"تاجماعت" تحدد مهور الزواج للأمازيغ في الجزائر

أمام الارتفاع المذهل لنسب العنوسة في المجتمع القبائلي، أي الأمازيغي في الجزائر، فقد بلغت مستويات قياسية لم تعهدها المنطقة خلال العقود الماضية، أطلق مجلس أعيان القرى والبلدات البربرية، مبادرة تتضمّن تحديد سقف أقصى لمهور الزواج، وتخفيف نفقات الأعراس، فضلا عن تسليط غرامات وعقوبات اجتماعية تصل حدّ المقاطعة الجماعية للأشخاص والأسر التي تتمرّد على تطبيق العرف المتفق عليه.
الجمعة 2015/06/05
أعيان القبائل الأمازيغية، في الجزائر، فرضوا سقفا لمهور الزواج للحد من ظاهرة العنوسة المتزايدة

اجتمع مجلس الأعيان وعقلاء القرى والبلدات البربرية بمحافظة تيزي وزو، البعيدة نحو 100 كلم شرقي الجزائر العاصمة، من أجل بحث مسألة العنوسة التي باتت تهدّد المجتمع المحلي، خلال السنوات الأخيرة، وتم الاتفاق في هذا المجلس المعروف محليا باسم “تاجماعت”، أي الجماعة، على العودة إلى النظام القديم المطبق في المنطقة، والقائم أساسا على تقديم مهور رمزية متاحة لجميع الفئات الاجتماعية.

وتمتلك تاجماعت، وهي هيئة أهليّة تتشكّل من أعيان وعقلاء البلدات والقرى والأحياء الأمازيغية، سلطة معنوية يخضع لها السكان، وتختصّ في فكّ الخصومات والخلافات العائلية، وحلّ المشاكل الاجتماعية بين الأسر، وتنظيم الأعمال التطوعية والخيرية، كإعانة الفقراء والمساكين وبناء المشروعات ذات المصلحة العامة.

كما تشرف على “الوزيعة”، وهي أعمال تضامنية تنظم موسميا لتوزيع الحاجيات الغذائية والذبائح بين سكان القرية الواحدة بالعدل والمساواة، مما يسمح للفقراء والمساكين بتغطية نفقاتهم من الغذاء واللحوم، وخاصة في المناسبات الدينية.

مجلس تاجماعت شدّد، في اجتماعه الأخير، على ضرورة العودة إلى النظام القديم في تنظيم تكاليف الزواج ومراسمه، بإعادة فرض سقف محدد على المهور وتخفيف أعباء الأعراس للسماح للشباب بالإقبال على الزواج، فضلا عن محاربة ظاهرة العنوسة التي تفشت كثيرا في المناطق ذات الكثافة الأمازيغية.

المشاكل الجديدة تعود، في نظر المجلس، إلى هيمنة عادات وتقاليد دخيلة، أدّت إلى طغيان مظاهر الترف والبذخ والإفراط في رفع مهور الأعراس ومختلف مستلزماتها.

المجلس قرّر أن يكون المهر رمزيا، ولو كان خاتما من حديد، شرطا وحيدا لولي البنت على الخطيب، وحددها بقطعة نقدية من فئة 100 دينار جزائري (1 دولار أميركي) والاكتفاء بأدنى الضروريات في جهاز العروس (طقم محلي)، وبالكسكس مع قليل من اللحم ودون تقديم الفاكهة في أعراس المنطقة ابتداء من هذا الصيف.

60 بالمئة من الأمازيغيات، ممن تجاوزن 28 عاما، غير متزوجات

وفي المقابل، أقرّ معاقبة من يتجاوز تلك التسهيلات بغرامات متفاوتة أو تقديم مثل ما قدمه في العرس لسكان البلدة، مع إمكانية مقاطعة سكان المنطقة بشكل جماعي لمن يخالف العرف القديم المتجدّد.

ويقول مختصون أن الاحتكاك اللافت لأهالي المنطقة بالذهنيات الأوروبية، نتيجة الهجرة الكثيفة نحو فرنسا والجالية القبائلية في أوروبا، حمل معه تحوّلا ملحوظا في العادات والتقاليد المحافظة التي تتميّز بها المنطقة منذ عقود، فقضاء هؤلاء لإجازاتهم السنوية في مسقط رأسهم، نقل معه عادات وتقاليد غربية تحوّلت بمرّ السنين إلى معضلة اجتماعية وخيمة.

