"تايتان" ظهور سلالة بشرية جديدة بعد فناء الكوكب الأرضي

فيلم يصور الأحداث في العام 2048 أين أصبحت نصف مساحة العالم غير صالحة للسكن وتفشت المجاعة والتلوث ولم تعد الموارد الطبيعية كافية لبني البشر.
الاثنين 2018/04/16
قدرات فائقة التحمل

قدّمت أفلام الخيال العلمي عبر تاريخها السينمائي العديد من الأفلام التي تحدّثت عن العالم الديستوبي وما يليه من خراب، مثل أفلام “الضحية العاشرة” (إنتاج 1965)، و”الفافيل” (1966)، و”مشروع فوربن” (1970)، و”موت العنصر” (1975)، و”مشاهد الموت” (1980)، و”الهروب من نيويورك” (1981)، و”ماكس المجنون” (1985)، و”ميلينيوم” (1989)، وسلسلة “الفاني” و”حرب النجوم” و”التطهير” (2013)، وفيلم “لعبة الجوع″ (2015)، وفيلم “متسابق المتاهة” (2017) وفيلم “حافة الأطلسي” (2018) وغيرها الكثير.

في فيلم “تايتان” من إخراج لينارت راف (إنتاج 2018) لا تبتعد المعالجة الدرامية كثيرا عن ذلك العالم الديستوبي، حيث تقع الأحداث في العام 2048 وقد أصبحت نصف مساحة العالم غير صالحة للسكن وتفشت المجاعة والتلوث ولم تعد الموارد الطبيعية كافية لبني البشر، ومن هنا قدّم العالم مارتن كولينجوود (الممثل توم ويلكينسون) مشروعا يهدف إلى إيجاد ملاذ جديد للبشر.

تايتان هو أكبر كواكب زحل، وهو آخر أمل صالح لسكن البشر، ولهذا وبحسب مشروع الدكتور كولينجوود الذي تتبناه وكالة ناسا، يتم اختيار عيّنات من أكثر البشر تحمّلا يتم ترشيحهم من قبل دول الناتو، وهكذا يقع الاختيار على مجموعة منهم.

 

في أفلام الخيال العلمي تبدو المستقبليات المتعلقة بما ستكون عليه صورة العالم ما بعد الخراب والانهيار والحروب الذرية واحدة من الموضوعات الأكثر انتشارا، والتي تنوّعت معالجاتها دراميا من خلال العديد من الأفلام، وفي كل تلك المعالجات التي تعرض الديستوبيا المروّعة هناك ناجون من الكارثة وهم يمارسون حياتهم بشكل مختلف في إطار الصراع من أجل البقاء

ويبرز هنا دور ريك جانسين (الممثل سام وورثنغتون)، وهو ضابط سابق في الجيش الأميركي كان قد بقي لثلاثة أيام من دون طعام ولا ماء في سوريا، وينجح بشكل مذهل في دخول المشروع الجديد.

ويتطلب إعداد البشر لإرسالهم إلى كوكب تايتان أن يتكيّفوا لاستنشاق النيتروجين بدلا من الأوكسجين وإحداث تغييرات في تركيبتهم الجينية بحقنهم بإنزيمات ومواد كيميائية، ليتحوّلوا إلى إنسان خارق بقدرات فائقة التحمّل، فضلا عن تحوير العيون لترى في الظلام بشكل مضاعف كما القطط.

وكل تلك التحوّلات تشهدها آبي (الممثلة تيلور شيلينغ)، وهي زوجة الضابط، وهي أيضا باحثة في البيولوجيا وتشهد كيف غيّرت تلك العمليات التي أجريت على البشر من سلوكهم، وبعضهم صار من نوع الزومبي، لتفاجأ بأن زوجها لم يكن إلاّ فأر تجارب، بدليل أن البروفيسور وفريقه بدأوا بقتل قسم من المُرشّحين للمهمة.

الفيلم مصنوع بمهارة ملفتة للنظر، وقد سار على خطين دراميين وسرديين متوازيين هما المتعلق بريك وأسرته من جهة، وما تقوم به ناسا من مشاريع تمسخ البشر بلا هوادة من جهة أخرى، فهناك يجري التآمر وتنفيذ الخطط، علاوة على جانب ثالث، هو الجانب العاطفي والمأساوي الذي يعصف بعائلات الضحايا.

وحشد الفيلم معطيات جمالية متنوعة مكانيا وتعبيريا، كما أدت الشخصيات أدوارها ببراعة، رغم أن ثيمة الفيلم تتماهى مع قصص سابقة في هذا المجال. ومن جانب آخر، يلفت النظر النمو في الدراما الفيلمية المصاحبة للتحوّلات التي تقع على ريك وصحبه والتجارب التي تجرى عليهم، وكل منهم يبدأ بالابتعاد تدريجيا عن المحيطين به بسبب تحوّلهم إلى كائنات أخرى، لكن الصدمة الكبرى تقع في القسم الأخير من الفيلم عندما تجرى عملية جراحية كبرى لريك تحوله إلى ما يشبه الكائن الفضائي.

ويتبلور خلال ذلك صراع بين الزوجة آبي وبين البروفيسور وفريقه من جهة، وبين الجنرال الأميركي الذي يرفض أن تكون قاعدته العسكرية مكانا لتلك الجرائم من جهة أخرى، وخلال ذلك كله لا يتورّع البروفيسور عن الأمر بإطلاق الرصاص على ريك العاجز والمدمّر حسيّا وعلى أسرته والمحيطين به في مشهد مصنوع بعناية فائقة.

وخلال كل ما سبق، تتفاعل الكائنات العاجزة وهي ترى سطوة القوة الممثلة بأجهزة وزارة الدفاع والاستخبارات مقدّمة صورة عاطفية مؤثرة، خاصة مع صدور الأوامر بقتل كل واحد من المرشحين الذي يظهر سلوكا عدوانيا بعد أن يتم تشويهه جينيا وإجراء عمليات معقّدة متواصلة، وهي سلسلة مشاهد مؤثرة في هذه الدراما الفيلمية المميزة.

واستخدم المخرج حلولا بصرية متنوعة، فلطالما ركّز على مشاهد الألفة بين عائلات المرشحين للمهمة دون أن يدركوا أنها آخر أيامهم بعد أن سقطوا في فخاخ ذلك المشروع الشرير الذي ثبت فشله، ومع ذلك يواصل البروفيسور مراحل المشروع من دون تراجع ولا تردّد.

وعلى صعيد البناء المكاني، كانت نقطة التحوّل هي انتقال ريك وأسرته إلى قاعدة ناسا، في تلك البقعة النائية المعزولة التي جرى فيها تدريب المرشّحين وتطوير قدراتهم في جزر الكناري، حيث بدت الشخصيات محاصرة من كل  الجهات وعاجزة، فضلا عن إيحاءات متواصلة بأن تلك الأرض هي الملاذ الأخير والمنقذ الذي يوفّر حياة بديلة.

وتعتمد فكرة فيلم تايتان أساسا على إحداث تغييرات في الشخصيات عوضا عن تهيئة الكوكب البديل للسكنى الصالحة للبشر، حيث الغاية في كل ذلك هي إنتاج سلالة مختلفة من البشر ذات قدرات خارقة واستثنائية.

16