"تانغو زنجي" في كيفية السطو على موسيقى السود

الجمعة 2014/11/07
المخرج الأنغولي دوم بيدرو أمام معلقة فيلمه "تانغو زنجي"

في الأرجنتين، التحدث عن أصول زنجية لـ”التانغو” يعتبر من المحظورات، ويعدّ خوان كارلوس كاسيريس المولود ببوينس آيرس، والذي وصل إلى باريس في عز “الثورة” الطلابية أواسط مايو 1968، أحد أقوى الشخصيات في أميركا اللاتينية في عصره.

خوان كارلوس كاسيريس هو عازف بيانو، وعازف ترومبون، ورسام أرجنتيني أيضا، هذا الرجل ذو العينين المغناطيسيتين، يناضل من أجل تانغو تقليدي أصيل، مكرسا في ذلك أصوله الأفريقية.

هذا المؤلف- الملحن- المغني هو مناضل حقيقي، أبحاثه عن أصول “التانغو”، التي بدأت من بلده الأصلي، جعلته يقتنع بأن هذه الموسيقى ذات النبرات واللهجات والجذور الأفريقية، التي لا يمكن إنكارها، هي عمليا أول “موسيقى عالمية” سابقة على الأدب والثقافة.

ليس لوحة مستنسخة للفنان، إنه إنجاز بحث عن الأصول الحقيقية لـ”التانغو”، أراد دوم بيدرو أن يقوده مع خوان كارلوس كاسيريس، لدراسة الكيفية التي فرضت بها الأرجنتين الرواية الرسمية، وكيف تعمدت التكتم والتعتيم على أيّ نقاش حول الجذور الزنجية لهذه الموسيقى.

مع أكثر من 500 وثيقة، فوتوغرافية وسمعية بصرية، يشكل هذا الشريط إسهاما هاما، نحو التعريف بـموسيقى “التانغو”، وبالثقافة الأفريقية على حدّ سواء.

من خلال صوت العازف، المغني والرسام الأرجنتيني، خوان كارلوس كاسيريس، واحد من أهم شخصيات “التانغو” المعاصرة ، يكشف دوم بيدرو عن الأعماق الأفريقية التي تطبع هذه الموسيقى. وجرى التحقيق في قارتين، وقد تخللته عروض موسيقية ومقابلات مع العديد من المولعين بـ”التانغو” بين أميركا اللاتينية وأوروبا.

“تانغو زنجي” يسلط الضوء، خارج أرض مسقط رأسه على ضفاف نهر ريو دي لا بلاتا (مصبات أنهار أوروغواي، أوروغواي وبارانا، الأرجنتين)، على مساهمة الثقافات الأفريقية في ابتكار “التانغو”، هذا الفيلم يجعل من التراث المدرج في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، يستعيد كل بعده التعدّدي.

يحظى “التانغو” بشعبية كبيرة في أوروبا. ولكن كثيرين منهم لا يدركون أن هذه الرقصة لها أصول أفريقية، هذا ما يؤكده المخرج الأنغولي الشهير، دوم بيدرو.

هذه الموسيقى كان يرقص على إيقاعاتها العبيد السود المرحلون إلى الأرجنتين حوالي القرن الخامس عشر، تاريخ غير معروف قرّر بيدرو إظهاره في فيلمه الوثائقي “تانغو زنجي” الذي تمّ عرضه لأول مرة في 8 يوليو 2013، بمقر اليونسكو في باريس.

عن مساهمة السود في ابتكار التانغو يؤكد دوم بيدرو أنه في القرن الخامس عشر، وصلت رقصة يؤديها اثنان إلى الأرجنتين، والتانغو يتأصل من تلك الرقصة، التي كان يمارسها العبيد، فكيف كانت تسمى تلك الرقصة؟ هذا لا يزال لغزا حتى الآن، ولكن ما هو معروف هو أن في اللغة الأفريقية نجد كلمة “كيكونغو”. وعندما نقول “تانغو”، فهذا يمكن أن يعني “الشمس”، “الوقت” أو “الزمكان”؛ فبعد الانتهاء من عملهم الشاق في نهاية اليوم، كان العبيد يصرخون، “تانغو”، “تانغو”، للاحتفال بلحظة السعادة هذه، أو قبل ذلك حين يشارف العمل على الانتهاء، ثمّ يذهبون إلى أماكن رسمية، أين يمكنهم المرح والرقص بحرية، وبينما كان الأوروبيون يسمعون “تانغو” “تانغو” كانوا يقولون في أحاديثهم: “إنهم يرقصون التانغو”، هكذا أعطي الاسم لهذه الرقصة.

أما عن كيفية وصول هذه الرقصة إلى أوروبا، وقد كان يختصّ بها العبيد، يقول دوم بيدرو إن الأرجنتينيين، من عائلات محترمة في الغالب، كانوا ينسبون تلك الرقصة للسوقيين والبدائيين، ويقولون إنها خاصة بالهمج والعبيد.

لقد كانت سيئة السمعة، إلى درجة أن العبيد الذين أصبحوا أحرارا، كانوا يخجلون من أداء تلك الرقصة، لأن ذلك يعني لهم أنهم يتصرفون كالعبيد والبدائيين. وتجنبا لنظرة الاحتقار، كانوا يرقصون في الخفاء.

من ثمّ، عمد بعض الشبان الأرجنتينيين، الذين شاهدوا رقصة السود تلك، على تقنين الخطوات، ووضعوا رموزا لكي لا ينسوها، ولكن بالنسبة إليهم ما كانوا يرقصون بنفس طريقة العبيد، وهكذا، شيئا فشيئا بدأ ينتشر هذا الرقص بين البيض.

16