تأمين العلاقات مع مصر إحدى أولويات البشير لمواجهة تعقيدات الأزمة الداخلية

الرئيس السوداني عمر حسن البشير في مصر لتكريس التهدئة الهشة مع القاهرة.
الاثنين 2018/03/19
البشير.. أزمات في الداخل والخارج

القاهرة – يشكل الحفاظ على التهدئة مع مصر ضرورة ملحة بالنسبة للرئيس السوداني عمر حسن البشير الذي يواجه أزمات في الداخل تستوجب عدم فتح جبهات جديدة وتسكين أخرى، وهو أحد مبررات زيارته إلى القاهرة الاثنين.

وأوضح بيان للرئاسة المصرية، الأحد، أن زيارة الرئيس السوداني تستمر ليوم واحد، وتأتي في إطار مواصلة التشاور بين الرئيسين، وبحث سبل تعزيز العلاقات التي تربط بين البلدين في كافة المجالات.

وعكست التعليقات الرسمية من الجانبين نبرة تفاؤل تتماشى مع الهدوء المستمر منذ لقاء السيسي والبشير على هامش القمة الأفريقية بأديس أبابا في 27 يناير الماضي.

وحملت اللقاءات التي تلتها تطورات إيجابية، أبرزها عقد لقاء رباعي في القاهرة بحضور وزيري الخارجية ورئيسي جهازي المخابرات في البلدين في 8 فبراير الماضي، وعودة عبدالمحمود عبدالحليم السفير السوداني لدى مصر للقاهرة في 5 مارس الجاري، بعد شهرين من سحبه للتشاور.

استدارة مصرية في التعاطي مع السودان يمكن تحسسها من خلال توطيد العلاقات مع جنوب السودان وإريتريا

وكانت العلاقة بين الجانبين قد شهدت قبل أشهر قليلة تدهورا واضحا، في ظل تصعيد سوداني وصف بـ”الخطير”، كانت أخطره تلميحات بوجود مخطط مصري لزعزعة الاستقرار السوداني من الجهة الشرقية مع إريتريا، الأمر الذي نفته القاهرة.

وهناك قناعة مصرية بأن التصعيد السوداني هو نوع من الاستفزاز لحرف الأنظار عن الاحتجاجات التي شهدتها أكثر من محافظة سودانية جراء رفع الأسعار، وأيضا لتبرير انخراط الخرطوم في علاقات واسعة مع كل من أنقرة والدوحة.

ووصل تعاون السودان مع تركيا إلى حد الاتفاق على تسليم جزيرة سواكن ذات الموقع الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر إلى أنقرة بذريعة إعادة تعميرها وتطويرها. ناهيك عن التوصل إلى مجموعة من التفاهمات العسكرية والاقتصادية، وغالبيتها غير معلنة.

ولم تتورط مصر في مبادلة السودان التصعيد بآخر مضاد، لكنها لم تخف قلقها من حرص البشير على دعم التيار الإسلامي، والالتصاق مع توجهات كل من تركيا وقطر.

وتعمدت الخرطوم إثارة القضايا التقليدية مع مصر للتشويش على حقيقة علاقتها بأنقرة، وترديد نغمة الخلاف حول النزاع الحدودي على ملكية مثلث حلايب وشلاتين وأبورماد، ودعم المعارضة والتدخل في الشؤون الداخلية.

ولم تقتنع مصر بكل المبررات التي ساقتها الخرطوم للإيحاء بأن علاقتها بأنقرة والدوحة بعيدة عن التأثير على الأمن الإقليمي لمصر، وبدأت التفكير في بدائل للتعاطي مع هذه المستجدات.

وكانت مصر دوما تتعامل مع السودان على أنه دولة موحدة ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لها، فمن الناحية الحدودية هي دولة جوار مهمة من جهة الجنوب، وبينهما حدود مشتركة تتجاوز الألف كيلومتر.

هذه الحدود تحولت إلى مصدر إزعاج دائم بعد صعود جماعة الإخوان للحكم في مصر من يونيو 2012 إلى يونيو 2013 والتقائها مع النظام الحاكم بالسودان ذي التوجهات الإسلامية، وبسقوط الجماعة تحول السودان إلى مأوى للكثير من عناصرها المطلوبة قضائيا، وهناك شكوك في دور للخرطوم في عمليات تهريب أسلحة وإرهابيين إلى مصر.

