تاريخ تركيا العنصرية في مكر التاريخ

الدولة العثمانية كانت دولة منحصرة على نفسها، تأسست على أساس العنصرية، والاعتقاد التقليدي لدى الأتراك القبيلة الأعلى حسبا ونسبا وهي التي تمتلك صلاحية حكم جميع الناس.
الأربعاء 2019/10/23
أردوغان يواظب على الاتكاء على التاريخ العثماني

مسألة كون تركيا امتدادا للدولة العثمانية أم لا، مثار جدل بين المؤرخين. أنا ممن يرون أنها امتداد للدولة العثمانية. ومن يرون أنها ليست امتدادا لها فهم أولئك الذين انخدعوا بمفهوم “مكر التاريخ” الذي قدمه لنا هيغل.

والحقيقة أن كون تركيا امتدادا للدولة العثمانية لا يقتصر على المؤسسات أو أسلوب الحكم. إنها ورثت مشاكل الدولة العثمانية المزمنة، وبغض النظر عن محاولات التحسين والإصلاح، فإن هذه المشاكل تعرضت أثناء مسارها الطبيعي لورم خبيث فولَّدت مشكلات جديدة.

إن تقاسم الصلاحيات، والمشاركة في السلطة، وحملات ممارسة الحرية أو التحول للديمقراطية التي تعتبر مشرطا يُستخدم في علاج المشكلات الهيكلية التي نتعرض لها بين الحين والآخر، إنما هي نتيجة لضغط خارجي، أو أنها عمليات مصطنعة ومؤقتة يتم تنفيذها بقصد حل مشكلة داخلية بدعم خارجي. ونظرا إلى أن هذه العمليات يمكن أن تصبح سياسة دولة، فقد تم تعليق هذه المحاولات الإيجابية في الفرصة الأولى، واستمر الشر التقليدي في ممارسة حكمه.

كان هذا هو الحال منذ السلطان محمود، فرغم إصدار مرسوم “سند- اتفاق أي ميثاق العهد”، ومرسوم “التنظيمات”، و”مرسوم الإصلاحات”، والمشروطية الأولى، والمشروطية الثانية، وإعلان الجمهورية، والانتقال إلى التعددية الحزبية، واستفتاء عام 2010، تم التوقيع على مراسيم الموت، وبعد فترة قصيرة عُلّق المحكومون في حبل المشنقة.

بعد الثورة الفرنسية بدأت أفكار القومية تهدد الدولة العثمانية، كما فعلت بالإمبراطوريات الأخرى. فبينما كانت “الدول القومية” تتأسس في أوروبا من ناحية، اعتبرت الإمبراطورياتُ القومية تهديدا وخطرا بسبب بنيتها العالمية من ناحية أخرى، وحاربت القومية إما عن طريق توليد أفكار بديلة، أو عن طريق اتخاذ تدابير عسكرية.

ضد أفكار وحركات القومية، اعتمدت الدولة العثمانية أولا فكرة العثمانية سياسةً لها، ثم الإسلام مع انفصال دول البلقان المسيحية، وأخيرا فكرة القومية التركية مع انفصال العرب المسلمين. وبعد فترة وجيزة من تطبيق المشروطية الثانية، بدأت القومية التركية تصبح سياسة الدولة، وشهدت حتى اليوم العديد من الأزمات، وتحولت إلى مجموعة واسعة من المستويات تصل إلى حد العنصرية.

ومع أن جميع المعلومات الواردة في هذه الفقرة صحيحة، إلا أن الحقيقة العظيمة مغطاة في مكر التاريخ، وهي أن الدولة العثمانية كانت دولة منحصرة على نفسها، تأسست على أساس العنصرية. وكانت صورة الكفاح ضد حركات القومية المنبعثة من الثورة الفرنسية تغطي هذه العنصرية وكأنها حجاب كبير. هذا ما نعنيه بالشر التقليدي القديم. وفقا للاعتقاد التقليدي لدى الأتراك فإن القبيلة الأعلى حسبا ونسبا من الفصائل والعشائر الأخرى هي التي تمتلك صلاحية حكم جميع الناس. وبحسب هذا الفهم الذي يسمى “القوت-طاقة الحياة” فإن هذه السلطة هبة من الإله، وهي مقدسة. وقد عزا العثمانيون أنفسهم إلى قبيلة “قاي” بسبب هذه السيادة والقداسة التي تنتقل عن طريق الدم والنسب.

لم يكن وعي القومية التركية كافيا بحيث يشكل وحدة، لذا كانت هناك حاجة إلى مادة أقوى. تم العثور على المادة المطلوبة في الدين، الإسلام
 

اكتسبت هذه الفكرة هوية دينية سويا مع الإسلام، ورأى السلاطين العثمانيون أنفسهم وكأنهم ظل الله في الأرض. ولما كانت الأسرة الحاكمة العثمانية تعتبر مقدسة، فقد كان يعتقد أن سفك دماء أفرادها سيجلب الحظ السيئ، لدرجة أنه حتى حين كان المنتسبون إلى الأسرة الحاكمة يُقتلون في حركات التمرد، كانوا يُقتلون دون أن تُسفك دماؤهم. على سبيل المثال، قتل الإنكشارية السلطان “كنج عثمان-عثماني الثاني” عبر خنقه بحبل حتى الموت. لقد كان شرا قديما أيضا أنهم يقتلون خنقا الأطفال الصغار والرضع المنتسبين إلى الأسرة الحاكمة، ويعتقد أنهم يشكلون تهديدا للعرش.

