تاريخ جديد بين المغرب وأفريقيا يتوج بزيارة ملكية إلى إثيوبيا

تسير المملكة المغربية بخطى ثابتة في تعزيز دعمها للقارة الأفريقية، وخاصة أفريقيا الإنكلوسكسونية، التي ظلت بعيدة عنها بحكم ارتباطها التاريخي بالدول الفرانكفونية، وذلك عقب ما أبداه العاهل المغربي الملك محمد السادس من أولوية للقارة السمراء في مؤتمر كوب 22، الذي أكد من خلاله أن المغرب عائد سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا إلى القارة، التي قال عنها قبل عامين إنها لم تعد بحاجة إلى الصدقات من الاستعمار السابق، بل تحتاج إلى من يقيم معها شراكة على أساس رابح-رابح.
السبت 2016/11/19
رؤية جديدة

الرباط - باتت القارة الأفريقية ذات أولوية في الأجندة السياسية والاقتصادية للمملكة المغربية، فبعد الزيارة النوعية لكل من تنزانيا ورواندا يعود العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى إثيوبيا كتأكيد على عزم المملكة على تعميق تواجدها بهذا الفضاء الجغرافي من العالم الذي أصبح مغريا للكثير من الدول والشركات الكبرى، ولثرائه بموارد طبيعية وبشرية، ومهدِّدا أيضا بمشكلاته، ليست أقلها الهجرة غير النظامية نحو أوروبا إلى جانب آفتي الإرهاب والتغيّرات المناخية.

وفي العاصمة الإثيوبية، احتفت وسائل الإعلام المحلية بزيارة العاهل المغربي، فنقلت محطات التلفزيون والإذاعات نبأ الزيارة في صدارة نشراتها الإخبارية. واعتبر دبلوماسي أفريقي أن رفع العلم المغربي في أديس أبابا العاصمة السياسية لأفريقيا، يحمل رسائل ودلالات من أهمها أنه “إيذانا بعودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي”.

رحب دبلوماسيون وأكاديميون بوصول العاهل المغربي، الملك محمد السادس الى أديس أبابا في أول زيارة رسمية الى العاصمة الإثيوبية منذ تنصيبه ملكاً عام 1999.

وقال مولوقيتا، إن "المباحثات المغربية ـ الإثيوبية، ستضع أسسا قوية للعلاقات الثنائية بين البلدين، وستنقل علاقاتهما إلى آفاق أوسع".

خطوات استباقية

تعدّ زيارة العاهل المغربي لإثيوبيا تتمة لجولته في دول شرق أفريقيا وتثبيتا لإرادة التواصل مع هذا الجزء المهم والاستراتيجي في الأجندة المغربية الأفريقية المتضامنة والمستندة على مبدأ شراكة رابح-رابح، من داخل منظومة متكاملة من البرامج التنموية والاقتصادية والتجارية والزراعية والثقافية والسياسية والأمنية، تعزيزا للاستقلال الحقيقي لأفريقيا، كما أنها تجسد خطوات استباقية في الدبلوماسية المغربية لدعم إثيوبيا مسعى المملكة المغربية في العودة إلى الاتحاد الأفريقي.

الهدف الأول من الزيارة هو إقناع الحكومة الإثيوبية بدعم المغرب في طلب العودة إلى الاتحاد الأفريقي

ويرى محللون أن زيارة الملك محمد السادس لإثيوبيا تأتي في خطوات استباقية لتهيئة عودة المملكة للاتحاد الأفريقي لذلك الهدف الأول من الزيارة، وهو إقناع الحكومة الإثيوبية بدعم المغرب في طلب العودة إلى الاتحاد، حيث سبق له أن غادر منظمة الوحدة الأفريقية عام 1984 احتجاجا على اعتراف المنظمة بحركة البوليساريو. وأيضا لأهداف اقتصادية تتمثل في السعي إلى إبرام اتفاقيات مع القطاعين العام والخاص في إثيوبيا قصد تطوير المبادلات بين البلدين، ضمن خطة ينتهجها المغرب وتهدف إلى توسيع الاستثمارات في البلدان الأفريقية وتعزيز المبادلات التجارية معها.

