تاريخ الصورة في المنطقة العربية

الأحد 2017/10/29
ملامح من المعرض كل منها يشكل مشروعا انجز خلال سنوات

تعلو لافتات الاحتجاج مدخل متحف الفن المعاصر في برشلونة، الأبواب والنوافذ تحمل شعارات ضد مجلس المدينة وإدارة المتحف التي أعلنت أن الدخول المجاني عبر الموقع الرسميّ، والسبب هو إضراب باعة التذاكر في المتحف واحتجاجهم خارج أبوابه نتيجة التعسف الإداري الممارس ضدهم وتقليص ميزانية المتحف.

وبالتالي ساعات عملهم من 25 ساعة أسبوعياً حتى 9 ساعات بمعدل 5 يورو للساعة، ويوجه المضربون اللوم للسلطة ونفاقها وخداعها لهم منذ العام الماضي ووعودها الوهمية بتحسين شروط العمال بما يليق بهم.

يشهد متحف الفن المعاصر في برشلونة وعلى امتداد الطابق الأرضي معرضاً بانورامياً لأعمال المخرج والفوتوغرافي اللبناني أكرم زعتري بعنوان “ضد التصوير- تعليقات على تاريخ المؤسسة العربيّة للصورة”، وفيه ثمانية مشاريع ومشاركات قام بها الزعتري منذ مساهمته بتأسيس المؤسسة العربيّة للصورة في بيروت عام 1997 لنكتشف الجهود الأرشيفية والمفاهيمية والفنيّة التي قام بما والمرتبطة بفن التصوير في المنطقة العربيّة، سواء على صعيد تطور التقنيّة وصناعة الصورة أو عبر الموضوعات المختلفة التي يتناولها في أعماله.

فالأعمال تسعى لإعادة قراءة وفهم فن التصوير من جهة ودور الكاميرا واستخدامها ضمن المجتمع في المنطقة العربيّة وما خلقته من تغيرات على صعيد السلوك الاجتماعي فيما يخص من يظهر في الصور أو المصورين أنفسهم.

مجموعة الأعمال المعروضة في المتحف تأخذنا في رحلة بصريّة في تاريخ الفوتوغرافيا في المنطقة العربية، لا على الصعيد التقني فقط، بل لاكتشاف التحولات الفنية والسياسية والاجتماعية التي رافقت هذه التقنية

يحوي المعرض عدة أقسام كلّ منها يتناول مشروعاً وتمتد على مدى عشرين عاماً، أوّلها يعود لعام 1999 بعنوان “المركبة-تصوير لحظات الانتقال في المجتمع الحديث” وفيه استعراض لصور عائليّة تؤرخ لأسر مختلفة أمام السيّارة وتوثيق لرحلاتها المختلفة في هذه “المركبة” بوصفها اختراعاً غيّر طبيعة العلاقات الاجتماعيّة والعلاقة مع المكان.

كما تعكس الصور الطبقة الاجتماعية التي تمتلك السيارة وأزياءها وطبيعة الوضعيات التي تأخذها لالتقاط الصورة، وهرمية العلاقات بينها والتي تعكسها الوضعيات أمام الكاميرا والسيارة، كما نشاهد أيضاً صورا مختلفة لحوادث السير والتي تعكس التعامل مع هذه الآلة في حال تحطمها أو تحولها إلى خردة ضمنا لفضاء العام.

يتتبع الزعتري أيضاً المصور “فان ليو” في مصر في النصف الثاني من القرن العشرين وعمله مع المشاهير وأدائهم أمام الكاميرا، إلى جانب الجهود التي قام بها ليو لإعادة تلوين بعض الصور القديمة للمشاهير من عالم الفن والسينما كصور لداليدا ورشدي أباظة، مشيراً إلى أهمية فعل “إعادة الكتابة” الذي يمارسه ليو حسب تعبير الزعتري، بوصفه وسيلة لعصرنة الصور وإعادة إنتاجها ضمن التقنيات الحديثة.

