تباين المستوى يطبع حصيلة المشاركة العربية بأمم أفريقيا

روح المجموعة سرّ تفوق المنتخب الجزائري في المسابقة القارية والمنتخب التونسي كان قادرا على تقديم الإضافة والتألق.
الأحد 2019/07/21
إرادة قوية بلا روح

مع الإعلان عن نهاية نسخة بطولة أمم أفريقيا التي احتضنتها مصر من 21 يونيو إلى غاية 19 يوليو يتوقف المحللون في تقييمهم للمشاركة العربية عند العديد من النقاط السلبية التي تناولوها بالتحليل والدرس أملا في تجاوزها، فيما وقف آخرون على بعض النقاط الإيجابية التي يمكن البناء عليها. ورغم أن المشاركة العربية فرضت نفسها بالبطولة القارية إلى غاية المباراة الختامية وتوّجت بتواجد طرف في ضلعيها وهو المنتخب الجزائري، إلا أن الأمل يظل معقودا بالنسبة للمحللين على رؤية نهائي عربي عربي طال انتظاره في قادم المسابقات.

  القاهرة – أسدل الستار على بطولة أمم أفريقيا بمصر الجمعة 19 يوليو. والأكيد أن كل بطولة يجب الاستفادة من سلبياتها وأخذ الدروس والعبر للبناء على ما تحقق من إيجابيات مستقبلا وخصوصا للتجربة العربية. وحملت هذه البطولة الكثير للمنتخبات العربية الخمسة المشاركة في نسختها الجديدة بـ24 منتخبا.

ومرت التجربة العربية في هذه المسابقة القارية بأطوار متباينة. ومنذ الدور الأول الذي فرضت فيه المنتخبات العربية سيطرتها وحظيت بإشادة الجميع لجهة الأرقام التي حققها المغرب ومصر والجزائر في دور المجموعات.

لكن سرعان ما تعرضت هذه المشاركة إلى نكسة منذ بدء الأدوار الإقصائية بخروج أبرز منتخبين عربيين من السباق. منتخب مصر البلد المضيف الذي غادر السباق مبكرا وترك لوعة كبيرة في صفوف مشجعيه لتنقلب إثرها الأمور رأسا على عقب داخل الشارع الرياضي المصري.

نفس الأزمة صدّعت الجمهور الرياضي في المغرب بعد خروج المنتخب الفتي والقادر على بلوغ الأدوار النهائية وفق المراهنين عليه والمتطلعين إلى إنجازاته في البطولة.

نقاط سلبية

حريّ بأي متابع حصيف للبطولة وناقد موضوعي أن يتوقف عند هذا الدور، أي الثمن النهائي، لترك رسالته للقائمين على حظوظ هذين المنتخبين في مصر كما في المغرب. الرسالة واضحة ولا تحتمل أكثر من سؤال: أي رؤية يمكن البناء عليها لتحقيق الهدف المنشود من البطولة، هل بمنتخب النجم الواحد على غرار مصر، أم بمجموعة متجانسة ظاهريا وفقدت قائدها على أرضية الميدان.

جدير بالمسؤولين الساهرين على هذين المنتخبين أن يتمسكوا جيدا بأطروحاتهم الذاهبة ناحية البناء والتأسيس واستخلاص الدروس التي تركتها هذه النسخة، لا البقاء على الحياد والاكتفاء برمي التهم وتحميل المسؤولية لهذا الطرف أو ذلك.

أول درس يمكن البناء عليه في هذا الاتجاه، أن منتخب النجم الواحد لا ينفع في منافسات قوية كهذه. المثال يقدّمه المنتخب المصري في هذا الخصوص وظل منذ بروز نجمه محمد صلاح في الدوري الأوروبي يرى فيه نقطة ارتكاز للفريق دون أن يبني فريقا جماعيا أو يقوم بعملية تشبيب للوجوه التي تقدّمت في السن وباتت على طريق الاعتزال.

المتابع لبطولتي أمم أفريقيا وكوبا أميركا يلاحظ هذه المسألة بأكثر وضوح، فقد وضعت هاتين البطولتين نجمي المنتخب المصري والأرجنتيني في خانة واحدة قوامها العجز عن الإسناد والوقوف ندا للمنتخبات المنافسة.

