"تائه لشبونة" يعيد إلى القارئ فضول الاكتشافات الكبرى

الأربعاء 2014/06/11
رواية دالوين تفتقد إلى حيوية الحكي

بعد حديثه عن إيسلندا والمحيط الأطلسي الشمالي في كتابه “جون الإيسلندي”، يرجع الكاتب الفرنسي “برونو دالوين” المولود بمدينة أنيسي سنة 1963، في كتابه “تائه لشبونة”، بالتاريخ من جديد في سرد لرحلات بحرية، يستدرج من خلاله القارئ إلى قلب الاكتشافات الكبرى للقرن السادس عشر التي أظهرت قارات جديدة للأوروبيين، مستلهما من سياق تاريخي دقيق ومن شخصيات كانت موجودة في الواقع خلال أغلب أحداث كتابه، الذي أطلق فيه العنان لمخيلته كحكواتي دون أن يتعدّى أبدا حدود الإطار الواقعي.

يحكي “برونو دالوين” في كتابه “تائه لشبونة” مغامرات جواو فاراس، وهو يهودي غيّر ملته واعتنق المسيحية، ويعمل طبيبا وعالم فلك. انطلق فاراس من لشبونة على متن باخرة ضمن الأسطول الكبير لـ”بيدرو آلفاريس كابرال” باتجاه صوفالا (الموزمبيق) لإنشاء وكالة تجارية أجنبية هناك.


العالم الجديد

دون أن يثقل سرده بالمعارف الموسوعية حول تلك الرحلات الاستكشافية العظمى، يروي “دالوين” ظروف العيش الرهيبة على متن السفن من إمكانية الإصابة بدوار البحر والتعرض إلى خطر العواصف والجوع والخوف من المجهول ومن الضياع، هذا إلى جانب الابتعاد عن الأهل والأحبة والإحساس بالعزلة. كما يمنح الكاتب للشخصية الرئيسة هيئة لا تبدو بطولية، إذ نسمعه يقول: “حين كنت بالبحر مجبرا على العيش في ذلك الوضع بالقرب من الحميمية المقززة لرفاقي، كان ذلك يجعلني أتقيأ. لذلك السبب (….) كنت أتهاون في أداء الواجبات الملقاة على عاتقي”.

بعيدا عن شخصية الشجاع المثابر المقدام، كما هي حال قباطنة تلك السفن، يبدو فاراس أدنى من أن ينال تعاطف القارئ كله، لكنه رغم ذلك يشدّه. هذا الأخير متعطش لاكتشاف تلك الأراضي الجديدة، ليفهم كيف أن دولة صغيرة كالبرتغال كانت تسيطر على جزء مهم من العالم الجديد، فهؤلاء “اليونانيون واللاتينيون كانوا بالكاد يجرؤون على الخروج من البحر الأبيض المتوسط. أما نحن البرتغاليون، فنعرف أكثر منهم بعشر مرات، ولم ننته بعد، أنت تعرف ذلك جيدا. لقد علمنا خلال بضعة عقود أكثر مما علمه القدامى في ألف عام”.

لما تثيره الغرابة والفضول، يحس فاراس بحماسة رؤية البلاد الجديدة كالبرازيل، وعن ذلك يقول: “أرض فيرا كروز تلك، التي حسبتموها مجرّد جزيرة بسيطة، إنها ليست يابسة متماسكة حقيقية فحسب، بل لديّ قناعة أن الأمر يتعلق بعالم لم يُعرف قط حتى الآن، إنه عالم لا علاقة له بما وصفه القدامى أو ماركو بولو. نَعم، عالم جديد”. ويصيبه الذهول أمام تلك الشعوب المكتشفة، وأمام السبل البحرية الجديدة، إضافة إلى الوسائل التقنية المستعملة في تلك الحقبة لرسم الخرائط، نلفيه يرسم ملامح العالم الراهن بطريقة مستوحاة من النصوص والوثائق القديمة.

