تامر مرسي وزير إعلام بلا حقيبة يرأس تحرير صحافة مصر

مرسي يصطدم بعقبات كثيرة فهو مطالب بالتحرك لتحقيق أغراض السلطة في الإعلام وإعادة قدر من المصداقية لوسائلها الإعلامية.
الخميس 2019/01/03
فرعون الدراما والإعلام المؤتمن عليهما من الأعلى

لتجنب إحراج النظام السياسي في مصر أو تبدّل الرأي العام حياله، عمدت الكثير من الحكومات المتعاقبة في السنوات القليلة الماضية إلى اختيار واجهة مستقلة للقيام بمهام بعض المؤسسات الرسمية في الإدارة واتخاذ القرارات. وغالبا ما يكون ذلك الرجل أو تلك المرأة الواجهة، شخصية غامضة لأبعد الحدود، وإن كان البعض يعرف عنها القليل، فإن الأكثرية لا تستطيع التنقيب في ملفاتها وأفكارها وماضيها وعلاقاتها المتشابكة مع السلطة، إذا كان دورها يرتبط بالعمل مع جهات أمنية.

صناعة الدراما والإعلام المصري ملفان يشكلان صداعا سياسيا منذ وصول الرئيس عبدالفتاح السيسي للسلطة عام 2014، والذي أظهر امتعاضه من المحتوى الدرامي والطريقة التي يدار بها الإعلام أكثر من مرة، وقال في إحدى الفعاليات مخاطبا الفنانين “لماذا لا تقدموا فنا مثلما كان موجودا في الخمسينات والستينات. فن الرُقي والثقافة والتحضر وإظهار المحاسن؟”.

وجدت الدولة، أو بوصف أدق، المؤسسات الأمنية، في المنتج تامر مرسي، الشخصية المثالية لتسليمه مفاتيح الإدارة واتخاذ القرارات بشكل يخدم مصالحها في ملفي الدراما والإعلام معا، فهو صاحب خبرة وتاريخ طويل في إنتاج أعمال درامية تركت بصمة عند الجمهور، وتطرقت لقضايا تخدم مصالح السلطة بشكل غير مباشر، وتلامست أفكاره مع الدور الذي تريده الحكومة من الشخص المسؤول عن إدارة الإعلام.

مفاتيح حساسة

المهمة الحساسة لمرسي تتجسد في أن يكون الإنتاج الدرامي متناغما مع الصوت الإعلامي الواحد، بحيث تتجنب الأعمال الجديدة الحديث عن قضايا شائكة
المهمة الحساسة لمرسي تتجسد في أن يكون الإنتاج الدرامي متناغما مع الصوت الإعلامي الواحد، بحيث تتجنب الأعمال الجديدة الحديث عن قضايا شائكة

على رأس السمات التي أهلت مرسي لشغل منصب يضاهي وزير الإعلام المصري، والرقيب الحكومي على الدراما، أنه شخصية غامضة لا تهوى الأضواء وقليلة الكلام ولا يعرف أحد ما يدور في تفكيرها وتعتمد على عنصر المفاجأة.

هي صفات تتسق مع طبيعة فكر ونهج وعمل مؤسسات أمنية استحوذت على النسب الأكبر في ملكية الشركات الدرامية والقنوات الفضائية والصحف والمواقع الإلكترونية التابعة لها، عن طريق مجموعة “إعلام المصريين”.

تمتلك “إعلام المصريين” مجموعة قنوات “الحياة”، و“سي بي سي” و“إكسترا نيوز” و“أون تي في” أي “أون لا يف”، “أون دراما”، “أون سبورت”، أون العامة”، وفي مجال الصحافة الإلكترونية استحوذت على مواقع “اليوم السابع” و“انفراد” و“دوت مصر” و“دوت مصر تي في” و”صوت الأمة”، ومن الصحف المطبوعة “اليوم السابع”، و”صوت الأمة”، و“عين”، ومجلة “إيجيبت توداي”، ومجلة “بيزنس توداي”.

أما بالنسبة للشركات، فهي تمتلك “بريزنتيشن سبورت” الراعي الرئيسي للكرة في مصر، و“سبيد” المتخصصة في التصميم والغرافيك والتسويق الرقمي، و“إيجيبشان أوت دور” المتخصصة في إعلانات الطرق، وشركة مصر للسينما، وشركتا “سينرجي” للإنتاج، وسينرجي للإعلان، كانتا مملوكتين لتامر مرسي قبل انضمامهما لإعلام المصريين، وشركة أي فلاي، و”بود” المتخصصة في العلاقات العامة، و”هاشتاغ” المتخصصة في السوشيال ميديا.

