تباطؤ النمو الاقتصادي المصري يعزز الحاجة إلى إجراء إصلاحات

الأربعاء 2014/09/03
مصر تعول على دعم أشقائها الخليجيين لمجابهة المشاكل الاقتصادية التي تعترضها

القاهرة - الوضع الاقتصادي الهشّ الذي أماطت عنه ثورات ما سمي بـ”الربيع العربي” اللثام، بانت فيه العديد من الهنات والمشاكل الهيكلية التي يصعب إصلاحها على المدى القصير، مما تسبب في ظهور انعكاسات سلبية طالت البنية الاقتصادية لهذه الدول، وعلى رأسها مصر التي ظهر نموها الإقتصادي بطيئا وفي أمس الحاجة إلى إصلاحات عاجلة، حسب تقرير أعدّته الخبيرة الاقتصادية ليلى موتاغي، حمل عنوان “الموجز الاقتصادي ربع السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، وصدر عن البنك الدولي.

تضررت اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشدة جرّاء استمرار التوترات الإقليمية والبيئة الخارجية الصعبة (وإن كانت قد تحسنت تحسنا طفيفا). فالنمو الاقتصادي مستمر في التباطؤ، واحتياطيات المالية العامة آخذة في النضوب، ومعدلات البطالة في ازدياد، ونسب التضخم ترتفع في سبعة من أشد اقتصادات المنطقة تأثرا وهي؛ مصر وتونس وإيران ولبنان والأردن واليمن وليبيا.

وتؤدي تدابير السياسات على الأمد القصير – مثل زيادة أجور موظفي القطاع العام ومخصصات الدعم بهدف تخفيف التوترات الاجتماعية – إلى تفاقم الوضع الاقتصادي الذي يعاني من اختلالات هيكلية قائمة منذ وقت طويل، ومنها القيود الصارمة في أسواق العمل، وتعقيد الإجراءات الحكومية واللوائح التنظيمية والتباسها، ونقص مرافق البنية التحتية، وعدم كفاءة نظم الدعم التنازلي، وعدم كفاية شبكات الأمان الاجتماعي.

ومع أن هذه البلدان تواجه عدم استقرار على الصعيد السياسي، وفي بيئة الاقتصاد الكلي، فإن تباطؤ النمو بعد ثورات الربيع العربي يتيح فرصة فريدة لمعالجة هذه المشكلات الهيكلية وخلق حيز في المالية العامة وإعادة هيكلة الاقتصاد من أجل توفير فرص العمل وتحقيق نمو يشارك الجميع في جني ثماره. وفي هذا الإطار سنعتمد على الاقتصاد المصري كأنموذج.

الاستثمارات الأجنبية المباشرة لم تنتعش بعد إلى مستويات ما قبل الثورة التي أطاحت بمبارك


ركود تنموي


منذ شهر أغسطس 2013، أعلنت الحكومة المصرية حينها عن حزمتي تحفيز اقتصادي بقيمة إجمالية تقدّر بـ 8.7 مليار دولار. وقد أطلقت حزمة التحفيز الأولى في أغسطس وكانت تعادل واحدا في المئة من إجمالي الناتج المحلي”4.3 مليار دولار”، وقرّرت حينها الإعلان عن الحزمة الثانية في أوائل فبراير 2014.

وقد عوّلت الحكومة وقتئذ على تمويل هذه الإجراءات التحفيزية ممّا سيتحقق من وفرة في الميزانية مُتأتّية من المعونات التي تقدمها كلّ من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت.

وتمثل الهدف من حزمتي التحفيز في توسيع النشاط الاقتصادي على الأمد القصير من خلال زيادة الاستثمارات العامة وأجور موظفي القطاع العام.

ويهدف ذلك إلى زيادة معدل النمو إلى 3.5 في المئة في السنة المالية الحالية “التي انتهت في يونيو الفارط”، وخفض عجز الميزانية من 13.7 إلى 9.1 في المئة من إجمالي الناتج المحلي.

وجاءت حزمتا التحفيز ضمن خطة للتنمية تحت عنوان “الرؤية التنموية الطويلة الأجل مصر 2022″، التي تستهدف تحقيق نمو مستدام وشامل للجميع على الأمد المتوسط من خلال الاستثمار في رأس المال البشري، ولاسيما التعليم والتدريب والرعاية الصحية والتكنولوجيا.

وفي إطار هذه الخطة، من المتوقع أن يرتفع معدل النمو إلى ما بين 5 و7 في المئة في الأمد المتوسط عن طريق زيادة استثمارات القطاع الخاص وتعزيز البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات.