وتذكر إحصائيات كشفت عنها دراسة اجتماعية، مؤخرا، أنّ قرابة 60 بالمئة من فتيات المنطقة، اللائي تجاوزن سن 28 عاما، غير متزوجات وأنهن تحت شبح العنوسة، وهو ما يثير مخاوف انتشار ظاهرة الدعارة والبيوت السرية من جراء تراجع فرص الزواج في أوساط الشباب.

وتضيف الدراسة، التي أنجزتها جامعة مولود معمري بتيزي وزو، أن الهرم السكاني لمحافظة تيزي وزو يتشكل من مليون و570 ألف نسمة، يزيد عدد النساء فيه عن 823 ألف امرأة، وفق إحصائيات المسح السكاني لعام 2013، وهو ما يعني أن أكثر من نصف المجتمع بتيزي وزو هو من النساء، لا سيما أن أكثر من 281 ألف شابة عزباء يفوق سنهن 28 عاما.

وفي هذا الشأن يقول الناشط الاجتماعي، بلعيد محند آمقران، من بلدة بوزقن أنّ ما توصل إليه مجلس تاجماعت سيفيد الشباب الفقير والمعوز في إتمام نصف دينهم، بما يتوفر لهم من إمكانيات، والتدابير التي اتخذها ستجعل الزواج غير منحصر في الكماليات والبذخ الذي صنع حواجز اجتماعية وأدى إلى تفشي ظاهرة العنوسة والعزوف عن الزواج.

وأضاف آمقران أنّ “البنت يجب ألا تتحوّل إلى بضاعة تقوّم بالمال والجواهر والهدايا الثمينة، وما حصل في المجتمع الأمازيغي هو انحراف عن الأصول والعادات والتقاليد العريقة، والعودة التي أوصى بها مجلس تاجماعت هي وصفة اجتماعية تعالج الكثير من الأمراض والظواهر السلبية”.

الأعراف والتقاليد الاجتماعية لا تزال صاحبة سلطة ومحل احترام والتزام، خاصة في البلدات والقرى الريفية

وعن فرص تجسيد هذه التوصيات على أرض الواقع، أكد آمقران أن الأعراف والتقاليد الاجتماعية لا تزال صاحبة سلطة ومحل احترام والتزام، خاصة في البلدات والقرى الريفية، وإن أدار البعض ظهره لها فلن يكون بالشكل اللافت أو المؤثر، بما أن أغلبية الساكنة في منطقة القبائل ما زالت تبجّل المجلس أكثر من مؤسّسات الدولة، على حدّ قوله.

وسبق لجمعيات أهلية ولجان مدنية أن دعت لتفعيل دور مجلس تاجماعت، لما له من سلطة معنوية على سكان المنطقة، وقوّة اجتماعية تمتثل لها الأسر المحلية، من أجل العودة إلى العادات القديمة الفضيلة، وإنقاذ بنات القبائل الأمازيغية من العزوبــة المدمرة.

ويعتبر مجلس تاجماعت أبرز سلطة أهلية تسنّ الأعراف والسنن الاجتماعية التي تنظم العلاقات بين الأفراد والمجموعات، وتفك الخلافات والخصومات بمنطقة القبائل، وينتشر وجوده في أماكن انتشار الأمازيغ، إذ توجد تاجماعت في منطقة القبائل، شمال الجزائر، وتطبق “العزابة” في بني ميزاب بمحافظة غرداية، الواقعة على بعد 600 كلم جنوبي العاصمة، وتوجد “الجماعة” في الإقليم التاريخي، المسمى بـ”صنهاجة”، على حدود القبائل.

ونظرا للحساسية السوسيولوجية لهذا التنظيم الاجتماعي، فإن السلطات الرسمية تتفادى التدخّل في شؤون تلك الهيئات وتتعامل معها باحترام، لما لها من هيبة في المجتمع القبائلي، قد لا تحظى بها هيئات رسمية، ويتم اللجوء إليه في بعض الأحيان لاحتواء المشاكل القائمة بين السكان ومؤسّسات الدولة.

وإن كان تاجماعت يضطلع بالمسائل الاجتماعية في منطقة القبائل، فإن العزابة يذهب أبعد من ذلك، كبناء مدارس مستقلة ومساجد وفرض برامج تعليمية لا تمت بصلة للبرنامج الدراسي الحكومي، ويدفع أجرة الأساتذة والمعلمين والأئمة، ويمتد نفوذه إلى خارج محافظة غرداية، بما فيها العاصمة والمدن الكبرى، حيث توجد إحدى المدارس التابعة لتنظيمه بحي الحميز على نحو 20 كلم شرقي العاصمة.

20