يمنح الكاتب للشخصية الرئيسية جواو فاراس هيئة لا تبدو بطولية كما هي حال القباطنة القدامى


بؤس اليابسة

خمسة عشر شهرا من الإبحار، مركزة في فصل واحد، تقلب كيان رجل، وتصيب أعماق روحه الواهية جراء ظروف الإبحار الصعبة، المكتظة بالعنف النفسي والجسدي الذي كان عليه تحمّله دون القدرة على نسيانه أبدا. عند عودته إلى لشبونة، كان فاراس رجلا مكتئبا منهارا ومصابا بصدمة عصبية ستلازمه إلى الأبد. كان ضحية “كوابيس، أرق، صور مفزعة تنبثق من ماض، كان مع ذلك يحاول أن يتحاشى التفكير فيه”.

فضلا عن ذلك، فهو فاقد الحظوة، مغضوب عليه من طرف الملك، ولا يقوى على مجابهة البحر مرة أخرى، محكوم عليه بممارسة مهنته الأساسية (طبيب) دون مؤهلات ودون أيّ تعاطف تجاه المرضى. العودة إلى الحياة على اليابسة امتحان مرير، يجعله بائسا، عديم البهجة وساخطا محتقنا. زوجته تغيرت والحانة أصبحت ملاذه إلى أن صادف رجلا إيطاليا ثريا غريب الأطوار سيقترح عليه سرقة نسخة من الخارطة الملكية، الـ”بادراو ريال”، التي تتضمن تدوينا لكل الاكتشافات الجغرافية، وتطرح جردا لعالم يُستكشف، “إحدى الوثائق الأكثر اكتنازا وتحصينا بالمملكة”. هي دسيسة وجيزة ستُحل بسرعة، ليس لها وزن إلا في أجواء المدينة التي تُروى بداخلها، المدينة الضاجة النشيطة التي تنادي وتحرك كل الحواس، وصورة ذلك “الحركة على جانب المرسى، بائعات السمك، الباعة المتجولون، التنشيط حول المصب الخليجي، السلع الأجنبية الفريدة، الرنات الصوتية، الروائح العبقة”.

خمسة عشر شهرا من الإبحار، في فصل واحد، تقلب كيان رجل، وتصيب أعماق روحه الواهية جراء ظروف الإبحار الصعبة


ملامح غامضة


إنها رواية تلقينية تثقيفية، ترصعها وقائع تاريخية دقيقة كذلك، حين يعرض الكاتب المصير المحتوم ليهود تلك الحقبة وكذلك المسيحيين الجدد، الاضطهاد الذي تعرضوا إليه بشكل خاص “بدعة! ضلالة! دمّروا هؤلاء القوم الكريهين! (….) لقد كان ذلك مروّعا. كانت الأبواب تُكسر، الرجال يجرّدون من ملابسهم الداخلية. إذا تبيّن أنهم خضعوا للأعذار كانت نهايتهم وعائلاتهم”؛ حين يستحضر بحماسة وذهول مُعدٍ، الزلزال أو الطاعون اللذين جعلا الملك ومجموعة من النبلاء يفران من لشبونة.

يُقرأ نص الرواية في مجمله دون عناء، فالأسلوب سلس وأنيق، يبقى مقنعا حتى وإن كانت الشخصيات الأخرى تفتقر إلى شيء من اللحاء والعمق. باستثناء فاراس، الكل حوله يبقى غامضا، ثانويا لا يستهوي ولا يشدّ انتباه القارئ، فيظهر من هذا الباب، مغمورا بشيء من السذاجة ودون شخصية حية تذكر. تؤكد ذلك الحوارات التي تغوص في نبرة قليلة من الفصاحة، وتفتقد إلى حيوية الحكي.

قد يغدو من الصعب التعلق بإحدى تلك الشخصيات ما دام فاراس نفسه، بضبابيته وتقشفه، لا يبدو دائما على استعداد ليسهل مأمورية القارئ في مسايرته أو التعاطف معه. لكن هذا لا يمنع أن تكون تلك القصة غنية بالفوائد والأفكار، ومثيرة للاهتمام، فهي فضلا عن ذلك، دعوة حقيقية إلى السفر، وصحوة لفضولنا ومحفز لحب اطلاعنا. دون شك، إن هذه الرواية فتنة، تفتح الشهية للذهاب بعيدا، ولمواصلة الإبحار والاستسلام لأهواء مراكب تمخر عباب تلك البحار النائية.

14