ويضيف المحللون أن الزيارة تحمل أهمية دبلوماسية كبرى حيث أنها المرة الأولى التي يشرع فيها المغرب في الانفتاح على منطقة شرق أفريقيا الإنكلوسكسونية التي ظل بعيدا عنها بحكم ارتباطه التاريخي بالبلدان الفرانكوفونية.

ويسعى الملك محمد السادس من خلال استكمال جولته الثانية في شرق أفريقيا، بعد القمة الأفريقية بمراكش إلى خلق توازن سياسي من بوابة الاقتصاد والتنمية بين المؤيدين له داخل غرب أفريقيا وشرقها. وكذلك استباقا لأي تحولات في السياسة الخارجية الأميركية التي ستعتمدها إدارة ترامب، خصوصا إذا أراد الرئيس الجديد الضغط على المغرب اقتصاديا وتجاريا لتقديم تنازلات في ملف الصحراء.

وأوضح أستاذ العلاقات الدولية في جامعة العين للعلوم والتكنولوجيا بالإمارات سعيد الصديقي، في تصريح لـ”العرب” أن “زيارة العاهل المغربي تأتي في إطار تهيئة المغرب لظروف انضمامه إلى منظمة الاتحاد الأفريقي، وهذا ما جعله يوسع من فضاء علاقاته إلى دول شرق أفريقيا، وتعزيز روابطه مع الدول الناطقة بالإنكليزية التي لها نفوذ قوي في المنظمة الأفريقية، خاصة وأن إثيوبيا يوجد بها المقر المركزي والرسمي للاتحاد”.

ولفت الشرقاوي الروداني الخبير المغربي في الدراسات الجيواستراتيجية، في حديثه لـ”العرب”، أن “هذه الزيارة تأتي في سياق الاهتمام المغربي بدول شرق أفريقيا خاصة رواندا وتنزانيا وإثيوبيا كدول تنتمي إلى المحيط الإنكلوفوني، وهو توجه استراتيجي من حيث الخطاب والممارسة في كسر ما يسمى بخط ماينو الذي يفصل الدول الأفريقية الناطقة بالفرنسية عن تلك الناطقة بالإنكليزية.

وأضاف الخبير المغربي، أن “مبادرة العاهل المغربي بزيارة إثيوبيا تؤسس لمقاربة استراتيجية بإبعاد جيواقتصادية من خلال البحث عن تكامل اقتصادات الفضاءات الأفريقية، مع اقتراب عودته إلى الاتحاد الأفريقي”.

تكريس التوجه الأفريقي

بزيارته إلى إثيوبيا وعقب خطابه من العاصمة السنغالية دكار يكرس الملك محمد السادس توجهه الأفريقي الذي دشنه منذ بضع سنوات بجولات في عدد من بلدان أفريقيا الغربية.

ويرى مراقبون أن زيارة العاهل المغربي لإثيوبيا بعد مؤتمر كوب22 للمناخ وقمة العمل الأفريقية بمراكش، تدخل في نطاق دفاع المغرب عن القارة الأفريقية، وتضامنه مع أسرته في القارة السمراء يعزز أولويات المملكة المغربية نحو دعم القارة والمناطق المهمشة التي تعاني من فراغ جيوسياسي.

وكان الملك محمد السادس، ترأس الأربعاء قمة العمل الأفريقية، المنظمة على هامش الدورة الـ22 لمؤتمر الأطراف في الاتفاقية الإطار للأمم المتحدة حول التغيّرات المناخية، التي ربط العاهل المغربي فيها بين التنمية المستدامة ومحاربة الهشاشة داخل القارة السمراء مع الوقوف في وجه التغيرات المناخية.

