تاريخ المذهب الأشعري في مصر يفند اتهام الأشاعرة بالانزلاق نحو التشدد

تتبع تطور مذاهب أهل مصر منذ الفتح الإسلامي لها، يسمح بالتعرف على الدوافع السياسية وراء سيادة مذهب وأفول آخر، فضلا عن العوامل الثقافية والمجتمعية المتداخلة. فاعتماد مصر المذهب الأشعري كان تحولا عميقا إذ أشار أولا إلى انتقال البلاد إلى الفضاء السني، وأعلن ثانيا حسم المؤسسة الدينية وقطيعتها مع المذاهب المغالية. وهو ما يؤكد أن أصالة المذهب الأشعري وتاريخه في مصر يجعلانه عصيا عن التوجه نحو التشدد.
الاثنين 2016/02/22
الزمن يعجز عن محو أهمية التأريخ للفكر العقدي عند المسلمين

كتاب “مذاهب أهل مصر وعقائدهم.. إلى أن انتشر مذهب الأشعرية” لتقي الدين أحمد بن علي بن عبدالقادر المقريزي الذي حققه وأعده للنشر د.أيمن سيد فؤاد، يمثل باكورة إنتاج مركز تحقيق النصوص بجامعة الأزهر، الذي تعود فكرة إنشائه إلى الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر د.أحمد الطيب عام 2007 رئيس جامعة الأزهر تطبيقا لما جاء في قانون إصلاح الأزهر رقم 103 لسنة 1961 من أن الأزهر هو الهيئة العلمية الكبرى التي تقوم بحفظ التراث الإسلامي ودراسته ونشره.

ويتناول المقريزي موضوعين، الأول “ذكر مذاهب أهل مصر ونحلهم منذ فتح عمرو بن العاص، رضي الله عنه، أرض مصر إلى أن صاروا على اعتقاد مذاهب الأئمة الأربعة، رحمهم الله تعالى، وما كان من الأحداث في ذلك” والثاني “ذكر الحال في عقائد أهل الإسلام منذ ابتداء الملة الإسلامية إلى أن انتشر مذهب الأشعرية” مع مدخل تناول فيه “ذكر فرق الخليقة واختلاف عقائدها وتباينها”.

أشار المحقق في مقدمته للكتاب الصادر عن الدار المصرية اللبنانية إلى أن المقريزي أوضح في الموضوع الأول سبب اختلاف الأمة منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن استقر العمل على مذاهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل، “حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب أهل الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة”.

أما الموضوع الثاني فقد تناول فيه اختلاف عقائد أهل الإسلام، إلى أن التزم الناس (في الأراضي الواقعة غربي خراسان) بعقيدة أبي الحسن الأشعري، وقدم له بدراسة عن فرق الخليقة واختلاف عقائدها وتباينها، وأوضح فيها أن فرق المسلمين خمس؛ أهل السنة والمرجئة والمعتزلة والشيعة والخوارج. واستعرض آراء هذه الفرق الكلامية حتى وصل إلى ترك أبي الحسن الأشعري لمذهب الاعتزال واختلافه معه، ثم ظهور أهل مدرسته الذين ينسب إليهم المذهب الأشعري وكانوا وراء تطويره وانتشاره، مع تبني القوى السياسية السنية الجديدة ممثلة في السلاجقة والنوريين وخلفائهم الأيوبيين للمذهب وإذاعته والذي كان السبب في انتشاره في أمصار الإسلام الناطقة بالعربية، حيث ساد المذهب الماتريدي، ويقال لأتباعه “الماتريدية”، أقطار الإسلام غير الناطقة بالعربية في آسيا الوسطى وما وراء النهر والهند.

