تاريخ مصر في مرمى سذاجة الإخوان

قنوات المعارضين المصريين التي تبث من تركيا تريد أن تصور جميع العسكر الذين حكموا البلاد على أنهم خونة وآثمون.
الأربعاء 2019/11/06
محاولات بائسة لاستغفال العقول

يتنوع المعارضون المصريون، من مقدمي برامج العروض التمثيلية، عبر القنوات التي تبث من تركيا؛ في أساليب عروضهم وهجائهم لنظام الحكم في بلادهم. منهم من يبرع في تقديم مادته بطريقة تتوخى التأثير العاطفي على المشاهدين، ومنهم من يرمي محاججاته كمن يرجم بالطين، ويجعل كل شخصية في تاريخ مصر المستقلة، ذات جذور يهودية صهيونية.

العامل المشترك بينهم، هو جهلهم بالتاريخ المكتوب بالمعايير البحثية العلمية وليس بالثرثرات، لكنهم يتدبرون أمورهم في صياغة افتتاحيات عروضهم، بلقطات منفصلة من وقائع يظنونها تخدم السياق، بينما هي ليست أكثر من محاولات استغفال للعقول.

أحد هؤلاء، افتتح عرضه المُستقى ارتجالا من إحدى الموسوعات على شبكة الإنترنت، بقصة اكتشاف مقبرة “توت عنخ آمون” بالقول جازما إن “ولدا صايعا” عثر بالصدفة على تلك المقبرة، وذكر اسمه. ولأن الأوصاف، التي تتهاطل على لسان الرجل بغير حساب، وبحكم أن السُذج يصدقون ما يقول، ولو على سبيل الإدهاش الدرامي؛ فإن مقدم العرض وصف عالم الآثار الإنكليزي والخبير المرموق في “المصريات” هوارد كارتر، بأنه “ولد صايع” عثر بالصدفة البحتة على المقبرة فأصبح مكتشفها. بينما الحقيقة أن أحد اللوردات البريطانيين استعان بكارتر ليحل له لغز “توت عنخ آمون” وتعهد اللورد بتمويل مهمته، بعد أن كان قد اكتشف قبل 23 سنة مجموعة من المعابد والمقابر الفرعونية على الضفة الغربية من النيل، المقابلة لمدينة الأقصر.

ويحمل حديث مقدم البرنامج تناقضا عجيبا، لأن اكتشاف “الولد الصايع” أظهر للعالم التحف والقلائد والعطور وقصات الشعر والأنغام الموسيقية، منسوبة للفرعون “توت عنخ آمون” ورفع مكانة المصريين في العالم إلى عنان السماء. وكان كفاح الشعب المصري، قبل الاكتشاف بثلاث سنوات، نال إعجاب محبي الحرية في أنحاء العالم، بل إن الثوري الروسي فلاديمير لينين لم يستطع إنكار كفاح المصريين والتأخر عن الثناء عليه. ثم إن ثورة عرابي، قبل ثورة 1919 التي أشعلها الجيش المصري بدءا من العام 1879 ضد الضباط الأتراك، ليست ذات قيمة في حساب الذين تدور رحى عروضهم على مقولة “حُكم العسكر” دونما تمييز بين عسكر وعسكر، فما بالنا حين تكون ثورة عرابي هي التي هزت عرش الخديوي توفيق، خيار الأستانة، التي أطاحت إسماعيل.

المفارقة، أن مستهل مرحلة العز والشموخ للمصريين، في روايات تلك القنوات هو عام 1922 عندما اكتشف “الصايع” المقبرة. هنا نقول: ليس أجهل في التاريخ من هكذا منطق. ففي تلك السنة وفي نهاية فبراير منها، جاء الجنرال الداهية إدموند اللنبي للمصريين بما يشبه وعد بلفور، وسُمي تصريح 28 فبراير 1922، الذي يخادع المصريين ويمنحهم استقلالا صوريا. عارضه سعد زغلول ثم ابتلع الطعم وتماشى معه حتى رحيله عام 1927 يائسا متشكيا ومهانا في معظم السنوات. كان تعيين اللنبي مندوبا ساميا على مصر، مكافأة له على احتلال القدس، بعد تحطم ثلاث هجمات على غزة، قادها جنرالات سابقون، فيما يسمى في التاريخ العسكري البريطاني “حروب غزة”!

