تاريخ نسوي في عرض مسرحي قاهري

الأحد 2016/08/21
دم جديد يتدفق في شرايين المسرح

على مدار خمسة أيام متواصلة قدمت المخرجة ليلى سليمان عرضها المسرحي “زجزج” على خشبة مسرح مركز الجيزويت في القاهرة. في عروضها عادة ما تمزج ليلى سليمان بين الوقائع التاريخية أو المعاصرة كشكل توثيقي وبين وجهة نظرها والمشاركين معها من خلال تجاربهن الشخصية. يتناول عرض “زجزج” واقعة حقيقية حدثت قبل حوالي مئة عام، أثناء الاحتلال الإنكلیزي لمصر، حين هجم جنود الجیش الإنكلیزي بوحشیة على قریة صغیرة قرب القاهرة تدعى “نزلة الشوبك” عمد أهلها إلى قطع خطوط السكك الحديدية لقطع الإمدادات عن القوات البريطانية. ولأن الاحتلال كان يقابل حالات التمرد بقسوة فقد تمت معاقبة القرية بإحراق بيوتها وإعدام عدد من رجالها.

في أعقاب هذه الحادثة عُقِدت محكمة عسكریة للتحقیق في ادعاءات سكان هذه القریة بأن الجنود نهبوا وأحرقوا قریتهم، بالإضافة إلى ترویعهم وإعدام عدد من أهل القرية دون محاكمات. وكان من بین الشهود الذین تم استدعاؤهم للشهادة بعض النساء اللاتي تم اغتصابهن على ید جنود الجیش الإنكليزي، وما ميز تلك الواقعة أن النساء المغتصبات أبلغن عن الانتهاكات التي حدثت لهن، وواجهن المجتمع بشجاعة، كما واجهن تعنت المحققين عند الإدلاء بشهادتهن على ما حدث. وعلى مدار الأشهر التي تلت هذه الحادثة، استخدمت الحركة الوطنیة قصص هؤلاء النساء في شعاراتها ومنشوراتها، ولكن سریعاً ما تم تهمیش هذا الحادث في الخطاب السیاسي للاستقلال، ولم یمر الكثیر من الوقت حتى نسي التاریخ هؤلاء النساء تماماً.

يتخذ عرض “زجزج” من تحقيقات تلك الحادثة نقطة بداية، وفي ظل غياب أيّ مصادر مصرية توثق هذا الحادث تم العثور على وثائق في أرشيف وزارة الخارجية البريطانية توثق له وأحداث أخرى مشابهة وقعت أثناء ثورة 1919.

يبث هذا العرض الحياة في هذه اللحظة من التاريخ ويعيد فحص شهادات الاغتصاب التي قدمتها نساء مصريات تميزن بالشجاعة لما تحملنه من مهانة في محكمة المستعمر العسكرية لقول حقيقة الانتهاكات التي قام بها الجنود. شارك في هذا العرض خمس مؤديات نسجن خيوطاً ما بين المادة التاريخية وتجاربهن الشخصية في سياق ثقافة الاغتصاب المعاصرة.

يتساءل النص عن تكرار إسكات النساء وعدم تصديق قصصهن عن الاغتصاب والتقليل من شأنها، كما يطرح سؤالاً آخر عن مدى التغيّر الذي حدث بعد مئة عام من تلك الواقعة. أما اسم العرض “زجزج” فهو مستوحى من نص شهادة لإحدى هؤلاء النساء أمام المحكمة العسكرية التي أقامها المحتل “دخل جنود الجیش الإنكلیزي البیت عصراً، في حوالي الساعة الرابعة. سألتهم حماتي: هل نحضر لكم بعض الأوز؟، لكنهم ردوا: زجزج”. في تتبعه لهذه القضية يلقي العرض الضوء على واحدة من الأزمات المستمرة التي تواجهها النساء اللاتي يتعرضن للاعتداء في مجتمعاتنا، إذ غالباً ما يجدن أنفسهن محاصرات بين الألم النفسي ووصمة العار التي يرميهن بها المجتمع.

