تباطؤ معدلات التنمية يهدد الديمقراطية الناشئة في تونس

منحت الثورة التونسية العديد من المكاسب المرتبطة بالحريات العامة، إلا أنها في المقابل لم تف بوعودها على مستوى التنمية الاقتصادية التي كانت أحد أهم مطالب الشباب التونسي. وفي ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيش على وقعه البلاد وتبعاته الوخيمة على شرائح واسعة من المجتمع لا سيما مدن الشمال والوسط والجنوب الغربي، يؤكد الكثير من المراقبين على ضرورة تدارك الحكومة هذا الواقع قبل أن يتحول إلى تهديد لمكاسب الديمقراطية في تونس. وهو ما أوصى به ويل دوسيت الباحث الأميركي في تقرير له بمعهد أبحاث السياسة الخارجية الأميركي، مقترحا برنامجا شاملا على الحكومة التونسية الالتزام به إذا ما كانت تريد إنقاذ المكاسب التي تم تحقيقها.
الاثنين 2016/04/04
جاءت الحرية وغاب التشغيل

واشنطن - الثورة التونسية تعتبر أنجح تجربة من بين حركات الربيع العربي منذ العام 2011 إلى حد الآن وذلك لعدة اعتبارات، منها أولا أنها الثورة الوحيدة التي تمت فيها إزاحة الرئيس (زين العابدين بن علي) من الحكم دون إراقة دماء كثيرة وسقوط قتلى من التونسيين، وثانيا أن تونس تعتبر البلد العربي الوحيد الذي أنهى عملية صياغة دستور جديد للبلاد مقارنة بعدة بلدان عربية أخرى، أما الاعتبار الثالث فهو فوز حزب نداء تونس الذي يضم أطيافا سياسية واسعة بأول جولة من الانتخابات البرلمانية المنتظمة وتركيز أول حكومة ديمقراطية في البلاد.

وما يبقى على القائمين على الثورة في تونس الآن سوى أن يقوموا بمعالجة المشاكل الاقتصادية التي كانت سببا في اندلاعها بالدرجة الأولى، وأن يتمكنوا من تحديد مشاكل البطالة والفوارق الاجتماعية المنتشرة في كامل أرجاء البلاد، سواء في المناطق الداخلية الغربية أو الجنوبية بصفة خاصة. ولذا يجب أن تكون تنمية هذه الجهات المحرومة أولوية بالنسبة إلى الحكومة التونسية. وبالرغم من أن ذلك يمثل تحديا كبيرا بالنسبة إلى الحكومة والجهات المسؤولة، إلا أن إصلاح هذه الإخلالات سيساهم في خلق نوع من التوازن بين الجهات وتثبيت النظام الديمقراطي الجديد.

وتكمن جذور معاناة المناطق الداخلية في نماذج الاستثمار الخاطئة التي أرساها نظام بن علي وحياد المشاريع المبرمجة عن مسارها الحقيقي، حيث تدفقت أموال الحكومة نحو المناطق الساحلية مثل تونس وصفاقس وسوسة بهدف تطوير أساليب التجارة مع الشريك الأوروبي (الاتحاد الأوروبي) والاستثمار الأجنبي المباشر والسياحة أمام إغفال تام للمناطق الداخلية التي لم تحظ سوى بجملة من المشاريع التنموية المحدودة. كما فعل الاستثمار الخاص نفس الشيء مما زاد في تعكير الفوارق بين الفئات الاجتماعية.

بطالة مستفحلة

في حين شهدت المناطق الداخلية تحسنا نسبيا على مستوى المرافق الضرورية والخدمات الأساسية على غرار التعليم والصحة، إلا أنها في المقابل لم تواكب الأساليب الجديدة للنمو الاقتصادي، كتعصير الفلاحة وإعادة الاهتمام بهذا القطاع الحيوي الذي يمثل أكبر قطاع منتج في الاقتصاد المحلي التونسي، كما لم تنوع أنشطته.

إثر الأزمة المالية لسنة 2008 وانتفاضة الحوض المنجمي بقفصة قرر نظام بن علي توجيه حزمة من الحوافز نحو المناطق الداخلية لكنها فشلت في مساعدة هذه المناطق وأصبح الكثير من السكان مقتنعين بأن الحكومة لم تعد تولي أي اهتمام بهم، وكان محمد البوعزيزي أحدهم. فبعد فشله في كسب قوته كبائع متجول وتعرضه لمضايقة الشرطة، أضرم في نفسه النار للاحتجاج على الفساد المستشري والفقر في ديسمبر 2010. وأدى هذا العمل اليائس إلى خروج العديد من المظاهرات نجحت في إنهاء حقبة بن علي.

