تأويل الكلام الإلهي تشريع للعقل في مواجهة سلطة النص

الباحث رسول محمد رسول يقول ان علاقته بالمتن القرآني قديمة تعود إلى الكوفة قبل الانتقال إلى بغداد، عندما كان يصغي للتلاوات القرآنية في مساجد الكوفة وفي مسكنه.
الجمعة 2019/10/04
الكلام الإلهي قابل للتأويل المتعدد

حكم النص الديني الإسلامي منذ ظهوره مجمل عملية الإنتاج الفكري العربي والإسلامي في العصرين الأول والوسيط، وحدد أبعادها واتجاهاتها. وبرز اتجاهان أساسيان في التعاطي مع النص القرآني؛ اتجاه أول أكد على أولوية العقل وضرورة إعماله في فهم النص ودلالاته، قابله اتجاه ثان شدد على سلطة النص وحدوده والاكتفاء بظاهره. وفي كتابه “إنسان التأويل.. هبة إلهية ومكنة إنسية” يعود الباحث العراقي رسول محمد رسول لطرح مسألة تأويل اللاهوت الديني في القرن الأول الهجري لإظهار انفتاح النص القرآني على قابلية تأويلية ممكنة ومتاحة لكل إنسان.

 يواصل الباحث العراقي رسول محمد رسول مشروعه الفلسفي الذي يسعى من خلاله لقراءة تجليات الفكرين العربي والغربي، من خلال متابعاته للمشهد الثقافي والإبداعي، عبر كتابه الأخير “إنسان التأويل.. هبة إلهية ومكنة إنسية” وهو كتاب في تأويل اللاهوت الديني، تمضي فصوله إلى القرن الأول الهجري لاستظهار قراءات تأويلية ظهرت في وقائع معرفية ودينية جربها الإنسان.

يبدأ الكاتب العراقي كتابه بالعودة إلى القرن الأول الهجري وجذور الخلافات الفقهية والقضايا الإشكالية التي ظهرت في مدينة الكوفة مهد الجدل الفكري في العالم الإسلامي بالقول “بأنني كنت أقرأ وأستمع إلى المفكر الإسلامي محمّد أركون الذي قال مرّة ‘إن القرن الأول الهجري غير مدروس بعد’، وكنتُ أفهم كلاما من هذا القبيل دائما بأن قضايا ومنجزات أخرى عدّة تعود إلى ذلك القرن وهي غير مسلّطة عليها الأضواء. كان كلام من هذا النوع يثير حفيظتي وأنا أحد أبناء مدينة الكوفة، كانت الكتابات التي وضعها هشام جعيط وعباس محمود العقاد وطه حسين التي أعتز بها كثيرا، كلها كانت تلج إلى وقائع وأحداث جرت في الكوفة، وكانت كلها تلاحقني، فبدأتُ أبحث وأقرأ عن تاريخ مدينتي الكوفة التي توصف بالحمراء لكثرة الدماء التي انفجرت فيها، وكان كل ذلك يقربني من القرن الأول الهجري الذي كان الإسلام فيه مركزا مشعّا رغم الدم الذي سال”.

وحول سؤال لماذا التأويل في ذلك القرن، يرى رسول أنه في كتابه “صورة المثقف” “كان الإسلام وبضمنه القرآن الكريم والنبوة المحمّديّة كلاهما كان المركز المولِّد لصورة المثقف، وبالتالي وجدتُ أن التأويل سواء كان هبة إلهيّة أم آلية ذهنية إنسية كان متاحا لدى النخب المثقفة التي أنتجها الإسلام وظهرت في رحابه، وانتقلت من عموم الثقافة إلى خصائصها أو من العموم فيها إلى المخصوص، ففي البداية افترضت وجود خارطة للتأويل رافقت ظهور الإسلام والنبوة المحمّديّة، وهذا ما لا يتوافق عليه الباحثون الذين يعتقدون بأن الذهنية التأويلية ظهرت في الثقافة العربية الإسلامية إبان القرن الأول الهجري، وهذا ما أتقاطع به معهم بقوة، فأنا أعتقد أن كتاب الله ‘القرآن’ حثَ على التأويل، وأن الكلام الإلهي لا يعادي التأويل عداء الند للند، وفي متنه آيات بينات، وتاليا عندما حث الخالق الإنسان على التعقل والفهم والمعاينة الذهنية والإدراك والحدس وكلها تدخل في آليات التأويل”.

