"تاريخ موجز لسبع عمليات قتل" تفوز بجائزة المان بوكر

تعد جامايكا جزءا من جزر الأنتيل الكبرى، تقع في البحر الكاريبي، إلى الجنوب تقريبا من كوبا. وعلى الرغم من أنها دولة صغيرة، إلا أن جامايكا من أغنى الدول ثقافيا، ولها وجود عالمي قوي، فالأنواع الموسيقية: ريغي، سكا، مينتو، روكستيدي، دب، ومؤخرا دانسهول وراجا قد نشأت جميعها في صناعة التسجيلات المحلية النابضة بالحياة في المناطق الحضرية من الجزيرة. لكن الجزيرة ظلت تعاني من واقع تجارة المخدرات وأنشطة العصابات التي تتحكم في أدق تفاصيل الحياة، ما مثل مادة خصبة للكاتب الجامايكي مارلون جيمز ليكتب روايته "تاريخ موجَز لسبع عمليات قتل"، التي فازت أخيرا بجائزة المان بوكر، لما تمثله من جدة في الطرح والأسلوب، إضافة إلى الشجاعة في كشف واقع هذا البلد- الجزيرة سياسيا واجتماعيا، والذي يعدّ واقعا في غاية التعقيد.
الخميس 2015/10/15
جيمز له فلسفة أخرى ومنظور مناقض للمعتاد، فهو يحتفي بجماليات فعل العنف

وقع اختيار لجنة تحكيم جائزة المان بوكر البريطانية على رواية الجامايكي مارلون جيمز “تاريخ موجَز لسبع عمليات قتل” لتفوز بالإجماع بمبلغ 50 ألف جنيه إسترليني. وقد وصفت اللجنة الرواية بأنها استثنائية، والاستثنائي حقا هو صدورها عن دار نشر مجهولة، وتدعى “وانوورلد”، في انتصار جديد لدور النشر المستقلة.

كان ما يربو على سبعين ناشرا قد رفضوا رواية جيمز الأولى “شيطان جون كرو” (2005)، مما حدا به إلى تدمير المخطوطة، وكاد ينبذ الكتابة كليا، وحتى فوزه أمس، وهو أول جامايكي يفوز بالجائزة، كان يحسب أن صناعة النشر لم يطرأ عليها أي تغيير إيجابي.

المخابرات والعصابات

على خلفية تنامي دور المخابرات الأميركية في جامايكا، وما ترتب عليه من تفشي السلاح من كل نوع واستفحال السفاحين النهَّابين في البلد، تنفض أحداث رواية “تاريخ موجَز لسبع عمليات قتل” في جو تاريخي شبه أسطوري، ولكن على نحو معاصر، يؤرخ لمحاولة اغتيال المغني الجامايكي بوب مارلي، وإن كان المؤلف لا يجاهر باسمه، مكتفيا بلقب “المغني”.

في عام 1976 اقتحم سبعة رجال، مدججين بالرشاشات، منزل النجم، ولكن شاء القدر له أن ينجو، وقُدِّر للجناة ألا ينالوا عقابا، وألا ندري شيئا قط عن دوافع الجريمة التي وقعت قبيل إحيائه حفلا مجانيا لتشجيع السلام. ولكن الفرصة لم تفت مارلي، إذ حانت له في وقت خاضت فيه الجزيرة حقبة فوضوية من الغليان السياسي حين جمع رئيس الوزراء الجامايكي وزعيم المعارضة معا على مسرحه عام 1978، مناديا بإنهاء حالة العنف السائدة.

الكاتب يكشف جرائم المخابرات المركزية الأميركية وعالم المخدرات والصحفيين المرتشين في جامايكا

يتتبع جيمز في روايته ماضي المجرمين السبعة وحاضرهم ومستقبلهم، متخيلا حياة لا تدفعها إلا شحنات من المخدرات والجنس، وراصدا ثقافة العصابات في جامايكا عبر عدة قارات، وفي خلال ثلاثة عقود، الستينات والسبعينات والثمانينات، مغلفا كل شيء في أنوار ديسكو تعمي الأبصار.

الرواية تتوغل في سياسات الجزيرة المضطربة وتسبر أغوار النظام الاجتماعي والسياسي بهذا البلد الذي يحكمه عالم العصابات والمخابرات. تلقي نظرة مقتضبة على تاريخها الأمبريالي: الإنكليزي عسكريا، وبعدها الأميركي ثقافيا واقتصاديا ومخابراتيا. فتكشف جرائم المخابرات المركزية الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، وتلاعب أباطرة تجارة المخدرات الدوليين والصحفيين المرتشين، ونزاعاتهم أجمعين فوق تلك الدولة الصغيرة.

ومثله كمثل مؤلفه الأثير تشارلز ديكنز، يعج كتاب مارلون جيمز بتحولات مباغتة تحبس الأنفاس. ولكن الرواية تطفح بأحشاء دموية وألفاظ بذيئة ومشاهد جنسية فاضحة، وتُصدر إحساسا بالتململ وعدم الثقة في الرواة، وهم كثر. فقد ابتكر جيمز حبكة معقدة متقطعة البنية. يقحم فيها -أحيانا بلا داع فني- نغمات متنافرة في إطار نسجه لكوكبة من خمس وسبعين شخصية متصارعة أو ما يزيد، نعجز ولا شك عن سماع أصواتها كلها مثلما أراد لها المؤلف.