طالما أخفقت الحكومة في معالجة المشاغل الحقيقية للمناطق الغربية والجنوبية، فإن عليها انتظار المزيد من الاضطرابات

ولئن تمكن النظام الديمقراطي الوليد في تونس بعد ثورة 14 يناير من امتصاص الكثير من تظلمات المحتجين إلا أنه ما يزال مطالبا بمعالجة المشاكل الاقتصادية التي كانت في قلب الاضطرابات ضد بن علي.

ورغم زيادة انفتاح الفضاء العام ليشمل جل المناطق في تونس، يستمر سكان المناطق الداخلية في الاحتجاج ضد المستويات المرتفعة للبطالة وتفشي الفقر. وطالما أخفقت الحكومة المركزية في معالجة المشاغل الحقيقية للمناطق الغربية والجنوبية، فإن عليها انتظار المزيد من الاضطرابات الاقتصادية والسياسية. وفي حال عدم معالجة هذه الاضطرابات، فإنها توشك أن تقوض الدعم الشعبي للديمقراطية في مصلحة عودة الاستبداد أو الحكم الإسلامي. ودعما لهذا الرأي أشار استطلاع عام قامت به مؤسسة “أمرهود كونسالتنغ” في صيف 2015 إلى وجود مساندة واسعة للإجراءات الأمنية الشديدة ردا على الهجمات الإرهابية التي يمكن أن يضعف بعضها الحريات السياسية للتونسيين. فعلى سبيل المثال، يؤيد 72 بالمئة من المستجوبين غلق المساجد التي لا تخضع لسلطة الدولة، و75 بالمئة يساندون إعادة النظر في شرعية بعض الأحزاب السياسية.

كما أجبر الفقر والبطالة في المناطق الداخلية الكثير من الشباب وخاصة المتعلمين منهم على الهجرة إلى المدن بحثا عن فرصة عمل. وفي ظل الصعوبات التي يشكو منها قطاع الصناعة وقطاع السياحة بسبب الأزمة الاقتصادية في أوروبا والهجمات الإرهابية الأخيرة فقد تضاءلت حتى فرص العمل في المدن الكبرى.

فحسب تقرير صدر في سنة 2013 عن مؤسسة بوكينغز، فإن قرابة 30 بالمئة من خريجي الجامعات وأكثر من 20 بالمئة من الحاصلين على تعليم ثانوي لم يتسن لهم إيجاد عمل خلال العام 2011. إضافة إلى ذلك، فإن الاقتصاد التونسي تهيمن عليه الصناعات التي تتطلب يد عملة منخفضة الأجر مثل التصنيع والسياحة، إضافة إلى امتناع المشغلين وأصحاب المؤسسات عن توفير أي نوع من التدريب والتكوين داخل المؤسسات مما يؤدي في أحيان كثيرة إلى تسريح العديد منهم وتعويضهم بكل بساطة. وهذا الوضع يترك قطاعا واسعا من السكان الحضر، وخصوصا من فئة الشباب، غير مؤمن اقتصاديا وقد يفقدهم الصبر على هذه الديمقراطية التي ينادي بها الكثير من السياسيين، ويدفعهم ليكونوا مجندين جدد لدى التنظيمات الجهادية.
الحكومة مطالبة بأن تتصرف بسرعة وحزم، لتبرهن إلى سكان المناطق الداخلية بأن أصواتهم مسموعة وأنها ستعالج مشاغلهم

آليات الإصلاح

من أجل معالجة المستويات المرتفعة للفقر سواء في الأرياف أو المدن، يتوجب على الحكومة التونسية أن تعمل من أجل تطوير أساليب العيش في المناطق الداخلية الفقيرة. وهي مهمة معقدة وتتطلب مقاربة شاملة تتناول جميع الجوانب الاقتصادية، يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط وهي، إصلاح التعليم، وتوفير رأس المال، وتحسين البنية التحتية في الأرياف.

التحدي الأول المهم في تونس اليوم هو التعليم، فالتعليم المدرسي متاح للجميع تقريبا وبحسب تقرير منفصل لمؤسسة “بوركينغز” صدر في سنة 2014 تقلصت نسبة الأمية إلى أكثر من 40 بالمئة. لكن حكومات ما بعد الاستقلال في هذا البلد سلطت تركيزها على مسألة التمكن من التعليم بدل الجودة. وتوجد حاليا أعداد ضخمة من الشباب من خريجي الجامعات في تونس غير قادرين على إيجاد وظيفة تناسب مستوى تحصيلهم العلمي.

ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى كونهم غير مجهزين بمهارات عالية وكافية تتواءم مع متطلبات الاقتصاد الحديث، باعتبار أن توفر يد عاملة متعلمة ذات كفاءة يساهم في جلب العديد من الاستثمارات الخارجية. كما أن الاقتصاد الوطني في تونس يظل دائما في تطور وتجدد ومن الأهمية بمكان بناء اقتصاد يعتمد أكثر على الخدمات خاصة بالنسبة إلى المدن غير الساحلية، حيث يصعب في هذه المناطق تنشيط عدة قطاعات مشغلة ومصدرة على غرار السياحة والصناعة. ومن شأن إصلاح التعليم أن يمكن الفلاحين من استخدام طرق عصرية وأكثر إنتاجية إضافة إلى فهم الإمكانات الصحيحة لمناطقهم.

قرابة 30 بالمئة من خريجي الجامعات وأكثر من 20 بالمئة من الحاصلين على تعليم ثانوي لم يتسن لهم إيجاد عمل خلال العام 2011

التحدي الثاني هو النفاذ إلى رأس المال، فالشباب المتعلم جيدا لن يتمكن من الابتكار سواء في الصناعات المعتمدة على الخدمات أو الصناعات الفلاحية دون تمويلات. وفي المقابل، فإن التعويل على المصادر المالية الخاصة لن يذهب بعيدا لأن المناطق الداخلية التونسية لن تجتذب فجأة التمويلات الخارجية المباشرة لمجرد تحسّن النظام التعليمي، بل يجب على الحكومة التونسية تسخير موارد كبيرة، مالية، لضمان توفر القروض التي يجب أن توجه نحو المشاريع الصغرى والمزارع العائلية، ومن ثم زيادة عدد مواطن العمل المحدثة وانتشال عدد أكبر من الناس من الفقر. ونتيجة لزيادة الاستثمار في الاقتصاد الريفي سيتوسع الري وسيتمكن المزارعون من التحول إلى المحاصيل ذات القيمة الأكبر والأنشطة التصنيعية الأساسية كصناعة عصير الفواكه بدل الاكتفاء بتصدير الفواكه.

التحدي الكبير الثالث يتمثل في حالة البنية التحتية، فشبكة الطرقات في تونس مشتتة وتنقصها الصيانة مما يجعل الوصول إلى هذه المناطق صعبا إن لم يكن مستحيلا، كما أن شبكة المياه غير ملائمة للري على نطاق واسع وتقليدية إلى درجة لا تسمح بتحمل التوسيع دون المجازفة بتبذير كبير وإفراط في استغلال الموارد المائية. ومن الضروري كذلك زيادة مرافق تخزين المنتوجات الفلاحية مثل الحليب، فضلا عن مراكز التدريب والمؤسسات البسيطة والحيوية مثل خدمات الإرشاد الفلاحي. وفي الوقت نفسه يجب حماية الموارد العمومية وتقويتها لضمان استدامة النمو على المدى البعيد.

ومن الضروري أن تلتزم تونس بالكامل بهذا المشروع التحديثي وألا تبخل في تمويله أو تهمل الطرق المعقدة لتفاعل كل مسألة مع بقية المسائل، فكل جانب من جوانب البرنامج المسطر هنا يتوقف على بقية الجوانب، وإهمال جانب واحد يمكن أن يقوض المشروع برمته أو يؤدي إلى عواقب وخيمة. ويمكن لعدم الاستقرار السياسي أو العنف أن يهدد حتى برامج التنمية الأحسن تصميما، ولذلك على الحكومة أن تتصرف بسرعة وحزم لتبرهن لسكان المناطق الداخلية بأن أصواتهم مسموعة وأنها ستعالج مشاغلهم، وذلك قبل أن تزداد مشاكلهم تعكرا. وفي حال تمكنت تونس من إعداد مخطط تنمية شامل، فإن ذلك من شأنه أن يعيد رسم خارطة التنمية في البلاد ويقدم ضمانة على أن تونس هي الوحيدة من بين بلدان الربيع العربي يمكنها بناء مجتمع مستقر ومزدهر وديمقراطي بالكامل والمحافظة عليه.

6