تأنيث الإنتاج الدرامي التونسي.. تكرار أم تجديد

اقتحام الممثلات التونسيات للإنتاج الدرامي في رمضان يبشر بتنوع بين الأعمال البوليسية والاجتماعية والكوميدية.
الثلاثاء 2021/03/30
"13 نهج غاري بلدي" دراما بوليسية بلمسات أنثوية

عرفت الدراما التونسية في السنوات الخمس الماضية اقتحاما غير مسبوق لمجال الإنتاج الدرامي من قبل مجموعة من الممثلات الشابات، بعد أن كان القطاع لعقود طويلة حكرا على الذكور وبعض المؤسسات العمومية والأخرى الخاصة، وهو ما تدعّم أكثر هذا العام بوجوه جديدة أنتجت أو شاركت في إنتاج بعض المسلسلات الرمضانية المُرتقبة. فهل يساهم هذا الحضور النسوي في تغيير المشهد التلفزيوني التونسي؟

تونس- ظلّ الإنتاج الدرامي في تونس منذ تسعينات القرن الماضي، رغم موسميته الرمضانية، حكرا على الذكور والمؤسسات العمومية كمؤسسة التلفزة التونسية أو الوكالة الوطنية للنهوض بالقطاع السمعي البصري التي توقّف قطار إنتاجها بشكل مفاجئ مع بداية الألفية الجديدة، أو بعض القنوات التلفزيونية الخاصة التي تضاعفت أعدادها مع الانفتاح الإعلامي الذي شهدته تونس إثر ثورة الـ14 من يناير 2011.

لكن هذا القطاع الذكوري بامتياز والمحفوف بالعديد من المخاطر الإنتاجية والتسويقية شهد في السنوات الخمس الأخيرة اقتحاما للعنصر النسوي الذي خلنا أنه سيؤنّث الدراما التونسية وينتشلها من عنفها اللفظي والمادي الذي استشرى في العشرية الأخيرة مع مسلسلات اقتحمت بشكل “محمود” المسكوت عنه اجتماعيا وسياسيا، لكنها بالغت بشكل “مذموم” في الانتصار لثقافة “البلطجة” والصعلكة و”الفتوات” الجدد، إن صحّ التوصيف، على غرار مسلسل “أولاد مفيدة” بأجزائه الخمسة و”شورّب” بجزأيه.

فاطمة ناصر: اخترت التفرغ للإنتاج مع تأجيل الممثلة التي بداخلي إلى حين

وتعدّدت أسماء الممثلات الشابات اللاتي اقتحمن مجال الإنتاج الدرامي انطلاقا من رانية القابسي في “سكول”، مرورا بفاطمة ناصر في “نوبة 2″ و”أولاد الغول” وخولة السليماني في “قلب الذيب”، وصولا إلى سنية بن بلقاسم في “زينة وعزيزة” وأميرة الدرويش في “13 نهج غاري بلدي” الذي تُشارك في إنتاجه أيضا فاطمة ناصر، فهل تغيّر المشهد؟

سؤال يقبل “القسمة” على اثنين، فأول الغيث الذي أتته الممثلة رانية القابسي من خلال إنتاجها سنتي 2014 و2015 سلسلتها الهزلية “سكول 1 و2” يؤكّد أن لا شيء تغيّر، على الأقل في المشهد الكوميدي الذي بقي في حاجة إلى النص الجيّد أولا وأخيرا، فأتت سلسلتها أشبه بتغريدات فيسبوكية تسرد بعض المشكلات التي تعترض المراهقين في وسطهم التلمذي، فلم يترك العمل أثرا يستحقّ الذكر.

ورغم اقتحام القابسي مجال الإنتاج من بوابته الأسهل، أي الكوميديا، التي تبقى كلفتها الإنتاجية أقل بكثير مقارنة بنظيرتها الاجتماعية والتاريخية، إلاّ أن الممثلة التي عرفها الجمهور التونسي من خلال دور يسر الفتاة السمراء التي تقع ضحية عنصرية عائلة حبيبها في مسلسل “مكتوب” لسامي الفهري، عانت الويلات في سبيل تحقيق حلمها باقتحام مجال الإنتاج الذي يوفّر لها فرصا أكبر لإبراز مواهبها التمثيلية في ظل انحصار غالبية أدوار البطولة في تونس على الفنانات ذوات البشرة البيضاء!

ووصل بها الأمر حدّ سجنها على خلفية مشاكل مالية تخصّ شركة إنتاجها “رانيا برود” وإصدارها شيكات دون رصيد بقيمة 160 ألف دينار تونسي (حوالي 55 ألف دينار أميركي) من أجل إنتاج السلسلة في جزئها الأول التي تم إعدادها لرمضان 2013، وكان من المفترض أن تُعرض على قناة “حنبعل” الخاصة، لكن استشهاد السياسي التونسي محمد الإبراهمي وإعلان الحداد الوطني حال دون بثّها، لتُعرض في السنة التالية وما بعدها على قناة “المتوسط” دون أن تُحقّق المتابعة المرجوّة، وبالتالي غابت الإعلانات، فقُبر حلم القابسي وهو في المهد، لتتخلّى عن الإنتاج بشكل نهائي.

