تاريخ العراق شاهد حي على سماحة أبنائه

الخميس 2014/05/15
ديانات متنوعة عبقت بها تربة العراق على مر الأزمان

بغداد - في ظلّ أعمال العنف الدمويّة والتفجيرات شبه اليوميّة التي يشهدها العراق اليوم، أضحى التساؤل يؤرّقنا عن مصير هذا البلد الذي طالما عُرف بتسامح أهله وسماحة أبنائه، الّذين آثروا بناء وطنهم وتأسيس أمجاده منذ زمن على الانسياق وراء النعرات الطائفيّة والصراعات الدينيّة التي تهدم وتقوّض عوض أن تُسهم في تعميم الرّخاء. شعب كان يُعلي التعايش في السرّ وفي العلن، أضحى اليوم مهدّدا أكثر من أيّ وقت مضى بالتّشرذم والتفكّك، بسبب الفتن التي طالته من كلّ حدب وصوب، ولسنا نعلم مدى تأثير مخاطرها في طبيعة المجتمع العراقي إلاّ من خلال العودة إلى الماضي القريب لنستشفّ العبر ونبني على ما فات لفهم الحــاضر واستشراف الآتي.

إنّ الجاهل بالشّيء، مهما كان، لا يجوز له تحريفه أو طمسه بحسب ما يُناسبه أو يتماشى معه، فكيف إذا كان هذا الشيء هو؛ تاريخ بلد عريق عراقة التاريخ في جميع مراحله؛ ألا وهو العراق مهبط الأديان السماوية ورسل الرحمة والتّسامح. العراق الذي يعيش تحت خيمته المباركة شعب متلاحم لا تحول بين مكوّناته أيّة حدود.

وللأسباب سالفة الذكر؛ لم يرق العراق لبعض أصحاب المصالح والمطامع من خارج الحدود، فقاموا ببث سمومهم للنيل من هذا التاريخ من أجل خلق التفرقة والطائفية البغيظة والحفر تحت صرح هذا التلاحم القائم، بحجج وذرائع واهية واستعمال أدوات غريبة عن قيم وأخلاق الشعب العراقي.

ابتدع أعداء العراق «الإسلام السياسي» لغايات لا تمت لأية ديانة بصلة، وإنما هي منوطة بأطماعهم التاريخية المبيتة

حيث بدؤوا بالاحتلال والتقسيم، ومن ثمّ تجنيد بعض المرتزقة لتنفيذ خطّتهم القائمة أساسا على تشويه تعاليم الدين، وابتدعوا (الإسلام السياسي) لغايات لا تمتّ لأيّة ديانة بصلة البتّة، وإنّما هي منوطة بأطماعهم التاريخية المبيّتة.

إنّ الشعب العراقي أدرى بتاريخه، فأهل مكة أدرى بشعابها، وقد وُلدتُ وترعرتُ في كنف العراق وتربته، وشاهدت ولمست، لمس اليد، تكاتفا وتعاضدا بين المسلمين والمسحيين واليهود وغيرهم من معتنقي الديانات الأخرى، نعم اليهود، وما الغريب في ذلك؟ فقد ساهم اليهود والمسيحيّون إلى جانب إخوانهم المسلمين في تأسيس الدولة العراقية الفتيّة عام 1921، حيث شغلت شخصيات يهودية ومسيحية مناصب وزاريّة في تشكيلة الحكومة، نذكر من بينهم ساسون حسقيل في منصب وزير المالية، وبعده يوسف غنيمة (مسيحي) في نفس المنصب.. فتصوروا إذا أنّ منصبا حيويا ومهما في الدولة الفتية كان قد أُسند إلى هذين الرّجلين، فهل هناك دليل أقوى يمكن أن يشهد على هذا التلاحم الوطني وعلى صفاء النفوس والسريرة بين أبناء الشعب الواحد؟

وهناك آخرون ساهموا أيضا، في إرساء النهضة الأدبية والفنية، وفي مقدّمتهم الأب الراهب انستاس ماري الكرملي، فقد كان علما من أعلام اللغة العربية والأدب، وكان له مجلسه الأسبوعي المسمّى بـ”مجلس الجمعة”، يحضره فطاحلة العلم العراقيّين والعرب من أمثال مصطفى جواد ومحمد رضا الشبيبي وروفائيل بطي- مؤسس صحيفة البلاد- وكذلك الشاعر الشعبي المعروف ملا عبود الكرخي.

