تأييد السلفيين لتكفير الأقباط.. العودة إلى الأصول

بقدر ما أثارت تصريحات الشيخ المصري سالم عبدالجليل رفضا واستهجانا حين اعتبر أن المسيحيين “أصحاب عقيدة فاسدة” وهو ما عدّ تكفيرا لهم بل منازعة في مواطنتهم، إلا أن الأكثر خطورة كانت مواقف بعض التيارات السلفية من المسألة خاصة التي تخوض العمل السياسي ويفترض أنها تعلي قيم المواطنة ولا تأبه للانتماء الديني. تأييد الدعوة السلفية لتصريحات عبدالجليل هي تحريك للمياه الآسنة وسعي إلى توظيف الأزمة.
الاثنين 2017/05/22
مواطنون ضحايا أفكار متشددة

نظر العديد من المحللين السياسيين إلى مسارعة السلفيين إلى تأييد الشيخ الأزهري سالم عبدالجليل الذي خرج مؤخرا في الإعلام ليُكفر الأقباط ويؤكد أنهم لن يدخلوا الجنة، على أنه محاولة من التيار السلفي لركوب الأزمة الحالية بين الحكومة المصرية ومؤسسة الأزهر، وممارسة الضغوط على الدولة المصرية سعيا إلى اكتساب المزيد من المكاسب، فضلا عن رغبتهم في استعادة حضورهم بين جماهير البسطاء من المصريين.

وكانت الدعوة السلفية قد أصدرت الأربعاء بيان تأييد لتصريحات الشيخ عبدالجليل وكيل الأوقاف الأسبق عندما حكم عبر برنامج تلفزيوني بفساد العقيدة المسيحية، وهو ما أثار ريبة الكثيرين بشأن مغزى توقيت هذا التأييد السلفي للرجل، وقال البيان “إن المسيحيين واليهود كفار”.

والدعوة السلفية حركة دينية يتركز نشاطها في محافظة الإسكندرية (شمال مصر)، أسسها أطباء ومهندسون وخريجون من كليات علمية في العام 1977 ومنحوا أنفسهم صفة “المشايخ”، وتعتمد في نهجها التغييري على نشر المفاهيم السلفية في المجتمع، مخالفين نهج جماعة الإخوان المتعلق بالتغيير من خلال العمل السياسي، حيث رفضوا الانضمام إليها بعد قرار من قادة جماعتهم الأصلية وهي الحركة الطلابية الموسعة التي حملت اسم “الجماعة الإسلامية”، التي توزعت منذ ذلك التاريخ على عدة تيارات لكنها تنتمي إلى جذر سلفي أصولي واحد.

ومنذ قرار مشاركة التيار السلفي في العمل السياسي منذ العام 2011 والساحة المصرية تشهد المزيد من الاستقطاب الديني والاحتقان الطائفي حيث اعتمدت الأذرع السياسية لهذا التيار طريق البراغماتية في تعاطيها السياسي مصحوبة بتشدد ديني لأعضائه وشيوخه.

التأويل السلفي الانغلاقي سعى دائما إلى بسط نفوذه في الفضاء العام، ما مثّل رافدا رئيسيا لزيادة حدة الأزمات الطائفية، بدءا من حصار الكنائس بزعم الانتصار للإسلام، مرورا بتوظيف الدين في الاستحقاقات الانتخابية، وانتهاء بظهور الأصول السلفية لمرتكبي جرائم القتل والتفجير ضد الأقباط.

البعض من الخبراء ذهبوا إلى أن التيار السلفي غير راض عن التقارب بين القيادة السياسية والكنيسة الأرثوذكسية، وقالت مصادر وثيقة الصلة بالمشهد داخل هذا التيار “للعرب” إن البعض من قادة هذا التيار يراجعون مواقفهم الآن من السلطة الحالية في مصر، ويعتبرون المكاسب التي حصلوا عليها بعد ثلاث سنوات من حكم الرئيس عبدالفتاح السيسي قليلة جدا بالمقارنة بامتيازات حصلت عليها الكنيسة والمسيحيون، بالرغم من مشاركتهم- مثلهم مثل الكنيسة- في مشهد 30 يوليو 2013 ومؤازرتهم للسيسي ضد جماعة الإخوان.