ميسي وصلاح برزا كوجهين لعملة واحدة، كل واحد منهما غادر البطولة بطريقته، الأول مطرود في اللقاء الترتيبي أمام تشيلي والثاني فقد تلك الهيبة التي كان يعلقها عليه الجمهور المصري رغم اعتذاره الشديد والوعد الذي قطعه على نفسه بالتدارك.

في هذا الإطار يكشف المدرب قيس اليعقوبي في تصريحات تلفزيونية أن المنتخب الذي يعول على ركيزة أو ركيزتين في الفريق يكون مصيره الفشل.

وقال اليعقوبي في إجابة على سؤال كيف ترى حظوظ المنتخبات التي عولت على لاعب وحيد مثل المنتخب المصري، “اللاعب الوحيد لا يبني فريقا، روح المجموعة هي الأساس لأي منتخب يريد الذهاب بعيدا في أي مسابقة يخوضها.. المثال يختصره المنتخب الجزائري قولا وفعلا”.

ميسي وصلاح برزا كوجهين لعملة واحدة، كل واحد منهما غادر البطولة بطريقته، الأول مطرود في اللقاء الترتيبي أمام تشيلي والثاني فقد تلك الهيبة التي كان يعلقها عليه الجمهور المصري 

وتشير تعليقات المحللين حول المساوئ التي يجب الوقوف عليها في هذه البطولة إلى أنه لا يكفي أن تكون لديك مجموعة كبيرة من اللاعبين ينشطون في أعرق النوادي الأوروبية، في غياب استراتيجية واضحة للتعامل معهم وكيفية توظيفهم فوق الميدان والأهم من ذلك كيفية إدارة العلاقة بينهم.

ولفهم هذه العملية، فإن الأمر يتوقف على بعض التجارب ومنها تجربة المنتخب المغربي، فقد أثيرت العديد من نقاط الاستفهام قبل بداية الكان حول العلاقة بين اللاعبين وتساءل الكثيرون لماذا تمت التضحية بعبدالرزاق حمد الله، هداف الدوري السعودي، لتأتي الإجابة سريعا في البطولة بخروج مدوّ لأسود الأطلس طرح أكثر من نقطة استفهام حول مصير المدرب هيرفي رينارد وطريقة تعامله مع المجموعة، في وقت تشير فيه التقارير إلى أن موعد رحيل الأخير قد حُسم فعليا رغم تكذيب الاتحاد المغربي لما كشفت عنه تقارير صحافية تحدثت عن رحيل معلن لرينارد.

وفي هذا الإطار يعلق اللاعب القيدوم في المنتخب المغربي مصطفى حجي في تصريح صحافي اختصر فيه مسؤولية المدرب في هذه البطولة، بالقول “المسؤولية تنطلق من القائمة، وحاجتنا لبعض الأسماء في خط الهجوم، وكذلك تسييره للمباريات، وتدخله لتغيير النتيجة”. وأضاف “أعتقد أنَّه بدوره لو سألته سيكشف لك عن ندمه بشأن تدخله السلبي لتغيير الأمور، وهذه أشياء تحدث في عالم التدريب، لكن للأسف تكون الفاتورة مكلفة”.

مثالا المنتخبين المصري والمغربي لا يختصران الجدل حول تقييم مشاركة المنتخبات في أمم أفريقيا، لكنهما يكشفان بوضوح حدود التجربة وانهيارها في أول الطريق لمنتخب حائز على سبع بطولات قارية ركن إلى سلاح وحيد للمقاومة ولم يغيّر من تركيبته منذ رحيل الجيل الواعد بقيادة الحضري وأوبوتركية وغيرهما من النجوم اللامعين. فيما تظل مشكلة المغرب غير عصيّة على الحل لكن شريطة توفر جملة من العناصر الأساسية التي يتوجب أخذها بعين الاعتبار ومنها الانضباط وفرض معسكرات تدريب دورية يتقيد بها جميع اللاعبين والأهم من ذلك اختيار جهاز فني قادر على إعادة صورة المغرب الحقيقية في أمم أفريقيا.