تبديل وجوه

يكتشف المتابع لمهام تامر منذ تكليفه بمسؤولية إدارة المجموعة، بسهولة أنه أصبح المتحكم في ظهور أو منع مذيعين وبرامج، فضلا عن إقصاء فنانين من العمل الدرامي وإرغامهم على الاختفاء من المشهد، وإحياء آخرين اختفوا من الساحة، أيّ أن كل ما أصبح يُبث للجمهور المصري، والعربي أيضا، على القنوات الفضائية المصرية، سواء كان في صورة مسلسل أو برنامج، يكون بموافقة مسبقة من مرسي، المكلف بالقيام بهذا الدور.

معرفة الأسباب التي دفعت الجهات الأمنية لاختيار مرسي مسؤولا عن ملفي الإعلام والدراما، تتطلب العودة قليلا إلى الوراء، عندما سهلت الحكومة لرجل الأعمال أحمد أبوهشيمة، إمبراطور صناعة الحديد، الاستحواذ على النسب الأكبر من وسائل الإعلام ثم إدارته مجموعة “إعلام المصريين”، مستغلة بذلك نفوذه الاقتصادي، لكنه طوال أربع سنوات، لم يحقق المرجو منه، واستمر غضب الحكومة على أداء الإعلام والدراما التي تنتجها الشركات العاملة تحت مظلة المجموعة.

استدعى إقصاء أبوهشيمة البحث عن شخصية قريبة من السلطة، تمتلك خبرة اقتصادية واستثمارية وإدارية تفهم ما وراء الكواليس، وتعرف بالضبط ما تريده السلطة من الدراما والإعلام خلال الفترة المقبلة.

وقع الاختيار على داليا خورشيد، وزيرة الاستثمار السابقة، زوجة طارق عامر محافظ البنك المركزي، للقيام بالمهمة عبر الإعلان عن استحواذ شركة “إيغل كابيتال” للاستثمارات المالية التي ترأسها خورشيد، على حصة أبوهشيمة في “إعلام المصريين”، وجرى تعيين الإعلامي أسامة الشيخ في منصب رئيس مجلس إدارة المجموعة.

معارضو سياسة مرسي في صناعة الدراما والإعلام يرون أنه أصبح يد الحكومة للتحكم في ما يٌقال في الشاشات، وما يُنتج من أعمال درامية وسينمائية، لكن مهام الرجل أكبر من ذلك بكثير عند السلطة ذاتها، فهو بالنسبة لها، رئيس التحرير، أو وزير الإعلام المنوط به وضع سياسة ترسخ للصوت الواحد

لم يتناغم الشيخ مع خورشيد وأهدافها، فضلا عن ارتباطه بنظام حسني مبارك، في حين أن الرئيس السيسي لا تستهويه فكرة التوسع في الاعتماد على رجالات الأنظمة السابقة، خاصة إذا كانوا في مناصب مهمة، كإدارة الإعلام. لذلك وقع الاختيار على مرسي لرئاسة مجموعة إعلام المصريين.

الفارق بين مرسي وأبوهشيمة، في نظر الحكومة، أن الأخير اعتاد تسليط الضوء على نفسه، وكان يحرص على إظهار أنه قريب من السلطة والتحدث بطريقة توحي كأنه وزير إعلام النظام، حتى أصبح محسوبا على المؤسسات الأمنية التي تدير المشهد الإعلامي، ومن ثم تحملت السلطة أخطاء الصحف والقنوات، أما مرسي، فهو شخصية تبدو قريبة من فكر رجال الدولة الذين يعملون في أجهزة سيادية، ترى أفعالهم، ولا تراهم أو تسمع أقوالهم إلا نادرا.

بينما كانت خورشيد، باعتبارها ممثل المؤسسات الأمنية في إدارة سوق الدراما والإعلام عبر ملكيتها مجموعة إعلام المصريين، بحاجة إلى شخصية مثل مرسي، تتناغم مع أفكارها وصفاتها وتوجهاتها وعقليتها، فهي غامضة وصامتة وتراقب ما يحدث وتتعمد ألا يشعر أحد بوجودها، وبالتالي لا تثير مشكلات أو تدخل في سجالات، والبحث عن حياتها الشخصية ليس بالأمر السهل، ما يجعل مهمة التنقيب في ملفاتها القديمة وأخبارها وتحركاتها أمرا صعبا.

