تأنيث العالم والرسم معا

الاثنين 2014/07/21

كان المتصوف الأندلسي محيي الدين بن عربي الذي عاش في القرن الثاني عشر يقول “كل مكان لا يؤنث لا يعول عليه”، وهو بذلك يرتفع بالمكان من مقام ذكورته اللغوية إلى مصاف حنانه الأنثوي الذي يضفي عليه الكثير من خصال الرقة.

وهذا ما فعله تماما الرسام الأميركي سي تومبلي (1928 /2011)، وقد أعاد اكتشاف عناصر الرسم من الداخل، حين أزاح سلطة البصر التي غالبا ما تكون عمياء ليتيح للحدس حرية التنقل بين مواقع، كانت إلى وقت قريب محروسة بالجن والملائكة والحراس السريين.

لقد دخل تومبلي إلى قلب الرسم، متسلحا بإيمانه العميق بإرادة الخلق التي تهوى دائما إعادة التعرف على الأشياء، ومن ثمّ إعادة تعريفها.

كان الرسم بالنسبة إليه مكانا يعاد تأثيثه، لكن بكائنات لا ترى هذه المرة. كائنات هي عصارة خيال تنويري يذهب بالرسم إلى جنته، يوم كانت لغته لا تفتح ذائقتها المعجمية على المفردات، بل على الأصوات والروائح والأنسجة الداخلية.

كانت فكرة الأسماء كلها التي تعلمها آدم في الجنة هي المفتاح الذي حمله تومبلي إلى الرسم، مستعينا بهواء عاطفته.

عام 2007 عرض تومبلي زهوره العملاقة، وكان يتطلع إلى ما يمكن أن تلحقه زهوره من أثر في تغيير طريقة نظر الناس إلى الزهور. كانت زهوره تعبق بأنوثة خيالية، لا تذكرنا بأنوثة الزهرة فحسب، بل بأنوثة النظرة إليها. ما كان لتلك الزهور أن تُرسم لولا أن رسامها كان قد وصل بها إلى ذروة جمالها الفني، وهو جمال لا يدين إلى الجمال الطبيعي بشيء ما.

يحق لتومبلي أن يقول “لقد خلقتها مغمض العينين”، هن رسولاته إلى العالم الذي صار يضيق بخشونة ذكورته.

كان الرسام يراهن على العطر فصار يشمّه، وعلى الأصوات الخفية فصار يسمعها، وعلى النسيج الداخلي للكون فصار يلمسه بيديه. كانت زهوره المشدودة إلى عبقها لا تذكر بماض بعينه، أنوثتها هي ميزانها العادل الذي ينصف النظر إليها باعتبارها مادة جمال خالص.

16