وفي ما يتعلق بدلالة تعبير “هبة إلهية ومكنة إنسية” في القسم الثاني من العنوان، أوضح الباحث العراقي أن “التأويل للأنبياء كان هبة إلهية مخصوصة اختارها الله لهم، لكن التأويل وجدته معززا عند الإنسان من غير هؤلاء الأنبياء وأولياء الله، بمعنى أن التأويل أيضا قدرة ذهنية للإنسان وقد ألهمه وحباه الله بممكنات خاصة به لمن شاء، ما يعني أن إنسان التأويل يمكن أن يكون نبيّا، ويمكن كذلك أن يكون مجرّد إنسان غير نبي، وكل نبي هو إنسان؛ ولذلك أسميت تجربة ‘الخضر’ بالتجربة التأويلية الخضريّة، وأسميت تجربة النبي يوسف بالتجربة التأويلية اليوسفيّة، وأسميت تجربة النبي محمّد بالتجربة التأويلية المحمّديّة. وفي هذا السياق جاءت تسميات أخرى”.

الكلام الإلهي لا يعادي التأويل عداء الند للند، ففي متنه آيات بينات حاثة على إعمال العقل، وقدحث الله الإنسان على الفهم والمعاينة الذهنية

وأضاف “حصرت اهتمامي في عقود القرن الأول الهجري، لكنني لا أنفي وجود آخرين يُحسبون على حقل التفسير والتأويل في حدود تلك العقود، إلا أنني لم أجد لهم الإضافة المميزة في حقل التأويل فكانوا طبقة أخرى يعلي من شأنها بعض المؤرخين بينما يُغيب آخرون هم الذين اشتغلت عليهم كما لو كانوا المسكوت عنهم في تأريخ التأويل العربي الإسلامي؛ بل لي بعض السبق عندما اشتغلت على هؤلاء المغيبين في الحقل التأويلي”.

وبخصوص العلاقة بين كتابه “فتنة الأسلاف” و”إنسان التأويل”، أشار إلى أن “كتاب ‘فتنة الأسلاف’ يتخصّص في الفلسفة الألمانية بينما كتاب ‘إنسان التأويل’ يتخصّص في الثقافة الإسلامية، لكنهما يلتقيان في حديقة التأويل، التأويل الذي يخوضه الإنسان في كلا التجربتين بحسب رؤيته ومنهجه الذي يختاره هذا الإنسان، لنفسه أو ينخرط فيه بإرادة إلهية مخصوصة كما بينت في كتاب’ إنسان التأويل.. هبة إلهية ومُكنة إنسية'”.

وقال حول اعتراض بعض النقاد على جملة من المفاهيم الواردة في الكتاب إنه “لا توجد تسمية تنال من أي اسم ظهر في الكتاب، الاعتراضات الشديدة كانت على تسمية ‘المحمّديّة’، وهنا أعتقد جازما بأن هذه التسمية لا تنال من مكانة النبي محمّد (ص)، لا من اسمه، ولا من موجوديته، لا نبوته ولا رسالته، كما أنها لا تضيف شيئا مزعجا على شخصه الأمين، ولا تجعل من نبوّته مدرسة تحد من مدرسة البُعد الإلهي أو الوحيوي أو تجعله مدرسة من دون إله ولا وحي. أقول لكل هؤلاء: إن المحمّديّة تبقى راسخة في المجال النبوي”.

13