كذلك الحال مع مرسي، برغم علاقاته ونفوذه وتردد اسمه بشكل واسع وتحوله لأن يكون عين السلطة في الإعلام والدراما، يصعب الوصول إلى معلومات خاصة عنه. وعندما تزوج الفنانة نسرين إمام، وأنجب منها وانفصلا ثم تصالحا وعادا للعيش معا، أوقفها عن المشاركة في الأعمال الفنية، وأدار علاقة زواجه بشكل حرفي، لدرجة أن وسائل الإعلام لم تتمكن من الوصول إلى ما وراء الكواليس بعكس الكثير من العلاقات المشابهة في الوسط الفني.

نفوذ ذكي

رجل المال والثقة يتحكم في ظهور أو اختفاء كل فنان ومذيع في مصر
رجل المال والثقة يتحكم في ظهور أو اختفاء كل فنان ومذيع في مصر

رغم أنه أصبح يمتلك تحت يديه إدارة السواد الأعظم من وسائل الإعلام المقروءة والمرئية، لكن مرسي حافظ على المسافة التي فرضها بينه وبين الإعلام، فهو يهوى التخفّي، ولا يظهر سوى مع إعلان تعاقد مجموعة “إعلام المصريين” مع فنان أو لاعب كرة قدم أو إعلامي، ويكون ذلك في شكل صورة شخصية تجمعه مع النجم المتعاقد معه، ينشرها على حسابه الشخصي على “فيسبوك” أو “تويتر”، ما دون ذلك، فلا يوجد تصريح أو حوار.

أدركت الحكومة أن امتلاك مجموعة “إعلام المصريين” نفوذا اقتصاديا يمكّنها من احتكار الشاشة، ربما يكون بلا قيمة، دون وجود شخصية تستطيع القيام بمهمة إبرام توأمة أو “تزاوج بين الدراما والإعلام”، وهو ما نجح فيه مرسي إلى حد بعيد، بحكم امتلاكه، إلى جانب الخبرة، قاعدة علاقات قوية في سوق الدراما والتلفزيون، حيث تعاقد مع مجموعة من فناني الصف الأول لتقديم برامج حوارية على مختلف الشاشات التي تمتلكها المجموعة.

انعكس نجاح مرسي على حجم التعاقدات الإعلامية التي أبرمها منذ توليه منصبه، وبلغت حوالي 20 عقدا جديدا في فترة لا تتجاوز ستة أشهر منذ مارس وحتى سبتمبر الماضي، مستغلا تنفيذ سياسة تدوير الوجوه والرموز الإعلامية بنقل بعضها لقنوات أخرى والاستعانة بمذيعين شباب جدد، وعودة بعض الوجوه التي كانت قد اختفت من الساحة.

وينظر معارضون لسياسة مرسي في صناعة الدراما والإعلام، أنه أصبح يد الحكومة للتحكم في ما يٌقال في الشاشات، وما يُنتج من أعمال درامية وسينمائية، لكن مهام الرجل أكبر من ذلك بكثير عند السلطة ذاتها، فهو بالنسبة لها، رئيس التحرير، أو وزير الإعلام المنوط به وضع سياسة ترسخ للصوت الواحد، وتعزز الاصطفاف خلف الحكومة، وتقضي على الفوضى وأصحاب المصالح في المؤسسات الصحافية والفضائيات عموما.

المهمة الثانية لمرسي، أن يكون الإنتاج الدرامي متناغما مع الصوت الإعلامي الواحد، بحيث تتجنب الأعمال الجديدة الحديث عن قضايا سياسية شائكة، أو تشوه صورة الأمن والحكومة، والابتعاد عن قاعدة “السينما والدراما مرآة الشارع”، مع حتمية تقديم صورة مغايرة عن الواقع المصري، بالابتعاد عن العشوائيات والكف عن مشاهد البلطجة والتعذيب والعداء مع السلطة، لا سيما وأن بعض هذه الأعمال كانت أحد محفزات الثورة على نظام مبارك.

يصطدم الرجل بعقبات كثيرة في الاتجاهين، فهو مطالب بالتحرك لتحقيق أغراض السلطة في السيطرة على الإعلام بشكل يزيل الاعتقاد الراسخ لدى الجمهور بأن ما يحدث مجرد تنفيذ لتوجيهات أمنية، بما يخفف من وطأة النظر إلى إمبراطورية الإعلام التي يديرها، ويعيد إليها قدرا من المصداقية التي تحول دون لجوء الناس إلى منصات بديلة، مثل مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام الإخواني المناهضة للدولة.