14 ميلادي كان تدريس المذهب الأشعري هو التعليم العام السني في أقاليم العالم الإسلامي الناطقة بالعربية

ولفت المحقق إلى أنه “لما كان الدين يخاطب العامة والخاصة لزم منهجا وسطيا يجمع بين الطريقتين، كان الذي تولى هذا المنهج أبوالحسن الأشعري، فتوسط بين الطرق ونفى التشبيه وأثبت الصفات المعنوية القائمة بذات الله تعالى من العلم والقدرة والإرادة والحياة التي يتم بها دليل التمانع وتصح المعجزات للأنبياء، وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف، حتى نستطيع القول إن الإمام أبي الحسن الأشعري يعد المجد الذي بعثه الله على رأس المئة الرابعة ليجدد للأمة أمر دينها.

وبحسب المقريزي فإن التحول الرئيسي إلى السنية في مصر لم يبدأ إلا مع تولي صلاح الدين بن يوسف بن أيوب الوزارة للإمام العاضد آخر الأئمة الفاطميين في مصر سنة 1169 خلفا لعمه أسد الدين شيركوه الذي توفي في نفس العام، وأضاف المقريزي “فشرع في تغيير الدولة وإزالتها وحجر على العاضد، وأوقع بأمراء الدولة وعساكرها وأنشأ بمدينة مصر مدرسة للفقهاء الشافعية ومدرسة للفقهاء المالكية، وصرف قضاة مصر الشيعة كلهم، وفوض القضاء لصدر الدين عبدالملك ابن درباس الماراني الشافعي، فلم يستنب عنه في إقليم مصر إلا من كان شافعي المذهب. فتظاهر الناس حينئذ بمذهبي مالك والشافعي، واختفى مذهب الشيعة والإسماعيلية والإمامية من أرض مصر”.

ويوضح المقريزي بقوله “وأما العقائد فإن السلطان صلاح الدين حمل الكافة على عقيدة أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، تلميذ أبي علي الجبائي، وشرط في أوقافه التي بديار مصر كالمدرسة الناصرية بجوار قبر الإمام الشافعي، والمدرسة الناصرية التي عرفت بالشريفية بجوار جامع عمرو بن العاص، والمدرسة المعروفة بالقمحية في مصر، وخانكاه سعيد السعداء بالقاهرة.

لما كان الدين يخاطب العامة والخاصة لزم منهجا وسطيا وتولى هذا المنهج أبوالحسن الأشعري، فتوسط بين الطرق
فاستمر الحال على عقيدة الأشعري بديار مصر والشام وأرض الحجاز واليمن وبلاد المغرب أيضا لإدخال محمد بن تومرت رأي الأشعري إليها، حتى أنه صار الاعتقاد بسائر البلاد، حيث أن من خالفه ضرب عنقه، والأمر على ذلك إلى اليوم، ولم يكن في الدولة الأيوبية بمصر ذكر كثير لمذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل، ثم اشتهر مذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل في أواخرها. وفي سلطة الملك الظاهر بيبرس البندقداري ولي بمصر والقاهرة كانت هناك أربعة مذاهب وهم شافعي ومالكي وحنفي وحنبلي، ولم تستمر من سنة خمس وستين وست مئة سوى هذه المذاهب الأربعة وعقيدة الأشعري”.

وقال المحقق إنه منذ هذا التاريخ وحتى القرن الرابع عشر ميلادي (الثامن هجري) كان تدريس المذهب الأشعري هو التعليم العام السني في أقاليم العالم الإسلامي الناطقة بالعربية، ولم يكن لرد الفعل الحنبلي الذي مثله بن تيمية إلا تأثير محدود، وظل الوضع إلى وقتنا الحالي فيما عدا استثناءات ضئيلة يمثلها المذهب الوهابي في شرقي جزيرة العرب الذي تأثر بالمذهب الحنبلي واستفاد من مؤلفات رؤسائه المتأخرين وعلى الأخص ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية.

ولا شك أن الصراع بين أهل الحديث والحنابلة من جانب والمذهب الأشعري كما يمثله رؤساء المذهب في القرنين الخامس والحادي عشر والثاني عشر للميلاد وما صاحبه من إدانة فكرية وعقدية، وعلى الأخص مع ابن تيمية بعد ذلك في القرن الرابع ميلادي، من جانب آخر يمثل تراجعا حضاريا ودينيا عرفته البلاد الإسلامية بعد ذلك.

12