"قلب الذيب" سقط في الإرباك التاريخي

وهو ما حصل تقريبا مع شريكتها في بطولة “سكول” الممثلة خولة السليماني التي غامرت العام الماضي باقتحامها مجال الإنتاج من بوابة المسلسل التاريخي “قلب الذيب” عن سيناريو وإخراج بسام الحمراوي، الذي شهد بدوره في سابقة هي الأولى من نوعها في تونس نزاعا قضائيا بين المنتجة الشابة وقناة “الحوار التونسي” الخاصة على خلفية أحقية القناة بعرض المسلسل من عدمه، والحال أن السليماني باعت حقوق عرضه لقناة “الوطنية 1” بعد أن خيّرتها “الحوار التونسي” بين عرضه في الجزء الثاني من شهر رمضان أو ترحيله للموسم القادم وسط انحسار عائدات الإعلانات بسبب تفشي فايروس كورونا، الأمر الذي لم تستسغه السليماني ليتم في النهاية بثّ المسلسل على “الوطنية 1” بحكم قضائي.

ومهما يكن من أمر النزاع القضائي الذي حصل بين المنتجة الشابة وقناة “الحوار التونسي” التي كانت السليماني واحدة من الكوادر العاملة فيها، فإنّ العمل لم يقدّم جديدا للدراما التونسية رغم طرقه مجالا تصعب السباحة بين أمواجه العاتية والمتمثّل في الدراما التاريخية التي تتطلّب مؤثرات خاصة ومرجعيات تاريخية موثوقا في مصداقيتها واستلهاما دقيقا من حيث الملابس والديكورات لحقبة بعينها دون زيادة أو نقصان. وهو ما لم يتحقّق في مسلسل أتى أشبه بفانتازيا تاريخية لا مسلسلا حقبويا يروي بشكل درامي مرحلة تاريخية معلومة الأحداث والحوادث، فسقط العمل في الإرباك التاريخي بين أزمنة سابقة وأخرى لاحقة عليها.

رانيا القابسي عانت الويلات في سبيل تحقيق حلمها باقتحام مجال الإنتاج

وفي مقابل كل ما تقدّم نجحت الممثلة فاطمة ناصر بمساهمتها في إنتاج الجزء الثاني من مسلسل “نوبة.. عشاق الدنيا” للمخرج عبدالحميد بوشناق، دون أن تُشارك بالتمثيل فيه عكس القابسي والسليماني في تجربتيهما الإنتاجية الأولى لكلتيهما، ما يؤكّد إيمان ناصر بقيمة الفصل بين التمثيل والإنتاج بما يخدم سوية العمل في المقام الأول.

وعن ذلك تقول في تصريح لـ”العرب” إن “المُنتج هو من يتحمّل كل أعباء العمل الدرامي، فإن نجح المسلسل سيُحسب له وإن فشل سيُحسب عليه، لذلك اخترت في هذه المرحلة التفرّغ بشكل كلّي للإنتاج مع تأجيل الممثلة التي بداخلي إلى حين، علّني أُساهم مع ثلة من المنتجين الشباب والطموحين في تقديم مشهد درامي مختلف من حيث الكتابة والإخراج والأداء”.

وعرف مسلسل “نوبة” بجزأيه نجاحا جماهيريا باهرا وإشادة من قبل النقاد لجدة فكرته التي تناولت عالم الفن الشعبي “المزود” تحديدا، بكتابة درامية تجمع بين التقنيات السينمائية والسينوغرافيا المسرحية، ليكون على امتداد عامين متتاليين في 2019 و2020 نجم الأعمال الرمضانية في تونس ما بعد الثورة، وهو الذي تمكّن عبر نوستالجيا حميمية من أن يُصالح الجمهور التونسي مع فنونه الشعبية ورموزها بالتلميح بعيدا عن البروباغندا الفجة والمُباشرة.

وتواصل ناصر التجربة هذا العام من خلال عملين جديدين أحدهما بوليسي وهو مسلسل “13 نهج غاري بلدي” للمخرج أمين شيبوب المزمع بثّه على قناة “التاسعة” الخاصة بشكل أسبوعي انطلاقا من غرة أبريل القادم، وهو عمل تُشارك في إنتاجه أيضا الممثلة الشابة أميرة الدرويش.

أما العمل الثاني فهو مسلسل درامي اجتماعي من ثلاثين حلقة سيعرض على القناة ذاتها ضمن الموسم الرمضاني المُرتقب تحت عنوان “أولاد الغول” للمخرج مراد بالشيخ وبطولة فتحي الهداوي ووحيدة الدريدي وبلال البريكي وسارة الحناشي وفارس الأندلسي وربيعة بن عبدالله وآخرين.

القطاع الذكوري بامتياز والمحفوف بالعديد من المخاطر الإنتاجية والتسويقية شهد في السنوات الخمس الأخيرة اقتحاما للعنصر النسوي

وكما هو الحال مع أميرة الدرويش التي اقتحمت مجال الإنتاج الدرامي في أولى تجاربها الإنتاجية عبر مسلسلي “13 نهج غاري بلدي” و”أولاد الغول”، ستطل على المشاهد التونسي خلال رمضان القادم الممثلة سنية بن بلقاسم في أولى تجاربها الإنتاجية عبر السلسلة الكوميدية “زينة وعزيزة” للمخرج زياد ليتيم، وبطولة أروى بن إسماعيل وفرحات هنانة ونيرمين صفر وتوفيق البحري وآخرين.

ومن هنا يبدو أن المشهد الدرامي التونسي سيكون مختلفا هذا العام بتنوّعه الإنتاجي بين الدراما البوليسية والاجتماعية والكوميدية، فهل تنتصر اللمسات الإنتاجية الأنثوية على الخشونة الذكورية في رمضان يعدُ بالجديد؟ لننتظر ونرى.

16