الملك محمد السادس يكرس توجهه الأفريقي في اثيوبيا

وبعد أن ذكّر الملك محمد السادس بأن أفريقيا تختزل لوحدها كل أشكال الهشاشة، دعا إلى تأسيس أفريقيا صامدة في وجه التغيرات المناخية، وثابتة على درب التنمية المستدامة.

وشدد على أنه “من الأهمية بمكان أن تتحدث قارتنا بصوت واحد، وتطالب بالعدالة المناخية، وبتعبئة الإمكانات الضرورية، وأن تتقدم بمقترحات متفق عليها، في مجـال مكافحة التغيرات المناخية”.

وتشكل هذه القمة مناسبة للبلدان الأفريقية من أجل بلورة رؤية مشتركة للدفاع عن مطالب القارة، ولا سيما في ما يتعلق بتمويل وتبادل التكنولوجيات. وشهد هذا الاجتماع رفيع المستوى، الذي يؤكد إرادة المملكة المغربية حيال جعل كوب 22 مؤتمرا في أفريقيا ومن أجل أفريقيا، مشاركة زعماء الدول ورؤساء الحكومات ووفود 50 بلدا أفريقيا.

واعتبر الشرقاوي الروداني أن قمة “أفريقيا للعمل”، بمراكش كانت مناسبة لخلق عملية إجماع وتوافق حول الأولويات التي تحتاجها القارة في مواجهة التغيّرات المناخية والتي عصفت باقتصاديات دول أفريقية كثيرة وأصبحت تهدد وجودياتها، وأظهرت أن المملكة المغربية تكرس دورها كدولة لها تأثيرها الاستراتيجي على المستوى الإقليمي، القاري والدولي.

وخلصت قمة العمل الأفريقي حسب الشرقاوي الروداني إلى أن “المغرب له من المقومات ما يجعله مركز ثقل استراتيجي في المعادلات الجيوسياسية والجيواقتصادية الدولية مما سيسهم في تحقيق السلم القاري والدولي”.

وكان رئيس جزر القمر عثمان غزالي، أشاد في تصريحات صحافية، بمكانة المملكة المتميزة داخل الاتحاد الأفريقي، كما أن القارة الأفريقية في حاجة إلى دور المغرب عبر المبادرات التي يقوم بها لفائدة البلدان الأفريقية ويؤكد التزامه اتجاه القضايا التي تهم القارة.

ونفى سعيد الصديقي ارتباط تحرك الدبلوماسية المغربية تجاه القارة الأفريقية بالصراع على مراكز النفوذ مع القوى الدولية الكبري، التي لا تولي حسب رأيه أهمية كبرى لهذه القارة حتى الآن رغم أن المهتمين بالشأن الدولي يؤكدون على ان أفريقيا أصبحت مجالا حيويا للعديد من الدول، منها الصين وإيران وإن بنسب وأجندات مختلفة.

وأضاف الصديقي، أن قضية الصحراء المغربية من الخطوط الكبيرة التي قادت توجه المملكة إلى القارة السمراء قائلا “قضية الصحراء تعتبر الدافع الرئيسي للدبلوماسية المغربية تجاه القارة الأفريقية خلال السنوات الأخيرة بالإضافة إلى الأهداف الاقتصادية التي تتصل بشكل وثيق ومباشر بالأهداف السياسية”.

ويؤكد متابعون رغبة المملكة المغربية في الضغط من داخل أفريقيا لأجل مصالح أفريقيا، وهو ما جسده خطاب المسيرة الخضراء في السادس من نوفمبر الجاري الذي حمل رسائل في هذا الاتجاه، خاصة وأن السنغال تؤسس إلى جانب دول غرب أفريقيا نقطة ارتكاز لاختراق أي خطط أو تفاهمات غربية أفريقية، لمحاصرة مصالح المغرب وتقزيم أدواره الإقليمية والجهوية.

كاتب مغربي

تفاصيل أخرى:

روابط سياسية وتاريخية تشرع عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي

6