هنا نأتي إلى بيت القصيد. فقد شاعت في السنوات الأخيرة مقولة يتبناها المفتتنون بأميركا ومعهم “الإخوان” وتلقفها السذج بسعادة، على الطريقة التي أظهرها أخونا باكتشاف المقبرة. المقولة تزعم أن مصر كانت قبل “حكم العسكر” أي قبل ثورة يوليو 1952 واحة للديمقراطية وللحياة البرلمانية المستقرة، وللرخاء الذي بلغ حد إقراض أميركا وبريطانيا. وهذه الفقرة الأخيرة عن الرخاء تدحضها الوقائع التي عرضها ساسة ذلك العهد. فقد أريد من هذه المقولة أن يترحم الفقراء والبسطاء على أيام الباشوات والطرابيش والعمائم، من موالي الإنكليز، رغم أن الشيخ حسن البنا، مؤسس الجماعة، قُتل في العهد الملكي، وأن عبارة زوار الفجر والاعتقالات التعسفية ظهرت في العهد الملكي وأثناء حكم مصطفى النحاس تحديدا، وهو الأقل شراسة وجموحا من أحمد زيوار وإسماعيل صدقي وعبدالخالق ثروت وغيرهم من الحكومات غير الدستورية، التي احتلت معظم المسافة الزمنية بين 1922 و1952. وجرى الترويج لهذه الرواية الملفقة، على نطاق واسع، من خلال تصريحات ومسلسلات، لخلق صورة نمطية سلبية لأي زعيم وطني خرج من الجيش، ودون تمييز!

كان كفاح الشعب المصري، قبل الاكتشاف بثلاث سنوات، نال إعجاب محبي الحرية في أنحاء العالم، بل إن الثوري الروسي فلاديمير لينين لم يستطع إنكار كفاح المصريين والتأخر عن الثناء عليه

لا نتحرج هنا من استخدام فعل الاستعباط، لأن سعد زغلول استخدمه كثيرا في مذكراته. ويمكن القول، دون مواربة، إن مصر قبل العام 1952 لم تكن ملكا للمصريين، ولا كان قرارها قرارهم، بل إن المندوب السامي البريطاني كان يتدخل في تفصيلات الحياة وقرارات كل حكومة تكون قد تشكلت بمساندته. ولطالما هدد القابع في “قصر الحماية” الملك فؤاد وابنه بالإطاحة، باعتباره مرجعية عليا، رغم الاستقلال الصوري الذي التفت بريطانيا من خلاله على طموح المصريين للاستقلال، وكذلك رغم تحسين شروط 28 فبراير بمعاهدة أغسطس 1936.

في مذكرات سعد زغلول ومصطفى النحاس ووليم مكرم (الشهير بمكرم عبيد) ومحمود فهمي النقراشي وعبدالخالق ثروت وإسماعيل صدقي ورئيس مجلس الشورى في العهد الملكي محمد حسين هيكل (1888ــ 1956) وعبدالرحمن الرافعي وعبدالرحمن عزام وغيرهم، تجد المضحك المبكي في تاريخ مصر قبل “العسكر”. ويشعر القارئ بالحزن عند قراءة مذكرات سعد زغلول وهو أخف هؤلاء ظلا وأعزهم شأنا بالطبع وأكثرهم صراحة في وصف حال المصريين. فالرجل عاش حياته كلها محبطا وعلى فيض الرحمن، رغم شعبيته الغامرة منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى. كتب مذكراته اليومية في الفترة من العام 1922 إلى حين وفاته، وكلها شرح لمظاهر الفقر والعبودية والاستقواء الإنكليزي الفظ على النظام الملكي.

كان سعد زغلول قد ابتلع طعم الاستقلال الصوري، وخاض مع حزبه (الوفد) انتخابات يناير 1924 بموجب تصريح 28 فبراير، الذي لم يؤيده عند صدوره، واعتبره من أفاعيل الشيطان، ففاز وتسلم رئاسة الحكومة لعشرة أشهر إلا ثلاثة أيام. وتخلى عن رئاسة الحكومة، لكي يحمي نفسه من إعادة الاعتقال والنفي. وحين قُتل قائد الجيش البريطاني في السودان، ظهرت الحقيقة، ووضع اللنبي تعليماته لزغلول، وهي في مجملها تعليمات محتل يقرر ويريد فرض العبودية على أهل البلاد. توفي زغلول محبطا وحرمته الحكومة الموالية للإنكليز من حق اختيار قبره قبل أن يلفظ أنفاسه. ومن حسن الصنيع، أن الوزارة الوفدية الأولى، برئاسة مصطفى النحاس، أرضت زوجته التي حُرمت في يوم وفاته من دفنه حيثما أراد في حياته، فقررت بناء مقبرة سعد زغلول وضريحه الجديد، ليُشيع مرة أخرى بعد تسع سنين من وفاته!

كان مسرح مصر السياسي، قبل 23 يوليو، أو قبل “حكم العسكر” كما يقولون حكرا على الموالين للإنكليز حتى الإذلال. واتسم باضطرار الطبقة السياسية إلى بث كل مندوب سام، الحب والخنوع والتزام الطاعة. وكانت شريحة اليهود الذين اخترقتهم الصهيونية، تتحكم بكل مفاصل الحياة الاقتصادية بشركاتها واحتكاراتها التي شملت كافة مناحي النشاط الاقتصادي والإعلامي، وتمكنت للأسف من تغذية المشروع الصهيوني في فلسطين، وكان لها الرجحان التمويلي بمساعدة أميرات وأمراء من الأسرة الحاكمة، تبرعوا لإنشاء الجامعة العبرية.

9