أما في “سرديات الأغراض” فنشاهد مجموعة من أفلام النيغاتيف بحجم كبير كل واحدة منها لها حكايتها الخاصة إلا أن مجموعها يقدم لنا رؤية مختلفة مرتبطة بعمل المصورين أنفسهم، إذ نرى بصماتهم وآثار أدواتهم، وكأن كل واحدة منها يختزن داخله تاريخين، الأول مرتبط بما يحويه من صور، والآخر مرتبط بالعمل الفيزيائي والتقني لإظهار هذه الصور التي تتأثر نوعيتها وطبيعتها الفيزيائيّة بعوامل الزمن والتخزين والجهود الأرشيفية التي مورست عليها.

في قسم آخر بعنوان “ثمان وعشرون ليلة و قصيدة” يتبع الزعتري مسيرة المصور اللبناني هاشم المدني 1928-2017 الذي التقاه عام 1999 في صيدا، إذ نشاهد لقاء مصوراً معه وتوثيقاً لأرشيفه وأعماله وأستوديو شهرزاد للتصوير الذي أسسه علم 1952، كما نشاهد مقابلة مع المدني يحدثنا فيها عن الصور التي التقطها لنساء مختلفات والوضعيات التي كنّ يتخذنها أمام الكاميرا.

معرض يرصد تطور الكاميرا والصور الفوتوغرافية

لا نرى من هذه الصور إلا بعضها، نساء شبه عاريات أمام الكاميرا لا تنتمي أجسادهن إلى معايير الجمال الاستهلاكي الحالية، ليشرح المدني بعدها عن حساسية عمله مع العارضات/النساء وكيفية أدائهم في الأستوديو وتعرّيهن، والبعد الاجتماعي لهذه الصور العارية و جواز عرضها من منعه في تلك الفترة وخصوصاً أن عري المرأة لم يكن مباحاً بأيّ شكل.

نشاهد أيضاً سلسلة من الصور بعنوان “ضد التصوير” والتي أنجزها الزعتري عام 2017 وفيها نرى أفلام نيغاتيف بأحجام كبيرة، أشبه بلوحات، يستعرض فيها الزعتري آليات الترميم والإصلاح التي خضعت لها و العوامل التي ساهمت بتشويهها ليبقى لنا منها بقايا صور، فـ”اللوحات” تتيح لنا أن نختبر عن قرب تأثير الزمن وعوامله على أصل الصورة (النيغاتيف)، وهشاشة هذا الأصل أمام العوامل المختلفة والتي نراها أيضاً بحجم كبير في عمل بعنوان “أركيولوجي” وهو صورة نيغاتيف نصفها العلوي مشوّه والسفلي يظهر ما تبقى من جسد رياضيّ، النيغاتيف الأصلي للصورة مأخوذ من أستوديو “أنترانيك أنوشيان” في طرابلس وذلك بعد أن فاض بالمياه، وكأننا أمام بقايا أحفوريّة بصريّة مهددة بالتلاشي إثر كارثة حلّت بها.

مجموعة الأعمال المعروضة في المتحف تأخذنا في رحلة بصريّة في تاريخ الفوتوغرافيا في المنطقة العربيّة، لا على الصعيد التقنيّ فقط، بل لاكتشاف التحولات الفنية والسياسية والاجتماعية التي رافقت هذه التقنية، لنقف أمام صيغة أرشيفية مفاهيميّة ترصد الفوتوغرافيا كعامل في تكوين تاريخ المنطقة وخلق وضعيات اجتماعية وسلوكيات جديدة أمام الكاميرا.

بوصفها جزءا من “الحداثة” وما ينشأ عنها من أداء، فالصورة تعكس التحولات التي مرّت بها المنطقة والتي قد يغفلها التاريخ الرسميّ، لنرى أنفسنا أمام موضوعات وحكايات تجعل الصورة وثيقة تاريخيّة سواء كان ذلك صعيد المضمون أو أساليب إنتاجها.

كاتب من سوريا

15