قام بأداء الأدوار في عرض “زجزج” الممثلات نادية أمين ومنى هلا وريم حجاب وزينب مجدي ونانسي منير، ويبدأ العرض بمشهد لخمس فتيات يجلسن أمام خمس مناضد متجاورة في مواجهة الجمهور، إحداهن تعزف على الكمان، بينما تؤدي ثلاث منهن حركات تمثيلية كأنهن تتصفحن النصوص، بينما تقرأ الأخيرة تلك النصوص والتي أتت في أغلبها ضمن سياق التحقيق مع النساء الخمس على هيئة أسئلة وأجوبة، يحمل بعضها اتهامات لهنّ بادعاء الكذب وتزييف الحقائق.

ليلى سليمان: تجارب شخصية في قالب تاريخي

يراوح الأداء التمثيلي بين الاستغراق في تلك النصوص ومحاولة فهم الحالة النفسية للضحايا عبر أحاديث أحادية أو ثنائية بين الممثلات اللاتي أدين جميع الأدوار: الجنود، والمحقق، ووكيل النيابة، والضحايا. خلال العرض تتبادل الشخصيات الخمس رواية النص والتحرك على خشبة المسرح بأداء تمثيلي يمزج بين الرقص والحكي والتمثيل.

وكان من اللافت أنه تمت قراءة النصوص المستمدة من المذكرات بنصّها الأصلي عن اللغة الإنكليزية مع ترجمة تظهر على شاشة كبيرة على المسرح، وعن هذا الالتزام بالنص الإنكليزي للوثائق تقول المخرجه “نص التحقيقات هو نص مترجم في الأساس عن النص العربي للتحقيقات التي أجريت في مصر، وتمت ترجمته بالإنكليزية ليرفق ضمن ملف الجرائم التي استعان بها الوفد المصري في مؤتمر باريس للمطالبة بالاستقلال في أعقاب ثورة 1919، وفي حين تم العثور على هذا النص الإنكليزي ضمن أرشيف الوثائق التابع للخارجية البريطانية ولم يتم العثور على أي أثر للنص الأصلي المكتوب بالعربية. والتزمت بالنص الأصلي لأني لم أرد ترجمة نص مترجم في الأساس، إذ قد تفقد الترجمة روح النص وتفقد بعض تفاصيله. كما أردت أيضاً التأكيد والإشارة إلى عدم وجود مثل تلك الوثائق بالعربية وهو أمر لافت”. وترى المخرجة أن العرض هو إحياء لسيرة هؤلاء النساء اللاتي تم تهميش روايتهن، وهو نوع من إعادة التاريخ المهمل، إذ غالباً ما ينصب اهتمام المؤرخين على الزعماء أو زعيمات الحركة الوطنية دون التطرق إلى تضحيات المهمّشين من الرجال والنساء، وهو ما يبرر الصعوبة في تتبع ملامح تلك الواقعة محلياً والتي لم يكن لها ذكر سوى في بعض الوثائق القليلة، وكان الاعتماد الأكبر على وثائق الخارجية البريطانية التي سجلت تلك المحاكمة.

وعن ميلها للمسرح الوثائقي تقول ليلى سليمان “خلال السنوات القليلة الماضية، أو بعد الثورة تحديداً اكتشفنا أن الحياة تعطينا من الدراما أكثر ممّا نتخيل، فلو أخذنا هذه التحقيقات مثالاً سوف نرى أن درجة الدراما فيها أعلى من خيال أيّ كاتب تقريباً، كما أن ذلك الأسلوب هو اختيار شخصي في الأساس وميل إلى تلمس الأحداث والوقائع برؤية جديدة بعيدة عن السرد التاريخي الرسمي.

ليلى سليمان مخرجة مسرحية مصرية لفتت إليها الانتباه بعد ثورة يناير 2011 بأعمالها التي تتطرق إلى العديد من القضايا التي تخص المرأة ونضال الشعوب في مواجهة السلطة. من أعمالها “لا وقت للفن”، “هوى الحرية”، “دروس في الثورة”.

كاتبة من مصر

15