تجارب متواضعة

قريبا من هذه الحالة يظل التركيز مسلطا على منتخبات أخرى مغامرة، خاضت التجربة بروح الفريق رغم قلة الإمكانيات وحققت المطلوب في مسابقة لا تعترف إلا بالأقوى. مثالان هامان في هذا الاتجاه يختصرهما الظهور المشرف لمنتخبي مدغشقر وبنين في هذه البطولة، الأول خاض البطولة لأول مرة وغادرها من أوسع أبوابها بعدما حقق إنجازا خياليا ببلوغه الربع النهائي، فيما شدّ الثاني إليه الجمهور الرياضي العربي والأفريقي بإنجاز تاريخي أوصله إلى الثمن النهائي.

 قريبا من هاتين الحالتين ظهرت منتخبات أخرى في صورة بينية، يصعب إيجاد ترتيب لها رغم أنها قادرة على صنع المزيد. المثال يختصره منتخب تونس الذي وصل إلى نصف نهائي البطولة وكان بإمكانه أن يكون طرفا في اللقاء الختامي برفقة المنتخب الجزائري. لكن العديد من الهنات والأخطاء وضعت نسور قرطاج في مركز رابع بعد خسارة المباراة الترتيبية أمام نيجيريا التي صعدت إلى المركز الثالث.

توج منتخب تونس مشاركته بحلوله رابعا. وهذا في نظر بعض متابعيه يعتبر إنجازا كونه تم الاتفاق مع المدير الفني الفرنسي قبل بدء المسابقة على بلوغ هذا الدور. لكن بالنسبة إلى بعض الآراء الأخرى، فإن الحلول رابعا في بطولة يشهد الكثير من المحللين أن مستوى المنتخبات فيها يظل دون المأمول لا يمكن بأي صفة وضعه بمرتبة الإنجاز.

وعبّر العديد من المحللين عن امتعاضهم من المستوى الذي وصل إليه مردود المنتخب في هذه النسخة، كما لاحظ الكثير منهم مستوى الإجهاد البدني لبعض اللاعبين في المباراة الأخيرة أمام نيجريا وخصوصا منهم المحترفين في أندية أوروبية.

المنتخبان المصري والمغربي يكشفان بوضوح حدود التجربة وانهيارها في أول الطريق لمنتخب حائز على سبع بطولات قارية
المنتخبان المصري والمغربي يكشفان بوضوح حدود التجربة وانهيارها في أول الطريق لمنتخب حائز على سبع بطولات قارية

ويتساءل الكثير منهم عن الأسباب التي تقف وراء ذلك فيما يرى آخرون أن المنتخب قادر على تقديم مستوى أفضل من الذي ظهر به في المباراتين الأخيرتين أمام السنغال.وتساءل حسني الزغدودي المحلل الرياضي التونسي عن الأسباب التي جعلت اللاعبين ينهارون بتلك الكيفية، وقال في تصريح تلفزيوني “بتلك الروح الغائبة لا يمكن العودة في النتيجة أمام منتخب نيجيري متواضع الإمكانيات ولا يفوق تونس سوى في المحافظة على هدف أهداه إياه من خطأ فادح”.

وعلى العكس تماما من الزغدودي يذهب الصحفي والمحلل الرياضي مراد البرهومي إلى أن المنتخب التونسي قادر على تقديم الإضافة والتألق في قادم المسابقات شريطة توفر جملة من العناصر التي يجب البناء عليها.

وقال البرهومي في تصريح لـ”العرب” “تونس قادرة على تقديم ما هو أفضل من المستوى الذي ظهرت به في الكان، وعندما أرادت العودة في المسابقة وفرض نفسها في المسابقة أسقطت منتخبات قوية على غرار غانا ومدغشقر مفاجأة البطولة”.

وخلافا لهاتين الرؤيتين يرى فريد شوشان، اللاعب الدولي السابق لمنتخب تونس أنه مستاء من الطريقة التي أنهى بها نسور قرطاج مشاركتهم في كأس أمم أفريقيا مصر 2019.