نلتقي بنماذج عشوائية من صِبية معدمين بلا اسم أو هوية ونساء نراهن مطيَّة ليوم واحد، فضلا عن شخصيات لا نتوقعها، بدءا بملكات جمال وأشباح موتى يحْكون مآزقهم كالأحياء بصيغة المتكلم ويناجون أنفسهم مناجاة خليقة بمسرحيات شكسبير، انتهاء بتاجر كان يزوّد المغني الإنكليزي الأسطورة كيث ريتشاردز بالمخدرات.

أول جامايكي يفوز بجائزة المان بوكر بعد أن يئس من صناعة النشر

رطانة ملغزة

يستعين جيمز باللهجة الجامايكية حينا والأميركية حينا، وفي الغالب برطانة تسلب شذرات من الاثنين. بعض الشخصيات تنطق بلغة شوارع سوقية، والبعض الآخر بلغة صحفية رصينة أو روحية وكأنها نابعة من الكتاب المقدس أو آداب الرّاستافاريانيّة، وهي عقيدة دينية كاريبية.

كانت العصابات تستورد الهيروين والسلاح من شوارع ميامي ونيويورك. وعندما يقابل جوسي ويلز عملاء من المخابرات الأميركية، تقف اللغة الجامايكية حجر عثرة أمام استيعابنا.

عالمي رغم محليته

يتجلى طموح المؤلف في إسباغ صبغة عالمية على الرواية وهو يضفر العالمي في المحلي. يخترع جيتو جامايكيا يطلق عليه اسما إسكندنافيا. وفي داخله تترامى ضواحي حقيقية تحيق بالعاصمة كينجستون، وتحمل أسماء تستدعي بقاعا خطرة لا تبرأ من التوحش، كتل أبيب وغزة وأنغولا، “إن الجيتو رائحة. عطر أولد سبايس، جلد إنكليزي، وكولونيا ماركة بروت. عنزة نيئة ذبحوها للتو، فلفل أسود وفلفل حلو في حساء رأس الماعز”.

ولأن المخرج الأميركي كوينتن تارانتينو بات رمزا لعنف العصر، شبَّه أحد نقاد جريدة “نيويورك تايمز” الرواية بأنها إعادة ابتكار يتمّها تارانتينو لفيلم المخدرات الجامايكي “كلما صعُب مجيئهم”، ولكن بموسيقى بوب مارلي ونص لأوليفر ستون وويليام فوكنر”.

“أقبض على مسدسي، ويدور في بالي مدى رغبتي في قتله، قتل ابن الوسخة هذا، ولن يقتله أحد سواي. أريد أن أقتله أقتله أقتله، وينتابني شعور رائع، شعور في منتهى الحلاوة في كل مرة أنبس فيها بقتله قتله قتله حتى إني أجد صدى صوتي في الغرفة حلوا هو الآخر”.

جيمز كاد ينبذ الكتابة كليا لكنه ثابر حتى فازت روايته بالمان بوكر

العنف المطهّر

وكما ينبغي لجوّ الإجرام الدولي، لا أحد في الرواية لا يتعرض لمثل تلك الإهانات أو يغوص في جنس ماجن. وبالرغم من سعادة لجنة تحكيم البوكر بما جاء في الرواية من فكاهة إنسانية -ولعلها الرواية الوحيدة في القائمة القصيرة المتضمنة لحس كوميدي- علَّق مايكل وود، رئيس لجنة التحكيم والأستاذ المتقاعد في اللغة الإنكليزية والأدب المقارن بجامعة برينستون، قائلا، “لن تستطيع أمي مواصلة القراءة بعد الصفحات الأولى”.

جيمز له فلسفة أخرى ومنظور مناقض للمعتاد، فهو يحتفي بجماليات فعل العنف ذاته، لما يضمره من نِعَم تطهيرية، ومراتب لانخبوية. ويؤمن بأن اللغة البذيئة أمر نسبي إن كان يكتب عن مشاهد عنيفة، لا عن أناس أخيار.

ومع تلك اللغة غير المهادنة، تترنح الشخصيات، لا متراقصة، وإنما متذبذبة، على إيقاع موسيقى الريغي الكاريبية في رواية من ستمئة وثمانين صفحة. والريغي هنا لا ينمّ عن تفاؤل مقبل على الدنيا، وإنما يدل على روح قاتمة تقطن في مأساة تاريخية استوائية. يقول المؤلف إن المغنين الجامايكيين بوب مارلي وبيتر توش هما من أول من اعترفوا “بأن ما يندّ عن ثغورنا ما هو إلا صوت شرعي للتعبير عن الأدب والشعر”.

كان جيمز قد اضطرّ إلى مغادرة جامايكا كي يتمكن من كتابة هذه الرواية، عازفا عن مجابهة مغبة ما يخطه. إنها “مسافة الصحفي” مثلما يصفها، موحيا بأن قدرا من النزاهة والتجرد يتخلل روايته. ومع ذلك يعتقد بأنه لا يوجد “تاريخ” لمسقط رأسه بالمعنى الحرفي للكلمة، لذا كان سرده لماضيها ينهض على “تخمينات مدروسة”.

وبينما قارن النقاد جيمز بالروائية الأميركية توني موريسون في اقترابه من وحل العبودية بروايته “كتاب نساء الليل” (2009)، يستفيد المؤلف في “تاريخ موجَز لسبع عمليات قتل” من مسافة مدججة بالاغتراب الزماني والمكاني، واقعية وتخيلية في آن واحد، تفصل بين مقره الآمن في مدينة مينابولس الأميركية ومسقط رأسه الذي لا ينفك يمثِّل منصة لعالم الجريمة والاستغلال.

15