينها، هي التي تتغاضى عن غياب الشفافية وعن غياب الحد الأدنى من الممارسات الديمقراطية في البلدان التي تساندها وتأويها، تركز على مستوى براعة رئيس الجمهورية في الخطابة، وتجعله مادة أساسية في هجاء الخيار الذي استقرت عليه المؤسسة الوحيدة المتماسكة في البلاد، وهي الجيش، مثلما استقرت عليه قوى علمانية وليبرالية وأصولية لا عنفية!

في هذا الخضم المصري، كيف يمكن لمن يشنون الحملة الآن على ترشح الرئيس عبدالفتاح السيسي لولاية ثانية، أن يقدموا بديلهم، سواء كانوا يراوحون في مربع المطالبة بعودة حكم “الإخوان” ويعتبرون إطاحته انقلابا، أو أولئك الذين يرون أن الانتخابات الرئاسية المقبلة تترافق مع عملية إقصاء، ويتباكون حتى على الجنرال سامي عنان، الذي حاول الترشح ليفتح بابا لآخرين من ضباط الجيش، فينتقل إلى المؤسسة العسكرية داء تعدد الخيارات في داخلها. ذلك وقد قيل الكثير عن هذا الرجل حصرا، وعن قربه من الولايات المتحدة الأميركية، وقد ثبت هذا من خلال الموقف الأميركي الذي اعترض على منعه من الترشح؟

في تاريخ الدولة المصرية خلال نصف القرن الأخير وأكثر، ومنذ أن سُمح بتشكيل الأحزاب السياسية في منتصف السبعينات، لم تربح الأحزاب الناشئة أي مساحات شعبية، ولم تثبت جدارتها، بل لم تحافظ على وئامها الداخلي.

أما جماعة الإخوان، فقد بدأت تنتشر بقرار سلطوي، توطئة للوصول إلى إسرائيل والصلح المنفرد معها، إذ أريد منها الانقضاض على محددات الثقافة الوطنية والقومية، وعلى إرث عبدالناصر، وما رواجها إلا بسبب توظيف رمزيات الأمة الدينية في السعي إلى اجتذاب تأييد شعب متدين، لكن المعروف عن هذه الجماعة، أنها تتحاشى البرامج السياسية والاقتصادية، ولا تطرح أي رؤية لضمان وحدة أطياف البلاد، وتأمين الحقوق السياسية للمواطنين، وليست لديها رؤية للعمل الإقليمي إن لم نقل ليست لديها منهجية للعمل العربي والإسلامي، بينما هي في الداخل منحازة بحكم طبيعتها إلى نمط اقتصادي يلامس النمط الذي يرتضيه رجال الأعمال الطفيليون، الذين تترافق ممارساتهم مع عبارات التقوى من شاكلة “وأحل الله البيع وحرّم الربا”.

ولكي يكون هجاء القوى الإسلاموية لانتخابات الرئاسة المصرية، أعلى صوتا، جرى الترويج لمقولة “حُكم العسكر” مع تحديد الزمن الذي يوصف به هذا الحكم، بستين عاما شملت فترة حكم عبدالناصر، علما بأن ذلك الراحل الذي ناصب القوى الاستعمارية العداء، بينما كانت رموز الإخوان تتحالف مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والمخابرات البريطانية وتتعاون مع الأجنبي لإطاحة الحكم في بلادها؛ لم يكن حاكما باسم العسكر، وإن كان في الأصل ضابطا عسكريا، وفي الأصل أيضا كان مواطنا له توجهاته القومية واختار منحى في السياسة الدولية، يقوم على الرغبة في تصفية نفوذ الاستعمار القديم في العديد من البلدان.

ولأن حُكمه لم يكن حُكم عسكر، فقد كان من بين أسباب هزيمة 1967 ابتعاده كليا عن الجيش. ففي الممارسة، كان سياسيا بامتياز، وقد شهدت مصر في عهده، وعلى الرغم من المعارك السياسية والمؤامرات والظروف التي رافقت عملية تثبيت الحكم بعد إطاحة الملكية؛ أول وآخر خطة تنمية خمسية، تخللتها عملية بناء مازالت آثارها مشهودة، وانتعشت في عهده قطاعات التعليم والثقافة والفنون والآداب.

صحيح أن الدولة المصرية، بعد ظهور الأحزاب في بلادها، قد وقفت بحزم، للحيلولة دون ضياع شرعية ثورة يوليو 1952 التي استند إليها هيكل الدولة، وصحيح أيضا أن المرجعيات الفقهية لجماعة الإخوان المنصوص عليها في رسائل مؤسسها حسن البنا؛ تضرب أسس قيام الدولة، والصحيح أكثر وأكثر، هو أن الدولة اليوم لا تحتمل المخاطرة، لكي يُقال إن هناك انتخابات رئاسية مثالية، تشارك فيها جماعات تستغل رمزيات الأمة وخطابات المطلقات التي تدغدغ مشاعر البسطاء، قبل أن يكتشفوا أنها لم تكن إلا خداعا.

فمصائر الأوطان لا تؤخذ بمعايير الترهات والسجالات السياسية، ولا يتأهل المترشح لانتخابات رئاسية من خلال خطابات متقنة لغويا تزدان بالسجع والفصاحة.

يمكن أن يُقرأ أمر الانتخابات الرئاسية في مصر على أساس أن لا قوة حزبية أو اجتماعية قادرة على المنافسة، وهذه محصلة تجربة مصر السياسية، التي شهدت عجز الأحزاب الليبرالية عن اجتذاب الناس. بل إن حزبا عريقا كــ“الوفد” الذي هو أقدم المعترضين على شرعية يوليو 1952 وجد نفسه مضطرا للمشاركة في إخراج الدولة من مأزقها، من خلال تأييد المرشح الذي كان عسكريا. فلم يخطئ “الوفد” في تقييم المرحلة واعتبر أن أي خيار آخر سيكون مجازفة خطيرة.

كاتب وسياسي فلسطيني

9