"تالة مون آمور" فيلم بكاميرا محمولة عن الثورة التونسية

يعد فيلم “تالة مون آمور” للمخرج التونسي مهدي هميلي من نوع سينما الواقع التي انخرط فيها عدد من المخرجين السينمائيين التونسيين خلال السنوات الأخيرة، تحديدا بعد ثورة 14 يناير 2011، ناقلا عبر شخصياته وأحداثه بعض تفاصيل قصة يتداخل فيها الذاتي بالجماعي والخاص بالعام والواقعي بالمتخيل.
الجمعة 2017/02/03
فيلم متخيل بوقائع حقيقية

يفتح المخرج التونسي مهدي هميلي صفحة من صفحات الثورة التونسية في فيلمه الروائي “تالة مون آمور” (تالة حبيبتي) الذي يعرض حاليا بالقاعات التونسية، والذي تدور أحداثه في 87 دقيقة.

يُستهل الفيلم بمشهد حميمي بين زوج وزوجته، مما يعني أن العلاقة بين الزوجين يسودها الحب والوئام، كحال البلد قبل ثورة 14 يناير 2011، والتي تبدو فيها الأمور، للوهلة الأولى، تحت السيطرة إن طوعا أو قسرا، وهو ما يستنتجه المشاهد مع تقدّم الأحداث، حيث أن حورية (نجلاء بن عبدالله) تزوجت زوجها (محمد الداهش) زواجا تقليديا لا حب فيه، بعد أن فرّقها جور النظام عن حبيبها محمد (غانم الزرلي) الناشط السياسي المناهض لنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

تتكشّف خيوط الحكاية رويدا رويدا، فحورية التي باتت عاملة مصنع عادية بعد أن تخلت عن نضالها السياسي، إثر علمها بوفاة حبيبها السابق، تتزوج من أول رجل يطلب يدها لتستقر معه بالقصرين، تاركة تالة، مسقط رأسها ومنشأ حبها القديم، بعد أن كرهت ذكرياتها الأليمة فيها.

وفي الأثناء، تشاهد حورية فيديو على الإنترنت للحراك الشعبي الذي اجتاح البلاد في ديسمبر 2010، والذي ينبئ بهبوب عاصفة الثورة، فرأت حبيبها السابق الذي ظنته توفي أو أغتيل، فأيقظ فيها الفيديو حبّين: حبها القديم لحبيبها وحبها للنضال والتضحية من أجل غد أفضل لبلدها تونس.

حورية، والتي يرمز اسمها في الفيلم إلى الحرية، تجد نفسها هنا أمام منعطف خطير، إما الاستمرار في حياتها الزوجية البائسة، وإما استعادة حبها القديم، فتختار الحل الثاني، لكنها تصطدم في المقابل بأن من كانت تحب، سئم السياسة والنضال، حيث بات كل همّه بعد فراره من السجن أثناء الفوضى التي عمّت البلاد أيامها، استعادة حبّه القديم والاستكانة إلى حياة بسيطة لا صخب فيها ولا اعتقال ولا تعذيب.

صدمة ثانية يقدمها الفيلم، والمتمثّلة في انكسار الذات والأنا في المجتمع التونسي إثر ثورة 14 يناير، فالحلم كان كبيرا والذي تحقّق لم يكن بقدر الطموحات المنشودة، وحورية هنا هي رمز لتونس المتجدّدة التي قد تمرض لكنها لا تموت، ومحمد في الفيلم هو رمز لليائسين من التغيير، رغم إيمانه العميق بالثورة، لكن الحاجيات اليومية البسيطة، ربما، تقتل كل أمل في بديل قد يطول انتظاره، ولعل جملته التي وردت على لسانه في الفيلم “نحب نعيش مثل خلق ربي” (أريد أن أعيش مثل خلق الله) تترجم عمق انكساره وانتكاسته.

ينتصر المخرج مهدي هميلي في فيلمه لنضال المرأة التونسية ويثمن دورها الطلائعي في ما تحقّق أيام ثورة 17 ديسمبر/ 14 يناير، بأكثر من نموذج، حيث جعل من شخصية حورية رمزا للتغيير وصديقتها (ريم الحمروني) عنوانا صريحا لحرية التعبير، ليقدم نساء مدينته تالة ثائرات، شهيدات، بلا خلفية معرفية ولا مرجعية سياسية، عدا نضالهن لأجل تونس الحرة.

اعتمد هميلي في تصويره لأحداث فيلمه على الكاميرا المحمولة المتحركة، وعلى اللقطات القريبة جدا، وكأنه يسلط الضوء بكاميرا مجهرية على ما قدمته تالة من تضحيات في سبيل ثورة الحرية والكرامة، تلك المدينة ظلت منسية إثر الثورة وغداتها، وفي ذلك نوع من التكريم لمدينة تالة التابعة لمحافظة القصرين (وسط غرب تونس)، والتي شهدت حراكا شعبيا مبكرا في ديسمبر 2010 إثر ثورة أطاحت بنظام حكم بن علي في 14 يناير 2011، وهو ما تؤكده بطلة الفيلم

نجلاء بن عبدالله التي تقول “الفيلم تدور أحداثه في تالة ومدن أخرى من القصرين، وهو نوع من التكريم للمدينة التي ينحدر منها المخرج”.

وتضيف بن عبدالله “الفيلم ليس وثائقيا، وليس نقلا لأحداث الثورة، ولا يجيب عن سؤال ماذا حدث في القصرين أيامها؟ بل ينقل كل العواطف والعواصف التي جدت في البلاد، من خلال قصة حب بين امرأة ورجل تعيشها البطلة حورية التي ترمز إلى الثورة والحرية”.

ومن هناك أتى “تالة مون آمور” فيلما يوثق لمرحلة تاريخية، وقائعها حقيقية، إلا أن مخرجه لم يستعن بلقطات تسجيلية، بل أتت أحداثه سيناريو مكتوبا على الورق، تميّزت في تجسيد شخصياته وجوه شابة كنجلاء بن عبدالله وغانم الزرلي، وبذلك جمع هميلي بين الواقعي والمتخيّل ليقدّم صورة عن ثورة تونسية أساسها الحب وغايتها تكريس القيم الجميلة، لكن للسياسة مآرب شتى وللثورة وجوه أخرى لم تنكشف سماتها بعد!

16