تبادل التأثير الحضاري

لو تأملنا في كل ما هو إبداعي في الثقافة الإسبانية المعاصرة، شعراً وسرداً وغناء وموسيقى ومعمارا، لوجدنا حضور المؤثر الأندلسي فيها جميعاً، وهكذا يكون تبادل التأثير الحضاري.
السبت 2018/11/24
الانفتاح الواعي على الحضارات الأخرى لا يلغي خصوصيات الأمم (لوحة: محمد عبدالله عتيبي)

كلما قرأت عملاً إبداعيا إسبانياً، كتب بعد نهاية المرحلة العربية الإسلامية في الأندلس أو في خلالها، وجدت التأثير المعرفي للحضارة العربية الإسلامية، واضحاً فيه وجلياً، وقد كتبت خلال الأعوام الأخيرة عن هذا التأثير في عدد من المؤلفات الإسبانية الكلاسيكية المهمة، مثل رواية “دون كيخوتيه” لسرفانتس، وكتاب “القوادة ثيلستينا” المنسوب إلى فرناندو دي روخاس، و”مقامات لا ثارو” المنسوبة إلى لا تاريو دي تورميس، وكان آخر ما قرأت من أعمال أدبية إسبانية حملت هذا التأثير، كتاب “الكونديلوكانور.. كتاب الحكايات والمسامرات والأمثال المفيدة” وقد ترجمه إلى العربية عبدالهادي سعدون، وهو الذي ترجم من قبل “مقامات لا ثارو”.

وفي كتابي “تطفل على السرد” تناولت جانباً من هذا الموضوع في مقالة بعنوان “بواكير الرواية الإسبانية وإشكالية التأثير العربي” وفي جميع ما كتبت عن هذا التأثير، لم أصدر عن تعصب يبعدني عن الرؤية الموضوعية، التي أنظر من خلالها إلى التجربة العربية الإسلامية في الأندلس بعامة وإلى فعلها الحضاري على وجه خاص.

إن التأثير العربي الإسلامي في ثقافة شبه الجزيرة الإيبيرية، كان نمطاً راقياً من أنماط العلاقات الإنسانية، لأنه ظل يشتغل في محيط يتسم بالتكامل وتبادل المعرفة في أدق تفاصيلها اليومية والاجتماعية، وإن التعصب لم يكن ظاهرة اجتماعية عامة من قبل الإيبيريين بتعدد أصولهم ولغاتهم ولهجاتهم، بل كان يصدر عن محيط ضيق يمثل تحالف رجال الدين والزعامات العسكرية والأسرية، وهذا التحالف حين انتصر بالقوة، لم يكن انتصاره هزيمة للسلطة وحسب، بل امتد ليعصف بالأنموذج الحضاري الأندلسي، حيث يروي دوزي عن الكاتب الإسباني ألفارو قوله “إن أرباب الفطنة والذوق، كان ميلهم إلى اللغة العربية بعد أن سحرهم رنين الأدب العربي، فاحتقروا اللاتينية وصاروا يكتبون بالعربية من دون غيرها”.

ويتابع ألفارو “إن الجيل الناشئ من – المسيحيين الأذكياء – لا يحسنون أدبا أو لغة، غير الأدب العربي واللغة العربية وإنهم ليلتهمون كتب العرب ويجمعون منها المكتبات الكبيرة وبأغلى الأثمان”.

لقد سبق لي أن كتبت في مقالة “بواكير الرواية الإسبانية وإشكالية التأثير العربي”، المنشورة في كتابي “تطفل على السرد”، “إن القول بتأثر بواكير الرواية الإسبانية التي تكرست في القرون الوسطى، ليس من قبيل نتائج الحماسة القومية ولا أظنها بحاجة إلى تمحن في إطلاق الأحكام، بل هو تعبير عن حقيقة تاريخية، أنتجت حالة لا غرابة فيها ولا فرادة، وإن مسارات الحضارات الإنسانية منذ طفولة التاريخ حتى يومنا هذا، يؤكد تفاعلها وتبادل التأثير بينها، وإن الانفتاح الواعي على الحضارات الأخرى وثقافاتها والإفادة من إنجازاتها، لا يلغي خصوصيات الأمم وملامح ثقافاتها، وهي إنْ شعرت بتهديد خصوصياتها، فهذا الشعور يكون في مراحل الضعف والتراجع ويتجاوز في مراحل البناء والعنفوان”.

ولم يكن التأثير العربي الإسلامي أحاديا، بل لقد تأثر العرب المسلمون كذلك بالحياة في شبه الجزيرة الإيبيرية، وبما تركه فيها أسلافهم “الفينيقيون” ومن ثم الرومان والقوط، وظل هذا التأثير حاضراً، حتى بعد أن هُجِّروا إلى هنا أو هناك من الحواضر المغربية، وقد كان هذا التهجير بكل أحداثه ونتائجه، جريمة عبَّرت عن انحطاط التحالف الذي قام به وأصرَّ على تنفيذه، حيث لا يد للمواطن العادي في شبه الجزيرة الإيبيرية في هذه الجريمة، بدليل أن التأثير الأندلسي ظل حاضراً ليس في ما هو ثقافي فقط، بل في جميع مفردات الحياة الإسبانية، وفي الفضاء الأندلسي على وجه خاص.

 إذ ما زالت الحكايات العربية حاضرة في مجالس الناس وفي كتاباتهم، وكذلك الأمثال والألحان والرقص، ولو تأملنا في كل ما هو إبداعي في الثقافة الإسبانية المعاصرة، شعراً وسرداً وغناء وموسيقى ومعمارا، لوجدنا حضور المؤثر الأندلسي فيها جميعاً، وهكذا يكون تبادل التأثير الحضاري.

14