"تاتش" فيلم سوري ينتقد الهوس بمواقع التواصل الاجتماعي

الأربعاء 2018/02/07
"الإيموجي" يطاردنا في كل مكان

دمشق - بعد أن برز اسم إسماعيل آنزور كثاني مخرج لفيلم في تاريخ السينما السورية “تحت سماء دمشق”، وهو الفيلم الوحيد الكامل في أرشيفها، بعد أن تلف الفيلم الأول “المتهم البريء” الذي أخرجه أيوب بدري، ظهر إثره بسنوات نجله نجدة إسماعيل آنزور الذي حقق في مجال السينما قفزات نوعية، فهو من أهم وأقدم من أخرج للسينما في الأردن من خلال فيلم “حكاية شرقية”، عن سيناريو عدنان مدانات.

كما حقق لاحقا آنزور الابن في مجال الدراما التليفزيونية العربية نقلات هائلة، تمثلت بعمله على المدرسة البصرية في تكوين كادر الصورة، بدأت بمسلسله الشهير “نهاية رجل شجاع”، سيناريو حسن م. يوسف المأخوذ عن رواية بنفس العنوان للكاتب حنا مينه، ويبدو أن الحفيد يزن نجدة آنزور سيتابع خطاه على دروب السينما محققا قفزات هامة في السينما الشابة السورية على طريقة والده وجده.

انتسب يزن نجدة آنزور في عام 2017 لدبلوم العلوم السينمائية وفنونها، الذي تقيمه المؤسسة العامة للسينما السورية، التابعة لوزارة الثقافة في سوريا، وقد نال فيها المرتبة الأولى بين الخريجين، متفوقا على 30 طالبا وطالبة، وقدم خلال هذا الدبلوم مشروعه السينمائي فيلم “خبز”، بمشاركة زميله عبدالله السيار، وهو فيلم يتحدث عن الأطفال وما يعانونه في زمن الحروب، وكيف يتعامل رجل أصم مع طفلة صغيرة، ويقوم يوميا بتوزيع الخبز عليهم في الحي الفقير الذي يعيشون فيه، إلى أن يلقى نهاية مأساوية على يد قناص مجهول، وحاز الفيلم في مهرجان سينما الشباب والأفلام القصيرة في العام الماضي على جائزة أفضل إخراج.

في جديده، يقدم آنزور الحفيد فيلما يحمل عنوانا غريبا “تاتش”، وهو فيلم اجتماعي بحت، يدور موضوعه عن هيمنة حالة استخدام التقنيات الحديثة في مجال الاتصالات على عقول الناس، بحيث ينغلقون على هواتفهم الجوالة، وتكون حيواتهم محتكرة من قبل متابعة عدد “اللايك” أو الرفض أو التعليق على أفكارهم ونشاطاتهم.

وفي الفيلم قصة بسيطة عن رجل منغمس في هذه الحالة، يحاور لفترات طويلة في الليل إحدى الفتيات، فتكتشف زوجته الأمر وتواجهه به، لتبدأ بينهما حالة من النزاع، فتغادر الزوجة ويعيش هو في هالة من الذكريات والوحدة، ينزل إلى الشارع فيرى أن الجميع يحملون وجوه “الإيموجي”، وينغلقون على أجهزتهم كما كان يفعل، وتبدأ المطاردة العنيفة بين هؤلاء وبينه.

الفيلم يقدم فئة من أفراد المجتمع الذين تحولوا من مستخدمين لأدوات التواصل الاجتماعي العصرية إلى منغلقين عليها

الفيلم يستعرض في هذه اللقطات حجم الابتعاد الذي يعانيه الناس عن بعضهم، من خلال طريقة استخدام هذه التقنيات، رغم أن الحيز الجغرافي الذي يجمع عاشقين مثلا هو مقعد حديقة قريب، وهما يقعدان على ذات المعقد، لكنهما يتخاطبان من خلال الجوال، كذلك الأمر بالنسبة للأم التي تغفل عن ابنها، الطفل، فتتركه خلفها في الحديقة لتصوّر نفسها بجوالها، ثم تكون النهاية بأن يصل إلى زوجته على سطح بيتها، تلتفت إليه وتكون الوحيدة التي لا يحمل وجهها قناع “الإيموجي”، تبتسم له، يتعانقان، وتتحطم عند الناس أقنعة “الإيموجي”، ويعودون أناسا طبيعيين، بحيث يخاطب العاشقان بعضهما بسعادة، وتهتم الأم بطفلها، ويتحرك الجميع في حيواتهم بشكل طبيعي، بعيدا عن الجوالات وتزول الأقنعة على وجوههم.

ويذهب فيلم “تاتش” الذي جسد البطولة فيه كل من حمادة سليم ومرح زيتون بعيدا في مخاطبة الناس عن إنسانيتهم التي تكاد تختفي، تحت ضغط حالة الهذيان بالأساليب المبتكرة من حالات التواصل عبر وسائط الاتصالات الحديثة، وبالطبع فإن الفيلم يستنكر ما حدث من تشوهات في البنى الاجتماعية والعلاقات الطبيعية حتى بين عاشقين أو زوجين أو أم وطفلها.

“تاتش” يقدم عبر دقائقه الاثنتي عشرة، حقيقة صادمة يعيشها جزء من أفراد المجتمع في حياتنا المعاصرة، حيث تحوّلوا من مستخدمين لأدوات التواصل الاجتماعي العصرية إلى منغلقين عليها ومهووسين بها، بحيث صاروا جزءا من هذه الأدوات التي سيطرت على عقولهم آلياتها وأفكارها، فباتوا في مجتمعات افتراضية أغلقت حدود الحياة الاجتماعية الطبيعية وأوجدت أنماطا جديدة، باعدت بين أقرب الناس بعضهم بعضا وجعلتهم مسلوبي الإرادة.

16