أمّا الشخصية الثانية التي يجب ذكرها فهي مير شلومو بصلئيل، الذي لُقّب بـ”البصري” لصعوبة نطق اسم جده، وكان خبيرا اقتصاديا فذّا أغنى المكتبة العراقية بكتبه ومقالاته التي دُوّنت تحت عنوان (مباحث في الاقتصاد العراقي)، وكان كثير التأكيد على ولاء اليهود للعراق وعلى الأثر الثانوي للدين في بناء الهوية الوطنية العراقية المشتركة، وقد عاش العصر الذهبي للطائفة اليهودية في العراق. أمّا الشخصيّة الثالثة التي نسوق بها المثل على تعايش وتسامح أبناء هذا الشعب في ما بينهم، هي امرأة مسيحية تُدعى مريم نرمه رومايا، والتي تُعد أول صحافية عراقية، حيث ولدت عام 1890 وكانت تكتب في مجلة دار السلام في عشرينات القرن الماضي، وأصدرت بعدها صحيفة (فتاة العرب)، وهي أول امرأة طالبت بحقوق المرأة العراقية، حيث كرّمتها وزارة الثقافة عام 1969 لأنّها تُعتبر من رائدات الصحافة النسائية.

ساهم اليهود والمسيحيون إلى جانب إخوانهم في تأسيس الدولة العراقية الفتية وشغلوا مناصب حكومية

وإذا عرّجنا على الساحة الفنية، وتحديدا الموسيقى والغناء، فسنجد الأخوين صالح وداود الكويتي (يهوديّان عراقيان)، وقد جاء لقبهما هذا، لكونهما ولدا في الكويت من أبوين عراقيَّيْن، ولهما السبق في وضع اللبنة الأولى للأغنية العراقية الحديثة، والتي كانت رهينة قوالب يغلب عليها الطابع الديني وتختلف كثيرا عمّا هو موجود الآن، حيث قدّم الأخوان ألحانا خالدة إلى يومنا هذا، مثل؛ أغنية (وين رايح وين) للمطربة زكيّة جورج و(خدري الجاي خدري) لغريمتها في الساحة الغنائية سليمة مراد، اليهودية التي لُقّبت بـ”سليمة باشا”، بعد أن خلع عنها هذا اللّقب لأنها كانت نجمة الغناء في مجالس الوزراء والمسؤولين، وتزوجت في ما بعد من المطرب ناظم الغزالي الّذي تتلمذ على يديها وتعلّم أصول الغناء والمقامات وفروعها، وكذلك لا يفوتنا أن نذكر عفيفة اسكندر (أرمنية) وهي صديقة للملاية وغيرهم. هؤلاء الفنانون كانوا بحقّ الرواد الأوائل للفن الغنائي العراقي.

وفي جانب آخر من تاريخ بلدنا الحبيب، ألا وهو الجانب الرياضي، وبالعودة قليلا إلى بداية ممارسة لعبة كرة القدم سنجد رياضيين ساهموا من جانبهم في رفع اسم العراق في المحافل الدولية الرياضية، حيث كانت الفرق العراقية مكونة من فسيفساء زاهية الألوان والأشكال تضمّ أطياف شعبنا جميعا ودون استثناء، وحقّقُوا للعراق نتائج باهرة بفوزهم على فرق عالمية ذات خبرة أكبر من فرقنا، وفي مقدمة هؤلاء الأبطال شيخ المدرّبين عمو بابا وجمولي وثامر محمد وغيرهم من الأسماء البارزة. هذا يعتبر غيض من فيض يشهد على تاريخ بلاد الرافدين المتسامح في كل المراحل، الذي سيبقى كذلك ولن تهزه الرّياح الصفراء القادمة من خارج الحدود.

13