تاريخ المجاعة

الأحد 2015/08/23

يقع الجوع ضمن الحوافز الأساسية التي أسهمت في صنع الحضارة ومنحت البشر آفاقا جديدة لمواصلة الحياة فهو يتقدم على الدوافع الأخرى التي تنظم حياتنا وقد يبرزها كما يفعل مع دافع الانتماء الذي يتجلى في التعاون والتفاعل الإيجابي بين البشر.

ولقد تعلم البشر أن من يتحكم في خبزهم يستطيع التحكم في فكرهم وتعطيل فاعلية العقل وتحطيم قدرتهم على ممارسة نزعاتهم الإبداعية ومبادراتهم من أجل تطوير الحياة وبنائها وابتكار الأساليب المختلفة والهادفة إلى تقدّم الإنسان.

يحرّك دافع الجوع ويعطل مزيدا من الدوافع لدى الإنسان ويترك أثره وانعكاساته على الحياة وعلى مجالات الإنجاز الإنساني، لذا تصدّى لمناقشته كثير من أدباء العالم ومفكريه وفلاسفته ببحوثهم ورواياتهم، فقد فكك كنوت هامسون الروائي النرويجي الحائز على جائزة نوبل للآداب في روايته “الجوع” دافع الجوع البشري والشبع والارتواء، وروى بطريقة دراماتيكية كيف يعجز الكائن الإنساني الجائع عن التركيز وينتابه الشعور بالإحباط، ويعجز عن المبادرة وتضعف قوته وبالتالي قدرته على مواجهة التحديات وصدّ المخاطر.

وتوقف مفكرون وعلماء نفس عند الآليات التي يشتغل عليها دافع الجوع، وما يؤدّي إليه عند استفحاله بين الحشود البشرية في فترات الكوارث والحروب، وكيف يستخدمه الطغاة للتحكم في مصائر الشعوب وإذلالها عن طريق حرمانها وتجويعها ووضعها في حالة عوز دائم تحول بينها وبين استنهاض وعيها بالمشكلات الاجتماعية والسياسية والثقافية، مثلما تحول عملية إلهائها بدافع الجوع بينها وبين تطوير قدراتها المختلفة، فالجائعون يوظفون ما تبقى لديهم من قوى جسدية في البحث عن وسائل تهدئ من الجوع المرتبط بغريزة البقاء، وتجاوره غريزة التعلق من جانب آخر، فالجياع المحرومون يكرهون حكامهم الذين تسببوا في تجويعهم، بينما يظهرون تعلقهم بهم ويختارونهم في الديمقراطيات الزائفة عبر صناديق الاقتراع التي تبقيهم في مواقع التسلط والتجويع معا، وخاصة في نظام الاقتصاد الريعي الذي يموّه شموليتَه بأقنعة ديمقراطية.

بينما تتركز الموارد والثروات بيد الأخ الأكبر الحاكم شبيه شيخ القبيلة، فيتصرف في الموارد والثروات كأنها ملكه الشخصي وهو الموكل عليها دون سواه، فيقدم الهبات الكبيرة لحاشيته ومسانديه أما “الرعايا” فلهم الفتات وما يديم الرمق، وذلك ليضمن تبعيتهم له فهو ربّ نعمتهم، ويصبح تعلقهم به شرطا لبقائهم على قيد الحياة كمثل تعلق الضحية بالجلاد في متلازمة ستوكهولم.

تصف الكاتبة إميلي نوثومب في روايتها “بيوغرافيا الجوع” حالة الجوع المزمنة التي تعاني منها بطلتها فتقرر أن تاريخ الحضارة الإنسانية هو بالأحرى تاريخ الجوع وصناعة الجوع، فالجوع هو “أن تريد، أن تأمل، أن تنتظر. والجائع هو من يسعى، أما الكائنات التي تولد وهي متخمة فإنها لن تتعرض لمكابدة القلق والانتظار والشقاء الذي يؤرقها طوال الليل والنهار”.

وترحل البطلة إلى إحدى الجزر في المحيط الهادي وتتجول في جزيرة فانواتو التي كانت مستعمرة بريطانية وفرنسية في وقت ما ثم تخلت عنها الدولتان لسبب يبدو لنا في المعايير الشائعة للاستعمار واستغلال الثروات الطبيعية أمرا خارج قدرتنا على الفهم، فتقول “ما يجذب غزاة الأرض، ليس ثروة البلدان في حدّ ذاتها، بل الجهود التي يبذلها الناس فيها: أي نتاج الجوع والعمل” واستغلال الجياع حتى أقصى طاقاتهم البشرية.

كاتبة من العراق مقيمة في عمّان

11