وفشلت المعلومات الموثقة التي قدمتها مصر للسودان في وقف سياساته المعادية، لأن الحركة الإسلامية نافذة في دولاب الحكم بالخرطوم، وهي التي حالت دون فرملة الاندفاع نحو التعاون مع الإسلاميين.

وتزامنت هذه المسألة مع تصاعد حدة أزمة سد النهضة، عندما وقف السودان صراحة مع إثيوبيا، ما يضر بمصالح مصر المائية، وهي أحد أهم الثوابت في توجهات القاهرة نحو أفريقيا.

وكشفت مصادر لـ”العرب”، أنه رغم السلوك السوداني المثير للجدل فإن التفكير المصري، ظل متمسكا برؤيته القديمة والسعي لتفويت العواصف القادمة من الجنوب عبر التعامل الهادئ مع الخرطوم. وأوضحت المصادر، أن ذلك لا يعني أن القاهرة لم تضع سيناريوهات بديلة، لمواجهة جنوح الجارة الجنوبية.

 

الرئيس السوداني عمر حسن البشير يواجه أزمات داخلية معقدة تفرض عليه التهدئة قدر الإمكان مع الجوار وخاصة مع مصر، ولئن يبدو موقف القاهرة إيجابيا بيد أن غياب الثقة بين الطرفين يجعلها حذرة ومتحفزة لاعتماد سيناريوهات بديلة في التعاطي مع الخرطوم.

وهناك استدارة استراتيجية في التعاطي مع السودان يمكن تحسسها من خلال توطيد العلاقات مع جنوب السودان وإريتريا، لحل معضلتي التهديدات القادمة من الحدود والنقص المتوقع لمياه نهر النيل، جراء سد النهضة الإثيوبي الذي شارف على الانتهاء في ظل تبني السودان موقف أديس أبابا.

ويصب هذا الاتجاه في ما يطلق عليه بالخطة (ب) التي من غير المستبعد تبنيها في المستقبل، لأن النظام السوداني غير مأمون، فقد ينحني للعواصف لكنه يعود إلى عاداته بمجرد تجاوزها.

وتقوم المفردات الرئيسية لهذه الخطة على تطوير العلاقات مع جوبا وإحياء قناة جونقلي بطول 360 كيلومترا للاستفادة من المياه بمنطقة السدود ومستنقعات بحر الجبل وتوصيلها إلى مصر، وكان قد تم بالفعل حفر 260 كيلومترا قبل أن يتوقف المشروع منذ حوالي ثلاثة عقود.

وتأتي أهمية القناة من تخفيف حدة الأضرار المائية الواقعة على مصر بسبب مشروع سد النهضة الذي قارب على الانتهاء، وتجاوز العقبات التي تضعها إثيوبيا والسودان في ملف المياه الحيوي، ونزع ورقة مهمة من الخرطوم.

أما أهمية إريتريا فلها علاقة قوية بالخلاف مع أديس أبابا، لكن لها علاقة قوية بشرق السودان الممتد حتى الحدود مع مصر، وهي منطقة حيوية من الضروري الالتفات إليها كثيرا وتوطيد العلاقات فيها وعدم السماح لدولة مثل تركيا بالتواجد فيها.

وإذا أضيفت هذه المستجدات إلى تراكم الأزمات الداخلية في السودان، يكون من الطبيعي أن تسعى الخرطوم إلى الإصرار على التهدئة مع مصر، لأن تنفيذ الخطة البديلة يعني أن هناك تخليا عن الطرق المعتادة في التعامل مع الخرطوم، وفتح الطريق أمام نمط جديد من التفكير المصري، ربما يدفع ثمنه النظام الحاكم. ويقوم الرئيس عمر البشير بإعادة هيكلة للكثير من أجهزة ومؤسسات الدولة وحزب المؤتمر الوطني الحاكم، وهي عملية صعبة قد تكلفه ثمنا سياسيا باهظا.

ومع أن الخطوات ترمي إلى ضمان تمترس البشير في الحكم وإعادة ترشيحه لفترة رئاسية ثانية عبر تقليص الجناح المناوئ له في الحركة الإسلامية، مع ذلك فإن نتائج التغييرات تصب في صالح تهدئة طويلة مع مصر.

2