وقال شوشان في تصريح بعد لقاء تونس ونيجيريا “بعد أن سوّقوا لنا بأن منتخب تونس سيحقق إنجازا جديدا لم يتحقق منذ 1962 وهو المركز الثاني، سيحاولون تضخيم المركز الرابع الذي أرى أن منتخب تونس وصل إليه عن طريق الحظ”.

وأضاف “لقد كان مردود منتخب تونس أمام نيجيريا هزيلا خصوصا في الشوط الأول، شخصيا أعتبر أن المرتبة الرابعة ليست إنجازا لمنتخب تونس حتى وإن حاولوا تسويق هذه المرتبة”.

وقيّم شوشان المشاركة التونسية بالقول “على مدار 7 مباريات لعبها منتخب تونس يمكن اعتبار أن مباراة غانا كانت الأفضل وبعدها مباراة مدغشقر، أما بقية المقابلات سواء في الدور الأول وحتى تأهلنا إلى الدور الثاني كان بالإسعاف”.

وتبقى الحالة الجزائرية الاستثناء الوحيد الذي خرجت به بطولة مصر. فقد نال المنتخب الجزائري إعجاب المتابعين وظل صفحة مضيئة لقصة عودة ناجحة ومبهرة لمحاربي الصحراء، كان وراءها العديد من الأبطال المحاربين، ربما يكون أبرزهم المدير الفني جمال بلماضي.

وبعد مشوار رائع للمنتخب الجزائري في البطولة، لم تتوقف عبارات الثناء والإشادة بالمدير الفني بلماضي من قبل المحللين والنقاد الرياضيين في الجزائر وخارجها، وذلك بعد أسابيع من تعرضه لموجة انتقادات تعلقت في معظمها باختياراته لقائمة المنتخب للبطولة الأفريقية.

الاستثناء الجزائري

لكن الجزائري الخبير بأسرار اللعبة ركن إلى العمل وإجابة خصومه على الميدان. فقد منح هذا المدير الفني روحا إضافية وجرعة حياة لمنتخب يزخر بالعديد من النجوم وغابت عنه روح التوليفة بين المجموعة والأهم من ذلك كيفية إدارة الأمور على المستطيل الأخضر.

وفي هذا الإطار يؤكد يوسف تازير، رئيس المنظمة الوطنية للصحافيين الرياضيين الجزائريين، أن بلماضي “نجح بالفعل في إعادة المنتخب الجزائري إلى المسار الصحيح من جديد وأثبت صحة قراراته التي سبقت استعدادات المنتخب للبطولة الأفريقية حتى أنه خالف كل التوقعات وتقدم بالفريق ليتصدر المشهد في أمم أفريقيا”.

وقال تازير “لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع قبل البطولة ما قدمه المنتخب الجزائري، خاصة في ظل تذبذب مستوى المنتخب ونتائجه منذ أعوام، وبالتحديد منذ مونديال البرازيل 2014، حيث شهد المنتخب تراجعا كبيرا لأسباب متعددة، منها التغييرات المتكررة على الجهاز الفني، فضلا عن وجود مشكلات داخلية بين اللاعبين، والتي كانت في وقت ما سببا في استبعاد بعض العناصر من المنتخب، مثل سفيان فيغولي والحارس رايس مبولحي”.

وكثيرا ما يردّد بلماضي بأن ثقته في اللاعبين لا يمكن أن يزعزعها أيّ كان، ويعكس هذا الخطاب الروح المعنوية العالية التي زرعها المدير الفني في قلوب لاعبيه وحب الدفاع على راية الوطن الذي أصبح عقيدة لدى محاربي بلماضي على الميدان.

وقبل اللقاء النهائي للبطولة الجمعة قال بلماضي، إن ثقته الكاملة في لاعبيه بالدفاع عن راية الجزائر إلى آخر رمق لا يمكنني أن أشك فيها أبدا، مثنيا على قدرة لاعبيه ووقوفهم صفا واحد وراء تحقيق اللقب الحلم.

22