سيطرة وإشكاليات

ثمة إشكالية أكثر تعقيدا تتعلق بموازاة الاصطفاف الدرامي للاصطفاف الإعلامي خلف الحكومة، ويكمن ذلك في إمكانية رفض الكثير من الروائيين والمؤلفين أن يكونوا شركاء في كتابة أعمال درامية لها خط محدد لا تخرج عنه، وإلا تعرضت للرفض، والأكثر من ذلك، صعوبة إقناع الكثير من رموز الفن أنفسهم بقبول أعمال موجهة قد تعرّضهم للاتهام بأنهم يعملون في كنف الحكومة، وهي مقدمة لخسارة رصيدهم وتاريخهم الفني عند الجمهور.

وضعية مرسي ونفوذه يؤهلانه لتجاوز المنغصات والعراقيل، بحكم امتلاكه مجموعة من الأسلحة، على رأسها علاقاته بالأجهزة الأمنية التي تسيطر على النسب الأكبر في شركات الإنتاج والقنوات الفضائية والصحف، بمعنى أنه يمكن بسهولة اللجوء إلى هذه الأجهزة لإقناع أيّ فنان أو مذيع للقبول بمهمة بعينها، وإن كان رافضا لها، لأن رفض الاستجابة، قد تكون له انعكاسات سلبية على المستقبل الإعلام أو الفني لمن يرفض القبول.

الطريق الأكثر لينا، يظل المسار الأنسب أمام تامر مرسي لضبط إيقاع الإعلام والدراما وفق توجهات السلطة، فهو يمتلك قاعدة علاقات قوية داخل الوسطين الفني والتلفزيوني، حيث بدأت رحلته في الإنتاج الفني قبل 11 عاما، واعتاد أن يكون مختلفا عن أكثر المنتجين، ويصر في كل عام على أن يدخل سباق الدراما التلفزيونية بمجموعة مسلسلات، وليس عملا واحدا، متعاقدا مع نجوم الصف الأول.

أبوهشيمة، إمبراطور صناعة الحديد، لم يحقق المرجو منه، بعد أن مكنته الدولة من الاستحواذ على النسب الأكبر من وسائل الإعلام المصرية، فحان أوان استبداله
أبوهشيمة، إمبراطور صناعة الحديد، لم يحقق المرجو منه، بعد أن مكنته الدولة من الاستحواذ على النسب الأكبر من وسائل الإعلام المصرية، فحان أوان استبداله

كل ذلك جعل مرسي يمتلك خبرات متشابكة، سواء في الإنتاج الدرامي أو الإعلاني، والتعامل مع نجوم الفن والسينما، ومن ثم القنوات الفضائية لتسويق الأعمال. وهي معايير افتقدها أبوهشيمة عندما ترأس “إعلام المصريين”، حيث كان ينفق على المسلسلات والإعلانات ببذخ، ويدفع رواتب فلكية لمذيعين، دون تحقيق أرباح، لأن جزءا ليس بالقليل من هذه الأموال مملوك بالأساس لأجهزة سيادية، فهي التي كانت تخسر.

تعلّم مرسي الدرس، وقرر تحديد سقف إعلانات المسلسلات، وتدخل في ميزانيات الكثير من الأعمال الدرامية وأعدادها كل سنة، فضلا عن تقليل رواتب الفنانين، لأن القنوات التي يديرها، أو بمعنى أصح “إعلام المصريين”، مسؤولة عن دفع الأموال، كما أن بعض شركات الإنتاج التابعة للمجموعة، تتحمل جزءا من التكلفة، وبالتالي جنّب نفسه مصير أبوهشيمة بوضع سياسة تقشفية واسعة النطاق، تتناغم مع التوجهات الاقتصادية للحكومة.

صحيح أن هذه تراكمات معقولة في نظر الحكومة، لكنها غير كافية لنجاح مرسي في مهمة إحداث توأمة بين السلطة والإعلام والفن حتى مع تحول أكثر الصحف والمواقع الإخبارية والفضائيات للتحدث بلسان الحكومة، لأن إخضاع الدراما بذات الطريقة، بحيث يجد الجمهور من الفن ما يسمعه ويقرأه في الإعلام، تبدو مهمة أقرب إلى المستحيل.

ومهما كانت مبررات التدخل في الإعلام محصورة في ضبط الفوضى وصناعة محتوى أفضل والتحكم في العمل الدرامي لنشر الفضيلة وتوعية الشارع، فإن التوجيه الأمني كفيل بتمرّد الجمهور على الشاشة، بمحتواها الفني والإعلامي.

12