إلا أن معدل النمو الحقيقي لإجمالي الناتج المحلي في مصر ظل راكدا عند نحو اثنين بالمئة ومن المتوقع أن يظل ضعيفا إلى نهاية عام 2014. ويرجع هذا في الأغلب إلى انخفاض الاستثمارات في السنة المالية 2012 /2013 بالمقارنة مع السنوات السابقة، وقد حصل ذلك جراء موقف “الانتظار والترقب” الذي اتخذه المستثمرون المحليون وكذلك الأجانب.

وفي هذا السياق، فقد انخفض إجمالي الاستثمارات بنسبة 2 في المئة ليصل إلى 14.2 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في 2012/2013 بالمقارنة مع 16.4 و 17.1 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في السنتين الماليتين 2010/2011 و 2011/2012 على الترتيب.

ولم تنتعش بعد الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى مستويات ما قبل الثورة التي أطاحت بنظام مبارك، لكن هناك بعض العلامات التي تشير إلى تحسنها. وتظهر العديد من البيانات الرسمية أنّ مصر اجتذبت ما مجموعه 9.2 مليار دولار من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال الأعوام الثلاثة الماضية (3 مليارات دولار في 2013). علما بأن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر بلغت في السابق نحو 9 مليار دولار سنوياً.

معدل النمو الحقيقي لإجمالي الناتج المحلي في مصر ظل راكدا عند نحو اثنين بالمئة ومن المتوقع أن يظل ضعيفا


معضلة البطالة


وبسبب ضعف النمو الاقتصادي، ارتفعت معدلات البطالة لتصل إلى 13.4 في المئة في الربع الثالث من عام 2013 مسجلة زيادة قدرها 0.1 في المئة عن ربعه الثاني. ولا يشمل هذا الرقم سوى العمالة المسجلة، ولا يأخذ في الحسبان عدد العاطلين عن العمل في الاقتصاد غير الرسمي الذي يعتقد أنه أعلى من المعدل الرسمي.

وقد شهدت الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2013 وحدها، زيادة في عدد المصريين العاطلين بنحو 30 ألفا ، جراء استمرار عدم الاستقرار السياسي وتصاعد حدّة العنف حينها.

وتظهر البيانات الرسمية أنّ ما بين 700 ألف شخص و800 ألف من الباحثين الجدد عن عمل يدخلون سوق العمل كل عام، وهو ما قد يزيد جزئيا من عدد العاطلين، الكبير فعليا، حيث بلغ عددهم الـ 3.6 مليون شخص.

وتذهب تقديرات البنك الدولي إلى أنه لكي ينخفض معدل البطالة بحلول عام 2020، يجب أن ينمو الاقتصاد سنويا بنسبة 6 في المئة على الأقل. وقد اتسعت الفجوة القائمة في معدلات البطالة بين النساء والرجال بشدّة، وهي فجوة تعود إلى ما قبل ثورة عام 2011.

فقد بلغ معدل البطالة بين الرجال 9.8 في المئة في حين وصل المعدل بين النساء إلى 25.1 في المئة في نهاية سبتمبر 2013.

وتظهر بيانات من مسح استقصائي للقوى العاملة، أجري في مصر، أنّ قرابة 74 في المئة من العاطلين عن العمل تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما وأن نسبة 42 في المئة منهم من الشريحة العمرية 20 و24 عاما. كما تظهر أنّ أكثر من 76 في المئة من العاطلين عن العمل متعلمون، ويحمل 30 في المئة منهم درجات جامعية أو ما فوقها.

وفي سياق آخر، لم تدع السياسة المالية التوسعية للحكومة مع الدين خلال العامين الماضيين مجالا يذكر لتمويل القطاع الخاص. وبسبب الدعم المتصاعد لأسعار المواد الغذائية ومنتجات الوقود “الّذي بلغ إجمالا نحو 9 في المئة من إجمالي الناتج المحلي و30 في المئة من الإنفاق الحكومي”، ارتفع عجز الميزانية العامة عما كان عليه من قبل ليصل إلى مستوى غير مسبوق قدره 13.7 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2013، بالمقارنة مع 11 في المئة في 2012.

وفضلا عن ذلك، فإن هذا الدعم كان موزعا بصورة غير متناسبة، ويعود بالنفع على الأغنياء أكثر من الفقراء. وعلى سبيل المثال، أظهرت دراسة للبنك الدولي أنّه في المناطق الريفية بصعيد مصر يزيد ما يحصل عليه أغنى 20 في المئة من السكان من منافع دعم الأغذية في المتوسط نحو 48 في المئة عن الشريحة الأشد فقرا من السكان.

