"تاد" في معرضه الثاني عشر رغم الرحيل

القاهرة تستعيد مسيرة الرسام ناجي شنبو الناهل من ينابيع الوعي الشعبي.
الاثنين 2020/10/26
أسلوب شاعري ساخر يميل إلى السريالية

تمثل الموروثات الشعبية جزءا من ذاكرة الإنسان المصري، وتعكس علاقته بكل ما يحيط به من موجودات، وهي علاقة بدأها منذ فجر التاريخ، وشكّل بها منظومة حضارية متكاملة بكل مقوماتها الثقافية والإنسانية والوجدانية، لذلك يميل إلى حب الماضي، وهو ما أسهم في ازدهار فنونه القديمة.

القاهرة – افتتح الأحد، بغاليري بيكاسو بالقاهرة معرض استيعادي لأحد أبرز التشكيليين المصريين، وهو الفنان الراحل ناجي ميشيل شنبو الشهير بـ”تاد”، حيث تغوص الرسومات في التضافر الفريد بين الأصالة والمعاصرة، كما قدّمه الإبداع الذي يتسلل من ثنايا أعماله عبق يستدعي ذكريات التجوال في الحارة المصرية، ليأخذ المتلقي إلى قلب الحياة في المحروسة مصر، لاسيما واقع البسطاء والباعة والمشترين في الأسواق الشعبية.

إحياء الذاكرة

تاد الذي توجّه إلى ينابيع مصر، وقدّمها وفق رؤيته الخاصة، لم يصوّرها كما تبدو بشكل مباشر ولم يحوّرها أو يغيرها، لكنه خرج بها في صورة، أو بالأحرى توليفة متنوعة تتغنى بتفرّد، وهو الذي سلّط الأضواء على دراما الحياة فيها، وأبطالها الحقيقيين، مثل باعة الفاكهة والعرقسوس والبطاطا والخبز والسقا والبوسطجي، إضافة إلى احتفائه بالمرأة والحب والسلام وبثّ الإحساس بالسعادة والتفاؤل، من خلال أسلوب شاعري ساخر يميل إلى السريالية.

ورغم رحيله عام 2007 لا تزال أعماله التي نُشرت في مجلتي “صباح الخير” و”روزاليوسف” منذ عام 196، وجريدتي “الأهرام إبدو” و”إيجيبشين جازيت”، حاضرة في الذاكرة المصرية، وموضوعا لمعارض استيعادية تُقام من حين إلى آخر.

ويقول رضا إبراهيم مدير غاليري بيكاسو بالقاهرة الجديدة لـ”العرب”، هذا المعرض يأتي في إطار المعارض الاستيعادية التي يهتم بها الغاليري، فإذا كانت محركات البحث العالمي على شبكة الإنترنت تحتفل بهم وتقدّرهم، والمزادات الدولية تشهد بيع أعمالهم بأرقام كبيرة، فهل يليق أن تقصر القاعات المصرية في تكريمهم؟

لوحات تاد توثيق للحياة اليومية والمهن التراثية، حيث يتسلل من أعماله عبق يستدعي ذكريات التجوال في الحارة المصرية

وتعمل مثل هذه المعارض على إحياء الذاكرة الفنية عند المتلقين والمقتنين، ويُعد معرض تاد بغاليري بيكاسو، نوعا من التعبير عن امتنان عميق لمبدع قدّم الكثير للفن المصري.

ويضم المعرض نحو 30 عملا تلقي الضوء على جوانب عديدة في تجربته ومسيرته المهمة، والتي تحرّر فيها من القواعد الأكاديمية للفن، وحفر لنفسه مكانة مستقلة بين أبناء جيله والأجيال التالية بعده.

ويضيف إبراهيم “كانت العلاقة مع تاد ممتدة منذ التسعينات من القرن الماضي وحتى وفاته، وأستطيع القول بصدق إنه على المستوى الإنساني كان شديد البساطة، وقد رسم المصريين بالبساطة نفسها، وجاءت أعماله تأريخا لحياتهم، واحتفى بالحرف التراثية والمهن الشعبية ومتواضعي الحال، مثل القهوجي والبائع وعسكري المرور، والاهتمام بمهن اندثرت أو في طريقها إلى الاندثار، مثل ساعي البريد وبعض الحرفيين”.

ويكتشف الزائر للمعرض المقام في الفترة من 25 أكتوبر حتى 15 نوفمبر المقبل، لماذا استطاع الفنان تاد أن يستحوذ على إعجاب قطاع كبير من قراء مجلة “صباح الخير”، فحين يتأمل أعماله يلمس بنفسه تماهي أسلوبه مع الطابع الشبابي الساخر  للمجلة، الذي يبعث على البهجة والتفاؤل، ويحتفي بالجمال والتحرّر الفكري عبر أسلوب رصين.

وعندما يغوص المتلقي في أعماله ذات القياسات الصغيرة المرسومة بالحبر الأسود والألوان المائية، قد يستدعي من الذاكرة المقالات التي صاحبتها أو للبابين اللذين أسهم في تقديمهما بها، وهما “نادي القلوب الوحيدة” لمدة عشر سنوات، وباب لوحات “أنا والحياة” لمدة عشرين عاما، وقد يتذكّر المرء رسومه لمقدّمات بعض الأفلام الكوميدية أو الاجتماعية. ومن خلال ذلك كله تفجرّت لمسات فرشاته المليئة بشحنات من مشاعره وأحاسيسه وألوانه المشرقة بدرجات ناصعة الطاقة داخل جمهوره.