التيار السلفي يلجأ إلى تعويض نزيف جماهيريته باستدعاء رصيده الطائفي، ويرى أن هذا المنحى أقل كلفة من انتقاد الحكومة

واتساقا مع هذه الرؤية فإن التيار السلفي خلال هذه المرحلة يسعى إلى إنتاج أنماط جديدة من الضغوط على الدولة، وأتى بيانه التضامني مع سالم عبدالجليل (الذي منعته وزارة الأوقاف من الخطابة والظهور الإعلامي) لتحقيق العديد من المكاسب السياسية في مرحلة تعاني خلالها مجمل فصائل التيار الإسلامي من أزمة معقدة تتعلق أساسا بفقدان الوسيلة التي تسترد بها حضورها في مشهد الأحداث، وقد اكتشف زعماء تلك الفصائل أن ركوب موجة أزمات الأزهر والمزايدة بها فرصة ذهبية لتحقيق تلك الأغراض.

السلفيون يطالبون بحريات أكبر في الساحة الدعوية، وينادون بعودة عشرات المساجد التي كانت تابعة لهم قبل عام 2015 خاصة بالإسكندرية إليهم، وبعودة دعاتهم للخطابة، وعدم التضييق على أنشطتهم الاجتماعية أو ظهورهم الإعلامي، علاوة على حرصهم على عدم تمرير قانون تنظيم الفتوى المزمع إصداره في البرلمان، ويرون أن هذه الإجراءات لا تتناسب مع مواقفهم المؤيدة للحكومة وما صحبها من هجوم عليهم من قبل الإخوان وحلفائهم، ويؤمن قادة الدعوة السلفية بأن ما يعتبرونه تضحيات من قبلهم قد قوبل بنكران وجحود من السلطة.

التيار السلفي يلجأ إلى تعويض نزيف جماهيريته باستدعاء رصيده الطائفي التقليدي، ويرى قادته أن هذا المنحى أقل كلفة من انتقاد أداء الحكومة والجهاز التنفيذي وبعض المواقف السياسية للرئاسة علنا وبشكل مباشر عبر نواب حزبه بالبرلمان، ومن هنا لعب بيان الدعوة السلفية التكفيري المطوّل- المزدحم بنصوص قرآنية- على وتر قناعات منتشرة بين العوام تحمل المسيحيين قدرا من مسؤولية التدهور الاقتصادي والمعيشي نظرا لقربهم من أجهزة الدولة.

العديد من الأصوليين والسلفيين يستسهلون طريق الهجوم على الأقباط كتعبير غير مباشر عن انتقاد الحكومة والرئاسة التي تحرص على إظهار دعمها للمسيحيين، ويتسق هذا السلوك مع أساليب التنظيمات التكفيرية المسلحة التي تعمد لاستهداف المسيحيين حال عجزها عن استهداف قوات الجيش والشرطة، وهكذا بات الأقباط في مرمى نيران الفتاوى التكفيرية وعبوات التفجير والانتحاريين، وهو ما ضاعف من هواجس الأقباط وجعلهم أكثر حذرا في التعاطي المجتمعي وأكثر التصاقا بالسلطة.

منظرو التيار السلفي يتعاملون مع الآخر المختلف في العقيدة من منطلق مفهوم “الولاء والبراء” الديني، فمحبة المسيحيين محرمة شرعا، وعلل أحدهم خلال رسالة منشورة موافقتهم على بناء الكنائس في مواد دستور عام 2012 الخاصة بدور العبادة وعدم أخذ الجزية من “النصارى” بضعف المسلمين وتدهور أحوالهم في الوقت الحالي، ولذلك فهم يبيحون هدم تلك الكنائس ما لم يتسبب ذلك في ضرر للمسلمين.