المواطن المصري يراهن على الاستقرار السياسي لمجابهة غول الفقر المتربص به


معدل تضخم مرتفع


في سياق آخر يشير الموجز الاقتصادي ربع السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى أنّه على الرغم من أن بلدان الخليج تعهدت بتقديم 16 مليار دولار لمصر، فإن احتياجات البلاد المالية لا تزال كبيرة. ويجري جزئيا سد احتياجات التمويل من خلال السحب من الاحتياطات الدولية “التي كانت، بما فيها المعونات المقدمة من بلدان الخليج، تكفي لتغطية واردات 4 أشهر في ديسمبر 2013″، ومن زيادة الدين العام.

وتظهر البيانات الرسمية أن الدين المحلي للحكومة وحده زاد 6 في المئة في الربع الثالث للسنة المالية 2013 مقارنة بالربع الثاني من السنة نفسها. وتذهب التقديرات إلى أنه سيصل إلى مستوى قياسي مرتفع يقارب 85 في المئة من إجمالي الناتج المحلي بنهاية السنة المالية 2013/2014. هذا وقد ساعدت الأموال المقدمة من بلدان الخليج على زيادة الاحتياطات، الأمر الذي أتاح مجالا لتخفيف القيود النقدية.

من جهة أخرى فقد خفض البنك المركزي، في أوائل ديسمبر من السنة الماضية، أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض لليلة واحدة – وذلك للمرة الثالثة منذ يوليو 2013- بنسبة 0.5 في المئة بغرض تشجيع الاستثمار. وقد ارتفعت قليلا قيمة العملة المحلية، كنتيجة لذلك.

وتظهر البيانات الرسمية أن قيمة الجنيه المصري زادت إلى 6.89 جنيه مقابل الدولار الأميركي أواخر سنة 2013 بعد أن هوت إلى 7.03 جنيه في أوائل أغسطس من نفس السنة.

ومع ذلك، لم يحدث تغير يذكر في السوق الموازية “السوداء” وأسواق المعاملات الآجلة حيث لا يزال الجنيه المصري أضعف من السعر الرسمي. ومازال معدل التضخم مرتفعا.

وتشير بيانات شهرية أعدها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلى أن معدل التضخم السنوي زاد أكثر من الضعفين إلى 11.7 في المئة في ديسمبر2013 “من 4.7 في المئة في الشهر نفسه من العام 2012″. وتعزى زيادة معدل التضخم في معظمها إلى ارتفاع أسعار الأغذية وإيجارات المساكن والخدمات الغذائية.

وتظهر تقديرات مبدئية في دراسة للبنك الدولي أنه في ظل الوضع الاقتصادي الحالي، سيظل معدل التضخم مرتفعا عند نحو 10.2 في المئة في السنة المالية 2013/2014، وذلك بسبب ارتفاع أسعار الغذاء وانخفاض الإنتاج والسياسات التوسعية للحكومة والآثار غير المباشرة لزيادة أجور موظفي القطاع العام.

3.6 مليون شخص عدد العاطلين عن العمل سنة 2013


مواطن الضعف


في سياق آخر، أشارت ليلى موتاغي في تقريرها ، إلى الاقتصاد المصري يعاني منذ وقت طويل من عدة اختلالات هيكلية، أولها، أنّه مر بعقود من ضعف الاستثمار ولا سيما في مجالات الصناعة والبنية التحية ومازال الاستثمار منخفضا واستمرت نسبته من إجمالي الناتج المحلي في الانخفاض.

وثانيها، أنّه ثمة شواهد على أن القطاع الخاص تهيمن عليه شركات كانت تتمتع بصلات سياسية قوية منعت تقريبا دخول شركات جديدة إلى السوق، واستنادا إلى مؤشرات سهولة ممارسة أنشطة الأعمال، تأتي مصر في النصف الأدنى من البلدان التي شملها الترتيب، إذ احتلت المركز 109 من أصل 183 بلدا في عام 2013.

ويتمثل أحد المعوقات الرئيسية أمام تنمية القطاع الخاص في الاجراءات البيروقراطية المفرطة.فعلى سبيل المثال، تأتي مصر تقريبا في ذيل القائمة على مؤشري إجراءات استخراج تراخيص البناء وإنفاذ العقود التجارية.

وأخيرا، فإن مواطن الضعف الاقتصادي في القطاعات الرئيسية أضعفت من فرص العمل المتاحة للأعداد الكبيرة من العاطلين عن العمل، وكذلك للداخلين الجدد إلى سوق العمل.

وانتقلت نسبة كبيرة من السكان إلى القطاع غير الرسمي من الاقتصاد الذي لا يتاح لهم فيه الحصول على أية مزايا للضمان الاجتماعي.وعلاوة على ذلك، دفعت هذه الأوضاع أعدادا كبيرة من الناس صوب خط الفقر ليصبحوا أكثر عرضة للتأثر بالصدمات الخارجية، وتظهر البيانات الرسمية ارتفاع معدلات الفقر ولا سيما في المناطق الريفية.

6