الزوجة الملهمة

جيهان سلامة: منذ وفات تاد وحتى الآن، نظمت 12 معرضا إرضاء لروحه
جيهان سلامة: منذ وفات تاد وحتى الآن، نظمت 12 معرضا إرضاء لروحه

مثلما كانت أعمال تاد تحمل نبض الشارع المصري، عبّرت أيضا عن رؤيته للمرأة وانحيازه المستمر لها، وأبرزت تقديره لمشاعرها وتوجساتها، فتناول عالمها الخاص بعذوبة واحتواء.

كانت زوجته جيهان سلامة، ملهمته وجسره إلى المزيد من فهم لغتها واستيعاب هذا العالم الغامض دوما، لأنها كانت زوجة وحبيبة وصديقة، وتدرك جيدا طبيعته كفنان يتوق إلى الحرية وتلتف حوله المعجبات، فلم تحاصره أو تقيد رسمه لأخريات.

وقالت لـ”العرب”، “أحببت تاد منذ طفولتي من جانب واحد في البداية، حيث نشأنا في حي مصر الجديدة، وكنت أرقبه عن بعد دون أن يلتفت إليّ، وظل الحال هكذا حتى جمعت الحياة بيننا، وعشنا أروع قصة حب قبل الزواج وبعده”.

ومن هنا اهتمت السيدة جيهان بتنظيم معارض له في مناسبات خاصة، كعيد ميلاده وعيد الزواج، ومنذ وفاته وحتى الآن نظمت 12 معرضا لإحساسها أن ذلك يرضيه في مثواه الأخير.

وتعرف زوجة الراحل جيدا ماذا يعني له الفن، حتى ظل يرسم في المستشفى رغم تدهور حالته الصحية، وربما لا يعرف كثيرون بمرضه وعدم ذهابه لمجلة “صباح الخير”، لأنه كان يقدّم أعماله وتنشر فيها، وهو على فراش المرض. ورأت زوجته أن سبب وفاته الأساسي، هو حالة الاكتئاب التي أصابته بعد توقف يده عن الحركة وعجزه عن الرسم.

وأوضحت سلامة “ليست العاطفة وحدها وراء ما أنظمه له من معارض، إنما التقدير أيضا لدوره كفنان وناقد ورائد كبير، وإلقاء المزيد من الضوء على تجربته ومسيرته المهمة التي تحرّر فيها من القواعد الأكاديمية للفن، وحفر لنفسه مكانة مستقلة بين أبناء جيله والأجيال التالية بعده، وهو الذي لم يتلق دراسة أكاديمية”.

وتابعت “عندما التحق للدراسة بمعهد دافنشي للفنون تعرض لواقعة طريفة، وهي أن المُعلم طلب من الدارسين رسم تمثال وضعه أمامهم، فإذا بتاد يرسمه ببراعة أبهرت الأستاذ، وقال له لا أرسم الطبيعة الصامتة أو شيئا ثابتا، أريد أن أرسم الحياة، وعندئذ نصحه بالتوقف عن الدراسة، ويترك نفسه لموهبته الفطرية تفعل به ما تشاء، وأهم ما يميز فنه التلقائية في الخطوط والتناول والألوان”.

الراحل رسم على طريقته جميع المهن الشعبية
الراحل رسم على طريقته جميع المهن الشعبية

وحول خصائص المعرض الجديد قالت لـ”العرب”، “معظم أعمال المعرض تنتمي إلى الحياة الشعبية، كان تاد مغرما برسم الشوارع، ومن ذلك ما جاء في أعمال الأديب نجيب محفوظ، ويرتبط ذلك بحبه لتجسيد الجمال الحي لا الساكن، فكانت عينه تلتقط الجمال الحقيقي الكامن داخل الناس والعادات والتقاليد الأصيلة في كل مكان ويرسمها”.

ورفضت زوجته التشبيه الذي قاله صديق ذات يوم، من أن تناول تاد للتراث أو الحياة الشعبية جاء بنظرة برجوازية أو أرستقراطية، في إشارة إلى نشأته في حي راق، أو بسبب أصوله الأوروبية من جهة الأبوين معا.

كان تاد مصريا في انتمائه ومشاعره حتى النخاع، ولم يكن يرسم في مرسمه فقط، إنما كان ينزل إلى المقاهي في أكثر الأحياء شعبية، كي يكون قريبا من الناس فيعبّر عنهم بصدق ومن القلب، وجلست معه زوجته في مقاهي القاهرة القديمة، وهي ترقبه في أثناء الرسم.وتستعد جيهان سلامة لإقامة معرض جديد آخر، انطلاقا من إصرارها على أن تاد لا يزال على قيد الحياة، مؤكّدة أن الفنان يبقى حيا بفنه، فالفن الأصيل لا يموت.

وحول فكرة المعرض القادم كشفت لـ”العرب”، أنه سيكون تحت عنوان “عشق وعذاب”، وسيتضمن شقين، الأول: رسوم تعبيرية بالغة الحزن وتشي بالمشاعر النبيلة، وهي رسوم قدّمها بعد وفاة والدته حزنا عليها، وكان شديد التعلق بها، وهي التي اختارت له اسم الشهرة “تاد”، الذي كان أيقونة حظ بالنسبة له.

وأطلقت عليه الأم المولعة بالأدب الأوروبي اسم تاد، وهو روائي فرنسي، ومن يومها لم يناده أحد حتى زوجته وابنته سوى بتاد.

والشق الآخر هو عشق، وسيضم نحو 30 عملا رسمها تاد لزوجته خلال سنوات الإبداع والعشق الذي عاشاه معا، وهي مرحلة تشكل جزءا مهما في مشواره الفني.

17