علاوة على ذلك يواجه قادة الدعوة السلفية تحدّ آخر، وهو مطالبات الشيوخ السلفيين الممتعضين من العمل الحزبي دون مردودات إيجابية بالانسحاب من السياسة التي سببت لهم خسائر نتيجة ما وصفوه بالتنازل عما يعتبرونه ثوابت دينية.

السلفيون يلجأون الآن إلى ممارسة الضغوط على الدولة من خلال العديد من الملفات، خاصة الملف الطائفي لإثبات أنفسهم كطرف مؤثر قادر على المناورة لاستعادة رصيده السياسي، ويحرص عموم هذا التيار على الترويج لصورته كتنظيم يدافع عن النقاء الإيماني في مواجهة “الكفار”، تأكيدا على التمسك بالمزاوجة بين البراغماتية السياسية والمزايدات الدينية.

الخبير السياسي المصري بشير عبدالفتاح أوضح أن هذا الموقف الأخير يتسق مع مواقف سابقة لتيار السلفيين حرموا فيها السلام على المسيحي وتهنئته في أعياده، ووصف في تصريحات “للعرب” ممارسات التيارات السلفية بالخداع وبتوظيف الدين لجذب جماهير المتعاطفين مع القضايا الدينية لنيل ثقتها من منطلق كونها مدافعة عن الثوابت وليس من منطلق كفاءتها السياسية.

وشدد على خطورة هذا الحضور السلفي من جهة تأثيره على قطاعات واسعة لا تمتلك الوعي الكافي بشأن تفصيلات تلك القضايا وهو ما ينتج عنه في العديد من الحالات ارتكاب جرائم إرهابية بمرجعية سلفية.

وتوقع ألا يكون للأحزاب التابعة لجماعات دينية مستقبل في المشهد السياسي المصري إذا استمرت في الخلط بين “الديني المطلق” و”السياسي النسبي”، وعدم احترام ما تعهدت به بأن تصبح أحزابا مدنية ملتزمة بأصول وضوابط وأدبيات العمل الحزبي ومستوعبة لفكرة المواطنة.

خبراء في الإسلام السياسي شددوا على خطورة غض الدولة ولجنة شؤون الأحزاب الطرف عن ممارسات تلك التيارات التي تغذي نزعات تمزيق النسيج الوطني وتعمق من الانقسام المجتمعي على أساس طائفي، وكانت الجماعة الإسلامية قد تضامنت هي الأخرى مع موقف سالم عبدالجليل عبر مقال لمفتيها الشرعي عبدالآخر حماد، ومعروف أن الجماعة الإسلامية تحظى هي الأخرى بحزب سياسي يعبّر عنها هو حزب البناء والتنمية.

إضافة إلى كل هذا فإن البعض من المحللين ربط بين تكفير شخصيات أزهرية ذات ماض سلفي وإخواني للأقباط وما أعقبه من تأييد من الجماعات السلفية وبين زيارة البابا فرنسيس الثاني بابا الفاتيكان قبل أيام لمصر، حيث يُراد إفراغ الزيارة من مضمونها والتقليل من قيمتها والخصم من نتائجها، علاوة على إعاقة مواصلة الأزهر تحقيق مكاسب غالبا ما تأتي على حساب حضور التيارات الدينية.

وكانت هذه الزيارة التاريخية قد عزّزت من قيم ومفاهيم لا تتوافق مع أطروحات التيار السلفي المتشددة حيال الأقباط، علاوة على أنها دعمت وضعية الأزهر من جهة رسالته التنويرية التجديدية وهو ما يناهض مساعي التنظيمات الدينية بشأن ترسيخ الحضور التقليدي للأزهر بإظهاره كمكوّن سلفي لا يختلف تعاطيه مع قضايا الشأن العام عن تعاطي التيار الأصولي المتشدد.

13