تبادل اللكمات من خلال الكلمات في حياة الآداب بباريس

الجمعة 2014/03/28
تورد المؤلفة الحفلات الأدبية الراقصة حيث تتناوب رقصات وقراءات أو مقابلات ملاكمة حقيقية

باريس - من المؤكد أن الكاتب يكون وحيدا وهو يشتغل، وأن القراءة حوار صامت بين القارئ والكلمات. لكن، ومنذ البدء، فقد شكل الأدب رابطا عميقا ومتينا بين الناس. لقد كان في الأصل يُقرأ بصوت مسموع.

هذه الممارسة استمرت لعدة قرون للتعريف بالنّصوص أمام جمهور لم يكن يعرف القراءة. نذكر على سبيل المثال، الأمسيات الأدبية التي كانت تقام بزاوية قرب المدفأة. لكن تلك القراءات بصوت عال كانت تجمع أيضا في بعض الأحيان مجموعة من القراء، الذين لم يكونوا يتوفّرون إلاّ على نسخة واحدة من مؤلف ما. تقول الناقدة أريان شارتون: “هذا يذكرني بذلك المشهد الهجائي الذي أجمله هنري مونْيي، وهو يحكي عن أمسية للقراءة في حجرة بواب..”.

فضلا عن مجالس القراءة تلك، فالأدب يكون أيضا موضوعا للنقاشات منذ قرون، في الصالونات حيث يقرأ الأدباء نصوصهم الجديدة، وحيث يناقش الضيوف آخر الإشاعات، آخر المجادلات والخصومات، أو وجهات النظر الآنية.

قد يتبادر للذهن في يومنا هذا أن كل ذلك قد اختفى، ولربما إلى الأبد: كل واحد يغوص في كتابه، بل ويستبدل الورق بشاشة في أحيان كثيرة، ولم يعد يتمّ تبادل أو مشاطرة شيء.

دليل هواة الأدب بباريس لصوفي هيربي، يقدم لنا البرهان عبر عشرات الأفكار والعناوين المهمة، إنه على العكس من ذلك، فالأدب يحيى وينتعش بالعاصمة الفرنسية المسكونة بأرواح الكثير من الأدباء، والّذين شكّل بعضهم رموزا فنية وأدبية أبدية أمثال بالزاك، هوغو وأراغون..

نكتشف إذن عبر هذا الدليل، أنّ الأدب يأخذ عدة مظاهر ويتشكل بألف طريقة وطريقة، بدءا بالصالونات الكلاسيكية والمقاهي الأدبية، حيث يشب النقاش بين مؤلِّف وقُرائه، مرورا بالقراءات التي يتمّ تشخيصها بشكل مسرحي، وصولا إلى “التجارب الأدبية” المجعولة بغرض التسلية.

تورد المؤلفة الحفلات الأدبية الراقصة، حيث تتناوب رقصات وقراءات أو مقابلات ملاكمة حقيقية يتم خلالها تبادل اللكمات مع النطق بكلمات مختارة. مؤسسات كالصالون العام للقراءة، دار الشعر، المتاحف، الخزانات البلدية والمعاهد الثقافية الأجنبية مذكورة بشكل جيد، شأنها شأن المكتبات المستقلة والأماكن السرية الصغيرة كنادي الشعراء وشقق للخواص.

أخيرا، يمكن المشاركة في حلقات للقراءة ساعة احتساء الشاي أو خلال وجبة عشاء، للبوح بآخر ما جادت به القريحة أو التعريف بجديد الإصدارات، التسجيل بورشات للكتابة أو حضور أمسيات مفتوحة للارتجال. وللذين يرغبون في المزج بين رياضة المشي والآداب، تكشف لنا المؤلفة عن بعض الأفكار الجيدة والجميلة لجولات على خطى وأثار بعض الأبطال أو بعض الكتاب.

هكذا، فقد تجولت صوفي هيربي، وزارت كل مقاطعات باريس، لإشعارنا بالعديد من المبادرات الجميلة التي تروم إحياء الأدب، أغلبها من دون مقابل أو بثمن رمزي (بدءا بهذا الكتاب).

أما بالنسبة للذين يفضلون البقاء في منازلهم، فتقترح عليهم المؤلفة مواقع مختارة على الإنترنت تمكّن من يزورها من المشاركة في صالونات افتراضية، أو تقاسم خزانة كتبه مع الآخرين.

تقول أريان شارتون: “في زمن، ولأسباب عدة، يعرف النشر والمكتبة أزمات مالية وإشكالات هوية خطيرة، يثبت هذا الدّليل أنّ الولع بالأدب لا يزال متأجّجا وجمراته لم تخمد بعد، غير أن التعبير عنه يأخذ أشكالا ومظاهر على شاكلة أساليب عيشنا”.

17