بالطبع، كانت هناك أفكار مماثلة لهذه في أوروبا في العصور الوسطى. ربما لهذا أيضا كان هذا النوع من العنصرية، والذي كان ضد أوروبا حتى عصر التنوير، أكبر عقبة أمام تجديد الدولة نفسها وتكيّفها مع متطلبات العصر بعد عصر التنوير. فقد اعتُبِرَ أولئك الذين ينتمون إلى أعراق وأديان وطوائف مختلفة داخل الإمبراطورية خطرا على الأسرة الحاكمة، وتم الكفاح ضدهم. في الوقت الذي تم فيه إنشاء الدول القومية وبدأت الشعوب الواقعة داخل إطار حدود تم تعيينها تشارك في الحكومة بطريقة ما، ناضلت الأسرة الحاكمة العثمانية مع فكرة أن الإدارة يجب أن تكون مشتركة.

إنني أسميها عنصرية. فكيف يعرف العنصريةَ من يعترضون على ذلك؟

مع ضياع نفوذ الأسرة الحاكمة العثمانية تماما، جددت العنصرية القديمة نفسها في شكل القومية التركية، وسرعان ما راجت وعاشت بعد فترة وجيزة من إعلان المشروطية الثانية. ولكن كانت هناك مشكلة، إذا اعتبرنا “الميثاق الملي” تصورا جغرافيا؛ فإن عدد السكان الذين يعتبرون أنفسهم أنهم أتراك في هذه المنطقة الجغرافية أقلُّ ممن لا يعتبرون أنفسهم هكذا. وحتى لو اعتبرنا تعريف المرء نفسه بأنه تركي، “وعي القومية التركية”، فإنه يكاد يكون من المستحيل أن نقول إنه “وعي الأمة التركية”. فقد كان وعي الأمة التركية عبارة عن زعم طرحه عدد محدود من المثقفين اليعقوبيين.

لذلك كان الحفاظ على الدولة المقدسة على قيد الحياة يستلزم إنشاء أمة تركية تقوم عليها، والوعي الخاص بها. ألا يقول بنديكت أندرسون أيضا إن الأمة مجتمع سياسي مُتخيَّل بسماته، ومقيد بخصائص وحدود معينة، ويعتقد أنه مهيمن في إطار هذا القيد، تم إيجاده وإنشاؤه في هذا الإطار؟ إن تصور أن البنية السياسية التي تم بناؤها وتشكيلها وكأنها كيان حقيقي وكامل يقع ضمن مظاهر مكر التاريخ.

ولكن لا تزال هناك مشكلة. لم يكن وعي القومية التركية ولا وعي الأمة التركية كافيا بعدُ بحيث يشكّل وحدة. علاوة على ذلك فقد كان ما يفهمه المركز والمقاطعات من هذه المفاهيم مختلفا بعضه عن بعض. لذا كانت هناك حاجة إلى مادة أقوى. تم العثور على المادة المطلوبة في الدين، الإسلام. وصف “ضياء غوك ألب” الإسلام بأنه أحد أهم مبادئ القومية التركية، لذلك كان ينبغي جعل جميع العناصر المسلمة في الأناضول جزءا من القومية التركية، أي كان يجب تتريكهم.

ورغم أن انتشار القومية بين العناصر في الدولة العثمانية كان يُعزى إلى الثورة الفرنسية وتحريض الدول الأجنبية للأقليات في الدولة، فإنني أرى أن السبب الرئيس في هذا كان عنصرية الدولة العثمانية، والتي حاولنا شرحها أعلاه. ويمكن القول إن تشبث الروم والصرب والبلغار والأرمن بالفكرة القومية هو رد فعل ضد عنصرية قبيلة قاي. ولو أنه أمكن أن يتحقق بنجاح تطوير العملية، التي بدأت بـ”ميثاق العهد” الذي يشبه الوثيقة البريطانية “مانغا كارتا”، لربما كان مصير الدولة العثمانية مختلفا.

منذ عصر الاستبداد، كانت هناك حركة سكانية مكثفة في الدولة العثمانية، فحين كان السكان المسلمون المقيمون في الأراضي التي فقدتها الدولة يحاولون الفرار باتجاه تركيا من ناحية، كان هروب غير المسلمين من تركيا يتسارع بسبب ضغط الدولة عليهم إلى جانب ضغط الشعب، من ناحية أخرى. وبحلول عام 1914 تراجعت نسبة السكان المسيحيين في تركيا من 40 بالمئة إلى 20 بالمئة.

ووفقا لما نقله شنر أق تورك فقد حدثت مذبحة كبرى ما بين عامي 1914 و1924 إذ انخفضت نسبة المسيحيين المتبقية، التي كانت تبلغ 20 في المئة، إلى 2 بالمئة خلال تلك السنوات. وهكذا بدأت تركيا تتغيّر إلى بنية متجانسة من الناحية الدينية على الأقل.

13